ترجمة: أ. منى الجبرين
مقدمة
يُعد اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD) أحد الاضطرابات النمائية العصبية التي تؤثر في تطور الطفل، خاصة في مجالات التواصل الاجتماعي، واللغة، والسلوكيات النمطية أو المقيدة. وقد ازداد الاهتمام العلمي والمجتمعي بهذا الاضطراب خلال العقود الأخيرة نتيجة ارتفاع معدلات التشخيص، وتطور أدوات الكشف المبكر، وتزايد الوعي المجتمعي.
يهدف هذا المقال إلى استعراض الأسباب والعوامل المؤثرة في تطور اضطراب طيف التوحد، من خلال تناول العوامل الجينية، والبيولوجية، والبيئية، وعوامل ما قبل الولادة وأثناءها وبعدها، مع توضيح تفاعل هذه العوامل وتأثيرها المحتمل في ظهور الاضطراب.
أولًا: مفهوم اضطراب طيف التوحد
اضطراب طيف التوحد هو اضطراب نمائي عصبي يظهر عادة في السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل، ويتميز بصعوبات في التفاعل الاجتماعي والتواصل اللفظي وغير اللفظي، إضافة إلى أنماط سلوكية متكررة واهتمامات محدودة.
استخدام مصطلح “الطيف” يعكس تنوع الأعراض وشدتها بين الأفراد، حيث قد يظهر الاضطراب بدرجات مختلفة تتراوح بين الخفيفة والشديدة، مما يجعل تحديد أسبابه أمرًا معقدًا ومتعدد الأبعاد.
ثانيًا: العوامل الجينية
تشير العديد من الدراسات إلى أن العوامل الجينية تلعب دورًا محوريًا في تطور اضطراب طيف التوحد. وقد أثبتت الأبحاث أن احتمالية الإصابة باضطراب طيف التوحد تكون أعلى لدى الأطفال الذين لديهم تاريخ عائلي للاضطراب.
1. الوراثة
أظهرت دراسات التوائم أن نسبة التوافق في الإصابة باضطراب طيف التوحد تكون أعلى لدى التوائم المتماثلة مقارنة بالتوائم غير المتماثلة، مما يدل على وجود تأثير وراثي قوي.
كما أن وجود أخ أو أخت مصاب باضطراب طيف التوحد يزيد من احتمالية الإصابة لدى الطفل.
2. الطفرات الجينية
بعض حالات اضطراب طيف التوحد ترتبط بطفرات جينية نادرة، قد تحدث تلقائيًا دون وجود تاريخ عائلي سابق. هذه الطفرات قد تؤثر في تطور الدماغ ووظائفه، خاصة في المناطق المسؤولة عن التواصل الاجتماعي ومعالجة المعلومات.
3. تعدد الجينات
لا يوجد جين واحد مسؤول عن اضطراب طيف التوحد، بل تشير الأدلة إلى أن الاضطراب ينتج عن تفاعل معقد بين عدة جينات، مما يفسر التنوع الكبير في الأعراض والقدرات لدى المشخّصين.
ثالثًا: العوامل العصبية والبيولوجية
تلعب التغيرات في بنية الدماغ ووظائفه دورًا مهمًا في تطور اضطراب طيف التوحد.
1. تطور الدماغ
تشير الأبحاث إلى وجود اختلافات في حجم بعض مناطق الدماغ لدى الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد، مثل الفص الجبهي واللوزة الدماغية، وهي مناطق مسؤولة عن تنظيم السلوك والعاطفة والتفاعل الاجتماعي.
2. الاتصال العصبي
يعاني بعض الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد من خلل في الترابط العصبي بين مناطق الدماغ المختلفة، مما يؤثر في معالجة المعلومات والاستجابة للمثيرات الاجتماعية والحسية.
3. النواقل العصبية
تلعب النواقل العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين، دورًا في تنظيم السلوك والمزاج. وقد لوحظ وجود مستويات غير طبيعية لبعض هذه النواقل لدى بعض المشخّصين باضطراب طيف التوحد.
رابعًا: العوامل البيئية
إلى جانب العوامل الجينية، تسهم العوامل البيئية في زيادة احتمالية الإصابة باضطراب طيف التوحد، خاصة عند تفاعلها مع الاستعداد الوراثي.
. التعرض للملوثات
تشير بعض الدراسات إلى أن التعرض للملوثات البيئية، مثل تلوث الهواء والمعادن الثقيلة، قد يزيد من خطر الإصابة باضطراب طيف التوحد، خاصة خلال فترات النمو الحرجة للدماغ.
. الأدوية والمواد الكيميائية
استخدام بعض الأدوية خلال فترة الحمل، أو التعرض لمواد كيميائية معينة، قد يؤثر في نمو الجهاز العصبي للجنين.
. نمط الحياة
تلعب العوامل المرتبطة بنمط الحياة، مثل التغذية والصحة العامة للأم، دورًا غير مباشر في التأثير على نمو الجنين.
خامسًا: عوامل ما قبل الولادة
تُعد فترة الحمل من أكثر الفترات حساسية لتطور الجهاز العصبي، وتشير الأبحاث إلى أن بعض العوامل خلال هذه المرحلة قد تزيد من خطر الإصابة باضطراب طيف التوحد.
. صحة الأم
إصابة الأم ببعض الأمراض المزمنة، أو العدوى الفيروسية أثناء الحمل، قد تؤثر في نمو الدماغ لدى الجنين.
. عمر الوالدين
أظهرت بعض الدراسات وجود ارتباط بين تقدم عمر الوالدين، خاصة الأب، وزيادة احتمالية الإصابة باضطراب طيف التوحد.
. التوتر والضغط النفسي
ارتفاع مستويات التوتر والضغط النفسي لدى الأم خلال الحمل قد يؤثر في التطور العصبي للجنين.
سادسًا: عوامل أثناء الولادة وبعدها
لا تقتصر العوامل المؤثرة على فترة الحمل فقط، بل تمتد إلى مرحلة الولادة وما بعدها.
. مضاعفات الولادة
نقص الأكسجين أثناء الولادة، أو الولادة المبكرة، قد يزيد من خطر الإصابة باضطرابات نمائية، من بينها اضطراب طيف التوحد.
. الوزن عند الولادة
الوزن المنخفض عند الولادة يُعد أحد العوامل المرتبطة بزيادة احتمالية الإصابة باضطراب طيف التوحد.
. العوامل الصحية في الطفولة المبكرة
بعض المشكلات الصحية في السنوات الأولى من عمر الطفل قد تؤثر في نمو الدماغ، خاصة في حال تزامنها مع عوامل وراثية.
سابعًا: تفاعل العوامل المختلفة
تشير الأدلة العلمية الحديثة إلى أن اضطراب طيف التوحد لا ينتج عن عامل واحد فقط، بل عن تفاعل معقد بين العوامل الجينية والبيئية والبيولوجية.
قد يكون لدى الطفل استعداد وراثي، لكن ظهور الاضطراب يعتمد على تعرضه لعوامل بيئية معينة في مراحل نمو حساسة.
ثامنًا: مفاهيم خاطئة حول أسباب اضطراب طيف التوحد
من المهم الإشارة إلى بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة، مثل الاعتقاد بأن اللقاحات تسبب اضطراب طيف التوحد.
وقد أكدت الدراسات العلمية الواسعة عدم وجود أي علاقة سببية بين التطعيمات واضطراب طيف التوحد، وأن هذه الادعاءات لا تستند إلى أدلة علمية موثوقة.
خاتمة
يُعد اضطراب طيف التوحد حالة معقدة متعددة العوامل، تتداخل فيها الجينات مع البيئة والعوامل العصبية والبيولوجية. إن فهم هذه العوامل يسهم في تحسين أساليب التشخيص المبكر، وتطوير برامج التدخل المناسبة، ودعم الأسر والأفراد المشخّصين.
كما أن زيادة الوعي العلمي والمجتمعي حول أسباب اضطراب طيف التوحد تساعد في تقليل الوصمة الاجتماعية، وتعزيز تقبل التنوع العصبي داخل المجتمع.
المراجع
Centers for Disease Control and Prevention (CDC).
https://www.cdc.gov/autism
World Health Organization (WHO).
https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/autism-spectrum-disorders
National Institute of Mental Health (NIMH).
https://www.nimh.nih.gov/health/topics/autism-spectrum-disorders-asd
Autism Speaks.
https://www.autismspeaks.org/what-autism
American Psychiatric Association – DSM-5.
https://www.psychiatry.org/psychiatrists/practice/dsm





