ترجمة: أ. جنا الدوسري
تتناول البحوث الأكاديمية والدراسات التطبيقية صعوبات التعلم النوعية بوصفها مجموعة من الحالات النمائية المستمرة مدى الحياة، والتي تنشأ داخل الفرد نفسه، وتؤثر بصورة سلبية على التعلم والأداء الوظيفي اليومي. وقد اتجهت معظم الدراسات تاريخيًا إلى تبني النموذج الطبي في تفسير هذه الصعوبات، وبشكل أدق المنظور القائم على العجز العصبي، حيث يتم التركيز على أوجه القصور والخلل في العمليات المعرفية والعصبية المرتبطة بالتعلم. في المقابل، ظهر مفهوم التنوع العصبي بوصفه إطارًا فكريًا حديثًا يسعى إلى إعادة فهم هذه الصعوبات، لا باعتبارها اضطرابات تحتاج إلى علاج أو تصحيح، بل باعتبارها جزءًا أصيلًا من هوية الفرد وتكوينه العصبي، مع التأكيد على أهمية الاعتراف بالاختلافات الفردية وما قد يصاحبها من نقاط قوة وقدرات مميزة.
يقدم هذا البحث مراجعة سردية تحليلية جمعت وناقشت أحدث الدراسات والأدبيات التي تناولت صعوبات التعلم النوعية من منظور التنوع العصبي، بما يشكل إضافة علمية أصيلة إلى الأدبيات الحالية في هذا المجال. وقد ركزت المراجعة على ثلاث صعوبات تعلم نوعية محددة، وهي: عسر القراءة، وعسر التآزر الحركي (الديسبراكسيا)، وعسر الحساب. وأسفر التحليل الموضوعي للدراسات المشمولة في المراجعة عن استخلاص ثلاثة محاور رئيسية، انتهت جميعها إلى التأكيد على الحاجة المتزايدة إلى توسيع نطاق البحث العلمي والدراسات التربوية التي تتبنى منظور التنوع العصبي.
تُعرّف صعوبات التعلم النوعية، والتي يُشار إليها أحيانًا بمصطلح اضطرابات التعلم النوعية، على أنها مجموعة من الحالات النمائية المزمنة التي تؤثر سلبًا على قدرة الفرد على التعلم وأداء الأنشطة اليومية بكفاءة. ويُنظر إلى هذه الصعوبات على أنها ذات أساس عصبي حيوي خاص، تنشأ داخل الفرد نفسه ولا تعود إلى عوامل خارجية فقط. كما تشير الأدبيات إلى وجود عوامل متعددة تزيد من احتمالية تشخيص الفرد بإحدى صعوبات التعلم النوعية، من بينها العوامل البيئية، والاستعدادات الوراثية، والاختلافات المعرفية. وتعد هذه العوامل متشابكة ومعقدة، ما يجعل من الصعب فصل تأثير كل عامل عن الآخر، الأمر الذي يستدعي مقاربات بحثية متعددة التخصصات لفهم الظاهرة بصورة شاملة.
وتشمل صعوبات التعلم النوعية عددًا من الحالات مثل عسر القراءة، وعسر التآزر الحركي، وعسر الحساب، وعسر الكتابة. ومع ذلك، لا يزال هناك جدل أكاديمي ومهني حول تصنيف هذه الصعوبات وحدودها المفاهيمية. فبعض الباحثين يدرجون حالات مثل اضطراب طيف التوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ومتلازمة توريت ضمن صعوبات التعلم النوعية، بينما يفضل آخرون تصنيفها كحالات نمائية مستقلة قد يصاحبها صعوبات تعلم، دون اعتبارها جزءًا مباشرًا من فئة صعوبات التعلم النوعية. وفي هذا البحث، يتم اعتماد تعريف يشمل عسر القراءة، وعسر التآزر الحركي، وعسر الحساب، وعسر الكتابة ضمن صعوبات التعلم النوعية، في حين يتم التعامل مع اضطراب طيف التوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بوصفهما حالات نمائية عصبية مستقلة قد تؤدي إلى صعوبات تعلم مصاحبة.
اعتمدت غالبية الأدبيات البحثية السابقة على نموذج نفسي-بيولوجي-طبي في تفسير صعوبات التعلم النوعية، وهو نموذج يركز على أوجه القصور والعجز، ويُعرف أحيانًا بالمنظور القائم على العجز العصبي. وقد سعى هذا التوجه البحثي إلى تحديد مظاهر التأخر أو الضعف في اكتساب مهارات التعلم الأساسية لكل حالة، مثل تأخر مهارات القراءة لدى الأفراد ذوي عسر القراءة، أو الصعوبات المعرفية المرتبطة بالذاكرة العاملة لدى ذوي عسر التآزر الحركي، إلى جانب المشكلات النفسية والاجتماعية والسلوكية التي قد تظهر لدى الأفراد داخل كل حالة أو عبر حالات متعددة. وبناءً على هذا التوجه، اتسمت الممارسات التربوية والتدخلات التعليمية بطابع علاجي تعويضي يهدف إلى تقليل مظاهر القصور وتحسين الأداء الأكاديمي. وقد نتج عن ذلك وفرة كبيرة في الأدبيات الأكاديمية وغير الأكاديمية التي تقدم إرشادات واستراتيجيات لمساعدة المتعلمين على تجاوز صعوباتهم وتحسين مهاراتهم الأساسية.
في المقابل، تكشف الأدبيات الحديثة في مجال صعوبات التعلم النوعية عن توجه متنامٍ نحو تبني منظور التنوع العصبي في فهم هذه الحالات وتعليم جميع الأفراد الذين يعانون منها. ويؤكد هذا المنظور على ضرورة تجاوز التركيز الحصري على العجز، والانتقال إلى فهم أشمل يأخذ في الاعتبار القدرات الفريدة ونقاط القوة التي قد يمتلكها هؤلاء الأفراد. ويرى أن صعوبات التعلم ليست مجرد مشكلات تعليمية، بل أنماط تفكير ومعالجة معلومات متنوعة ومختلفة، يمكن أن تكون لها مزايا في سياقات معينة. على سبيل المثال، بعض الأفراد ذوي عسر القراءة قد يمتلكون قدرات قوية في التفكير الإبداعي وحل المشكلات بطرق غير تقليدية، بينما يتميز بعض الذين لديهم عسر الحساب بقدرة على التحليل المكاني وفهم العلاقات المكانية بطريقة تفوق المتوسط.
يشدد أنصار منظور التنوع العصبي على أهمية احترام الاختلافات العصبية بوصفها جزءًا طبيعيًا من التنوع البشري، وليس انحرافًا عن “المعيار”. كما يدعون إلى إعادة النظر في الممارسات التعليمية التقليدية، وتطوير بيئات تعلم مرنة وشاملة تستجيب لاحتياجات المتعلمين في شتى المجالات المختلفة، بدلًا من محاولة فرض نموذج واحد للتعلم على الجميع. ويؤكدون أيضًا على دور التقييم المستمر والتغذية الراجعة المخصصة لكل متعلم، بحيث يتم التعرف على نقاط القوة والقدرات المميزة إلى جانب تحديد الاحتياجات التعليمية، وهذا يعزز من شعور الفرد بالقيمة الذاتية والانتماء إلى المجتمع التعليمي. وقد أسهمت حركة الدفاع عن حقوق ذوي اضطراب طيف التوحد بشكل كبير في بلورة مفهوم التنوع العصبي ونشره، قبل أن يمتد ليشمل صعوبات التعلم النوعية الأخرى.
وتخلص هذه المراجعة السردية إلى أن تبني منظور التنوع العصبي في البحث والممارسة التعليمية لا يلغي أهمية الدعم الأكاديمي والتربوي، لكنه يعيد صياغته في إطار أكثر إنسانية وشمولية. كما تؤكد النتائج على الحاجة إلى مزيد من الدراسات التي تستكشف تجارب الأفراد ذوي صعوبات التعلم النوعية، وتسلط الضوء على أصواتهم الذاتية، وتوازن بين فهم التحديات التي يواجهونها والاعتراف بقدراتهم وإمكاناتهم. إن هذا التوجه يعزز من قدرة الباحثين والمعلمين على تقديم دعم فعّال ومتعدد الأبعاد، يجمع بين الفهم العلمي الدقيق والاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، بما يتيح للأفراد المتعلمين فرصًا أكبر للنجاح الشخصي والأكاديمي.
المرجع:
Understanding and supporting
learners with specific learning
difficulties from a neurodiversity
perspective: A narrative synthesis





