ترجمة : أ. نوره الدوسري
مقدمة
يُعد تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA) من أكثر المناهج العلمية استخدامًا في تغيير السلوك وتعليم المهارات لدى الأطفال، وخاصة الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد وذوي الإعاقة. ويعتمد هذا المنهج على مبادئ علمية تهدف إلى تعزيز السلوكيات المرغوبة وتقليل السلوكيات غير المناسبة بطرق أخلاقية تحترم احتياجات الطفل وكرامته.
ومن بين الاستراتيجيات الأساسية في ABA تأتي استراتيجية التعزيز التفاضلي، التي لا تقتصر على تقليل السلوك غير المرغوب، بل تمتد لتشمل تنمية الاستقلالية، وتوسيع فرص الاختيار، وتعزيز موافقة الطفل داخل الجلسات التعليمية والعلاجية. يهدف هذا المقال إلى توضيح مفهوم التعزيز التفاضلي، وآلية تطبيقه، وأنواعه، وأهميته في دعم مشاركة الطفل وبناء الدافعية الذاتية.
مفهوم التعزيز في تحليل السلوك التطبيقي
يشير التعزيز في تحليل السلوك التطبيقي إلى أي إجراء يؤدي إلى زيادة احتمالية تكرار السلوك في المستقبل. ويُعد التعزيز حجر الأساس في جميع تدخلات تغيير السلوك، إلا أنه يختلف عن مفهوم المكافأة. فليست كل مكافأة تعزيزًا، بينما يُقاس التعزيز بمدى تأثيره الفعلي على السلوك.
يتطلب التعزيز الفعال:
- تحديد المعززات المفضلة للطفل بدقة.
- مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال.
- التنويع المستمر في المعززات لتجنب الإشباع.
- الدمج بين التعزيز المادي، والاجتماعي، واللفظي.
عند تطبيق التعزيز بطريقة صحيحة، يصبح التعلم أكثر متعة، ويزداد تفاعل الطفل مع البيئة التعليمية.
ما هو التعزيز التفاضلي؟
التعزيز التفاضلي هو استراتيجية سلوكية تقوم على تعزيز سلوكيات معينة بشكل انتقائي، مع تقليل أو تجاهل تعزيز السلوكيات غير المرغوبة. ولا يهدف هذا الأسلوب إلى العقاب أو الحرمان، بل إلى تعليم الطفل سلوكيات بديلة أكثر ملاءمة تؤدي نفس الوظيفة السلوكية.
يتجاوز مفهوم التعزيز التفاضلي الفكرة التقليدية المتمثلة في “تعزيز السلوك الصحيح فقط”، ليشمل:
- إعطاء الطفل حرية الاختيار.
- توفير تعزيز غير مشروط.
- توزيع المعززات بدرجات متفاوتة حسب الجهد أو صعوبة المهمة.
التعزيز التفاضلي وموافقة الطفل
تؤكد الممارسات الحديثة في ABA على أهمية احترام موافقة الطفل ومشاركته في اتخاذ القرار. ففي بعض البيئات التعليمية، يُطلب من الأطفال الجلوس في وقت الحلقة الجماعية أو المشاركة في أنشطة لا يرغبون فيها، مما قد يؤدي إلى مقاومة أو سلوكيات غير مرغوبة.
يسمح التعزيز التفاضلي بتغيير هذا النمط من خلال:
- إتاحة خيار عدم المشاركة، مع توفير أنشطة لعب حرة ذات تعزيز منخفض.
- توفير معززات عالية القيمة فقط في حال اختيار الطفل المشاركة.
- عدم إجبار الطفل على الانخراط، بل تشكيل السلوك تدريجيًا من خلال جعل النشاط أكثر جاذبية.
بهذا الأسلوب، يتعلم الطفل أن المشاركة اختيار شخصي يعود عليه بفوائد، مما يعزز الشعور بالاستقلالية ويزيد الدافعية الداخلية.
التعزيز التفاضلي كأداة لتشكيل السلوك
يُستخدم التعزيز التفاضلي لتشكيل السلوكيات الجديدة، خاصة عندما لا يمتلك الطفل المهارة المستهدفة بعد. فعلى سبيل المثال، إذا كان الطفل غير قادر على الجلوس لفترة طويلة، فلا يُتوقع منه أداء السلوك بشكل كامل منذ البداية.
يمكن البدء بتعزيز:
- الاقتراب من النشاط.
- الجلوس لفترة قصيرة.
- التفاعل الجزئي مع المهمة
ومع التدرج، يتم رفع متطلبات السلوك وزيادة قيمة المعززات، مما يساعد على بناء المهارة دون ضغط أو إجبار.
الخطوات الأساسية لتطبيق التعزيز التفاضلي
تحديد السلوك المستهدف
يجب تحديد السلوك بدقة ووضوح، سواء كان سلوكًا غير مرغوب أو مهارة جديدة، مع وصف قابل للقياس والملاحظة.
إجراء التقييم الوظيفي للسلوك
يساعد التقييم الوظيفي للسلوك على فهم أسباب ظهور السلوك، سواء كان الهدف منه الهروب، أو الحصول على انتباه، أو الوصول إلى معزز. ويشمل ذلك:
- جمع معلومات من الأسرة والمعلمين.
- الملاحظة المباشرة في البيئة الطبيعية.
- تحليل الأنماط والظروف المحيطة بالسلوك.
جمع بيانات خط الأساس
تُستخدم بيانات خط الأساس لمقارنة السلوك قبل وبعد التدخل، وتساعد على تعديل الخطة حسب احتياجات الطفل.
أنواع التعزيز التفاضلي
يُطبق التعزيز التفاضلي بعدة أشكال، تبعًا لهدف التدخل:
- التعزيز التفاضلي للسلوك البديل (DRA):
يتم فيه تعزيز سلوك مناسب يؤدي نفس وظيفة السلوك غير المرغوب، مثل تعليم الطفل طلب المساعدة بدلًا من البكاء. - التعزيز التفاضلي للسلوك المتنافي (DRI):
تعزيز سلوك لا يمكن أن يحدث في نفس الوقت مع السلوك غير المرغوب، مثل الجلوس بهدوء بدلًا من التجول. - التعزيز التفاضلي لغياب السلوك (DRO):
يتم تعزيز فترات زمنية يخلو فيها السلوك غير المرغوب من الظهور. - التعزيز التفاضلي لمعدلات منخفضة (DRL):
يُستخدم لتقليل تكرار السلوك دون إلغائه تمامًا، مثل تقليل عدد المقاطعات أثناء الدرس. - التعزيز التفاضلي لمعدلات مرتفعة (DRH):
يهدف إلى زيادة معدل سلوك مرغوب يظهر بشكل محدود، مثل زيادة المشاركة الصفية.
أمثلة تطبيقية في البيئات المختلفة
في الجلسات العلاجية، يمكن استخدام التعزيز التفاضلي عند تدريب الطفل على مهارات جديدة، مثل تجربة أطعمة جديدة، حيث يُسمح له بتناول طعامه المفضل دون تعزيز إضافي، أو تجربة طعام جديد مقابل معزز عالي القيمة.
في البيئة التعليمية، يمكن للطالب اختيار أداء مهام سهلة مقابل تعزيز بسيط، أو مهام أصعب مقابل تعزيز أعلى ضمن نظام رمزي، مما يعزز الشعور بالتحكم والاختيار.
أما في المنزل، فيمكن للوالدين تعزيز السلوكيات الإيجابية من خلال إتاحة خيارات متعددة بدلاً من الأوامر المباشرة.
التعزيز غير المشروط وعلاقته بالتعزيز التفاضلي
لا يعني تطبيق التعزيز التفاضلي حرمان الطفل من المعززات. بل يجب أن تبقى المعززات الأساسية متاحة، مع اختلاف قيمتها حسب مستوى الجهد أو المشاركة. هذا الأسلوب يقلل القلق، ويعزز الشعور بالأمان، ويشجع الطفل على المحاولة دون خوف من الفشل.
أهمية التعزيز التفاضلي للأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد
يساعد التعزيز التفاضلي الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد على:
- تطوير مهارات التواصل الوظيفي.
- تقليل السلوكيات التحدّية.
- تعزيز المشاركة الاجتماعية.
- بناء الاستقلالية واتخاذ القرار.
كما يساهم في خلق بيئة تعليمية إيجابية قائمة على الاحترام والدافعية.
خاتمة
يُعد التعزيز التفاضلي من أكثر تدخلات تغيير السلوك فاعلية في تحليل السلوك التطبيقي، لما يتميز به من مرونة واحترام لاحتياجات الطفل. ومن خلال إتاحة الاختيار، وتعزيز السلوكيات البديلة، وتوزيع المعززات بذكاء، يمكن بناء بيئة تعليمية وعلاجية تدعم التعلم، والاستقلالية، وجودة الحياة للأطفال وذوي الإعاقة.
المرجع
How to Use Differential Reinforcement in ABA Therapy
https://www.discoveryaba.com/aba-therapy/how-to-use-differential-reinforcement-in-aba-therapy
Using Differential Reinforcement in ABA to Shape Behavior
https://howtoaba.com/using-differential-reinforcement-in-aba-to-shape-behavior/





