ترجمة: أ. رزان بن دهر
تمتلئ منصات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي ببرامج وتطبيقات وتدخلات تدّعي فعاليتها في علاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بعض هذه الأساليب تُستخدم كعلاجات تكميلية لدعم النظام الدوائي القائم، بينما يروّج البعض الآخر لها كبدائل كاملة عن الأدوية، ومع وجود الكثير من هذه التدخلات وارتفاع تكلفة بعضها، كيف يمكن للشخص اتخاذ قرار دون الحاجة إلى قراءة الكمّ هائل من المجلات الطبية؟
في هذا المقال، نستعرض برامج تدريب الدماغ، بما في ذلك التغذية الراجعة العصبية والتدخلات المرتبطة بالمخيخ (الخاصة بالحركة والتوازن)، لنقيّم ما إذا كانت تُسهم بالفعل في تحسين أعراض ADHD.
ألعاب الدماغ للأطفال والبالغين المشخصين بـ ADHD
تُعرف ألعاب الدماغ، أو ما يُطلق عليه التدريب العصبي المعرفي، بأنها أنشطة تهدف إلى تدريب الدماغ على اكتساب مهارات معرفية جديدة، وغالبًا ما تُقدَّم على أنها وسيلة لتحسين التركيز والانتباه والوظائف التنفيذية التي يعاني منها الأشخاص المشخصين بـ ADHD، مثل الذاكرة العاملة، والذاكرة العاملة هي القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة، واستخدامها أثناء أداء مهمة معينة، ثم التخلص منها عند الانتهاء، تتضمن ألعاب الدماغ مهامًا مثل تصنيف العناصر حسب اللون أو الشكل، أو تذكّر تسلسلات من الأشكال أو الرموز، أو تمييز عناصر ظهرت لفترة قصيرة على الشاشة، يمكن أداء هذه التمارين على جهاز كمبيوتر في عيادة مختصة أو من المنزل، حسب نوع البرنامج المستخدم.
ألعاب الدماغ لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه: خلاصة التقييم
هل تساعد ألعاب الدماغ في تقليل أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بشكل دائم، أم أن تأثيرها يقتصر فقط على فترة ممارسة التمارين؟ هذا هو السؤال الأساسي، فمثلاً، قد يؤدي لعب الكثير من لعبة “كاندي كراش” إلى تحقيق نتائج أعلى داخل اللعبة، لكن دون فوائد تذكر خارجها.
في هذا السياق، توصل الباحثون إلى أن ألعاب الدماغ لا تؤدي فعليًا إلى تقليل أعراض ADHD، رغم أن أداء اللاعبين قد يتحسن في المهام داخل اللعبة نفسها، إلا أن هذه التحسينات غالبًا لا تنتقل إلى مجالات أخرى من الحياة، كاتباع التعليمات في المدرسة مثلًا، إضافةً إلى ذلك، لا توجد أدلة علمية قوية تدعم إمكانية “تدريب” الدماغ لتحسين الذاكرة العاملة أو غيرها من الوظائف التنفيذية.
التغذية الراجعة العصبية (Neurofeedback) لعلاج ADHD
التغذية الراجعة العصبية هي نوع من أنواع التغذية الراجعة البيولوجية (Biofeedback)، تستخدم جهاز تخطيط كهربائية الدماغ (EEG) لقياس نشاط الدماغ، وتدريب الشخص على إنتاج أنماط من الموجات الدماغية تشبه تلك الموجودة لدى الأشخاص غير المشخصين بـ ADHD، يتم وضع أقطاب كهربائية على رأس الشخص لمراقبة نشاط الدماغ أثناء قيامه بلعب لعبة فيديو في عيادة متخصصة، الفكرة هي أن الشخص سيُظهر تحسنًا في التركيز، وانخفاضًا في فرط النشاط أو السلوك الاندفاعي، ويُفترض أن تستمر هذه التحسينات بعد انتهاء جلسات التدريب، ومع ذلك، فإن هذا النوع من التدخل يتطلب استثمارًا كبيرًا من الوقت (أكثر من 30 جلسة تُعقد عدة مرات أسبوعيًا)، وقد تصل تكلفته إلى 3000 دولار، كما أن التأمين الصحي لا يغطي هذا النوع من العلاجات في كثير من الأحيان.
التغذية الراجعة العصبية EEG: خلاصة التقييم
لم تُظهر التغذية الراجعة العصبية فعالية كافية في الدراسات تجعلها جديرة بالتوصية كعلاج منفرد لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، كما أن هناك أدلة محدودة على أن هذا النوع من العلاج يُقلل من أعراض ADHD على المدى الطويل، قد تُثبت النسخ المستقبلية من هذا العلاج فاعليتها، لكن في الوقت الحالي، لا يمكننا التوصية به، وبالنظر إلى ارتفاع تكلفته من حيث الوقت والمال، فإن التغذية الراجعة العصبية لا تبدو استثمارًا مجديًا.
تمارين المخيخ أو التمارين الحركية لعلاج ADHD
تستند فرضية ما يُعرف بـ “تأخر نمو المخيخ” إلى الاعتقاد بأن بعض مناطق الدماغ تفتقر إلى الترابط الكافي لتنسيق معالجة المعلومات، مما يؤدي إلى ظهور أعراض مثل ADHD، وعسر القراءة (الديسلكسيا)، وعسر الحركة (الديسبراكسيا)، وتدّعي بعض التمارين الحركية وتمارين التوازن أنها تُخفف من أعراض ADHD من خلال تحسين وظائف المخيخ، وذلك عبر حركات محددة تشمل عبور خط منتصف الجسم، مثل لمس الكتف الأيسر باليد اليمنى.
الفكرة هنا أن هذه الحركات تساعد على دمج نصفي الدماغ، مما يؤدي إلى تحسّن في الانتباه ومعالجة المعلومات، لكن هذه الفرضية بها عيوب، ولا تتماشى مع ما هو معروف ومثبت في العلوم العصبية حول كيفية عمل الدماغ، (ولو كانت هذه النظرية صحيحة، لكان علينا إعادة كتابة الكثير من مبادئ علم الأعصاب).
تمارين المخيخ: خلاصة التقييم
لا تُخفف تمارين المخيخ من أعراض ADHD، وأي فوائد قد يشعر بها الشخص من التمارين الحركية أو تمارين التوازن، على الأرجح تعود إلى الفوائد العامة لممارسة الرياضة، وليس للتمرين ذاته، فالتمارين الرياضية عمومًا ترفع مستويات بعض النواقل العصبية في الدماغ، وهي نواقل تكون منخفضة طبيعيًا لدى الأشخاص المشخصين بـ ADHD، ولهذا السبب، أظهرت الدراسات أن النشاط البدني يمكن أن يُحسن الوظائف المعرفية وأعراض ADHD مؤقتًا، أما بالنسبة لتمارين المخيخ أو ما يُعرف بـ “العلاجات الحركية”، فلا يوجد ما يُثبت فعاليتها بشكل خاص.
تدريب الدماغ لعلاج ADHD: الخلاصة
استنادًا إلى ما توفر من الأبحاث، لا يمكننا التوصية باستخدام برامج تدريب الدماغ المحوسبة أو التغذية الراجعة العصبية أو تمارين المخيخ/الحركة/التوازن كعلاج لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، وإذا كنت لا تزال تفكر في تجربة أحد هذه الأساليب لنفسك أو لطفلك، فتذكّر أن تأثير الدواء الوهمي (Placebo) يمكن أن يكون قويًا — فقد يبدو البرنامج فعّالًا فقط لأنك تتوقع منه ذلك، على الأقل في البداية، من المهم أيضًا أن تضع في اعتبارك أن أي تدخل علاجي مكلف أو يستغرق وقتًا طويلًا يجب أن يكون مدعومًا بأدلة قوية على فعاليته.
كما ينبغي الحذر من الأساليب التسويقية التي تستخدمها بعض الشركات للترويج لمثل هذه البرامج، ومن العلامات التحذيرية التالية:
- هل تتعرض لضغط لتسجيل الاشتراك فورًا دون إعطائك فرصة كافية للبحث والتأكد من فعالية البرنامج؟
- هل تعتمد الحملة التسويقية على قصص وتجارب شخصية فقط، بدلاً من دراسات منشورة في مجلات علمية مُحكّمة؟
- هل يتم الترويج للتدخل على أنه “جذري” وجديد تمامًا في السوق، وبالتالي لم يُدرس بشكل كافٍ بعد؟
- هل يزعم البرنامج أنه آمن بنسبة 100% وخالٍ تمامًا من أي آثار جانبية؟ (غالبًا ما تعني مثل هذه الأمور أنه أيضًا غير فعّال بنسبة 100%).
وإذا كنت أنت أو طفلك تستفيدون من ألعاب الدماغ أو التغذية الراجعة العصبية أو أساليب مشابهة، ولا تشكل هذه البرامج عبئًا ماليًا أو زمنيًا، فلا بأس في الاستمرار بها — لكن تذكّر أنه لا يوجد علاج سحري لاضطراب ADHD.
المرجع:
Does Brain Training Work? ADHD Brain Games and Neurofeedback Evaluated
https://www.additudemag.com/does-brain-training-work-neurofeedback-games-adhd/





