ترجمة : أ. نوره الدوسري
يُعدّ الانتظار مهارة حياتية أساسية يستخدمها الأطفال والبالغون يوميًا في حياتهم. إلا أن الأطفال، وخاصة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد أو الذين لديهم تأخر نمائي أو صعوبات سلوكية، قد يجدون صعوبة كبيرة في الانتظار. تظهر هذه الصعوبة في شكل بكاء، صراخ، احتجاج، أو سلوكيات غير مناسبة. ومن المهم تطوير هذه المهارة بشكل تدريجي لتساعد الأطفال على تنظيم انفعالاتهم، وضبط سلوكهم، والتفاعل بشكل أفضل مع الآخرين، وكذلك تعزيز استقلاليتهم في المواقف اليومية. يعد تدريب الأطفال الانتظار باستخدام استراتيجيات تحليل السلوك التطبيقي (ABA) أحد الأساليب الأكثر فعالية لضمان تعلم هذه المهارة بطريقة منظمة ومدروسة.
أهمية تدريب الأطفال على مهارة الانتظار
الانتظار مهارة حياتية يحتاجونها الأطفال في مواقف متعددة، مثل انتظار دوره في اللعبة، أو انتظار الحصول على غرض مفضل، أو الانتظار في الصف. التدريب على الانتظار يساعد الأطفال على تطوير الصبر وضبط النفس، ويعزز السلوكيات الاجتماعية الملائمة. للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، يمكن أن يحسن تعلّم الانتظار من قدرتهم على التكيف مع التغيرات، والتفاعل مع الأقران، والامتثال للقوانين والتعليمات بشكل أفضل. كما يقلل تعلم مهارة الانتظار من السلوكيات الاحتجاجية الناتجة عن التأخير أو الشعور بالإحباط.
تحليل السلوك التطبيقي: لمحة موجزة
تحليل السلوك التطبيقي هو منهج علمي يستخدم استراتيجيات مثبتة لتعزيز السلوكيات الإيجابية وتقليل السلوكيات غير المرغوبة. يعتمد هذا المنهج على فهم العلاقة بين السلوك والبيئة، وتحديد العوامل التي تدفع الأطفال للقيام بسلوك معين. من خلال هذا الفهم، يمكن بناء استراتيجيات تعليمية منظمة تساعد الأطفال على اكتساب مهارات جديدة بشكل تدريجي. عند تدريب الانتظار، تُستخدم مبادئ مثل التعزيز، والتشكيل، والتلقين، بحيث يتم تقديم الدعم المناسب لكل خطوة ينجحون الأطفال في إتمامها، مما يزيد احتمالية النجاح ويقلل من الإحباط.
خطوات تدريب الأطفال مهارة الانتظار باستخدام استراتيجيات ABA
- تحديد خط الأساس
قبل البدء في أي تدخل، يجب تحديد قدرة الأطفال الحالية على الانتظار. يُلاحظ كم ثانية أو دقيقة يستطيع الأطفال الانتظار دون بكاء أو احتجاج أو سلوكيات غير مناسبة. يساعد ذلك على وضع أهداف واقعية تتناسب مع مستوى الأطفال، وتجنب الضغط غير المناسب الذي قد يؤدي إلى فشل المحاولة أو شعور الأطفال بالإحباط. كما يتيح قياس التقدم لاحقًا ومتابعة فعالية التدخل. - تحديد السلوك المطلوب بدقة
يجب تعريف السلوك المستهدف بشكل واضح وقابل للقياس. الانتظار قد يعني: الجلوس بهدوء، أو الوقوف في مكان محدد، أو الانشغال بنشاط بسيط أثناء الانتظار. كلما كان التعريف واضحًا، كان من السهل على الأطفال فهم المطلوب، ويصبح قياس الأداء أكثر دقة. هذا يضمن أن جميع المعنيين بالتدخل (الأسرة، المعلمون، الأخصائيون) لديهم فهم موحد للسلوك المستهدف. - البدء بفترات انتظار قصيرة
يُفضل البدء من مستوى الأطفال الحالي لتجنب إحباطهم. إذا كانو الأطفال يستطيعون الانتظار 10 ثوانٍ فقط، يجب البدء من هذه المدة، ثم زيادتها تدريجيًا. على سبيل المثال، بعد أن ينجح الطفل في الانتظار 10 ثوانٍ، يتم زيادة المدة إلى 15 ثانية، ثم 20 ثانية، وهكذا. هذا الأسلوب التدريجي يساعد الأطفال على التكيف مع الموقف وزيادة قدرته على الانتظار دون توتر. - استخدام التعزيز الإيجابي
يُقدم التعزيز مباشرة بعد نجاح الأطفال في الانتظار. يمكن أن يكون التعزيز: ثناء لفظي مثل “أحسنت الانتظار”، أو الوصول إلى غرض مفضل، أو لعبة قصيرة، أو نشاط محبّب للأطفال. المهم أن يكون التعزيز محفزًا للأطفال ويزيد احتمالية تكرار السلوك. تختلف أنواع التعزيز حسب ميول الأطفال واهتماماتهم، ويجب مراقبة استجابتهم لمعرفة الأنسب. - استخدام التشكيل (Shaping)
التشكيل هو تعزيز كل خطوة صغيرة تقرب الأطفال من السلوك النهائي. إذا كان الهدف أن ينتظرون الأطفال خمس دقائق، يمكن تدريبهم كالتالي: تعزيز الانتظار لمدة دقيقة واحدة، ثم دقيقتين، ثم ثلاث دقائق، وهكذا حتى الوصول إلى خمس دقائق. هذا الأسلوب يقلل من الإحباط ويزيد من فرص نجاح الأطفال في اكتساب المهارة. - استخدام الوسائل البصرية
الوسائل البصرية مثل المؤقتات، والجداول المصورة، والعد التنازلي تساعد الأطفال على فهم الوقت المتبقي للانتظار وتجعل المفهوم أكثر وضوحًا. هذه الوسائل تقلل التوتر والارتباك، وتمكن الأطفال من توقع متى سينتهي وقت الانتظار. على سبيل المثال، يمكن استخدام مؤقت بصري يُظهر العد التنازلي، وعند انتهاء الوقت يحصل الطفل على الغرض المرغوب. - تعزيز مهارات التواصل الوظيفي
الأطفال الذين لا يستطيعون التعبير عن احتياجاتهم بشكل فعال يواجهون صعوبة أكبر في الانتظار. يجب تدريب الأطفال استخدام عبارات بسيطة أو بطاقات تواصل للتعبير عن رغباتهم، مثل: “أريد استراحة” أو “أريد اللعبة”. هذا يخفف من السلوكيات الاحتجاجية ويساعد الأطفال على التعبير عن نفسهم بطريقة مناسبة. - زيادة مستوى الصعوبة تدريجيًا
بعد أن يتقنون الأطفال الانتظار في سياق محدد، يجب تعميم المهارة عبر مواقف مختلفة مثل الانتظار أثناء اللعب، الانتظار في الصف، الانتظار للدور مع الأقران، أو الانتظار للحصول على غرض مفضل خلال الأنشطة اليومية. هذا التنويع يساعد على تطبيق المهارة في البيئات المختلفة ويضمن نجاحها على المدى الطويل. - المتابعة والتعديل المستمر
يجب متابعة تقدم الأطفال بشكل دوري وتعديل الاستراتيجيات حسب الحاجة. إذا واجه الأطفال صعوبة في خطوة معينة، يمكن العودة إلى آخر خطوة نجحو فيها، ثم التقدم تدريجيًا مرة أخرى. الاستمرارية والصبر أمران أساسيان لضمان اكتساب الأطفال مهارة الانتظار بشكل دائم وفعال. - التعاون مع الأسرة والمدرسة والفريق العلاجي
تدريب مهارة الانتظار يتطلب تعاون جميع الأطراف المعنية بالأطفال، من أسرتهم والمعلمين والأخصائيين. عند تطبيق الاستراتيجيات بشكل متسق بين كل البيئات، يتم تعزيز تدريب الأطفال للمهارة، ويصبح الانتقال بين المواقف المختلفة أسهل، ويزداد نجاح التدخل بشكل كبير.
تحديات يجب أخذها في الاعتبار
قد يواجه بعض الأطفال صعوبة أكبر في تعلم مهارة الانتظار، خاصة إذا كانوا يظهرون سلوكيات احتجاجية، أو لديهم طاقة عالية، أو قدرة محدودة على الانتباه. هنا يصبح الالتزام بالخطة الفردية، والصبر، والمتابعة اليومية ضروريًا لضمان نجاح التدخل. كما يجب تكييف الاستراتيجيات لتناسب احتياجات كل طفل على حدة.
الخلاصة
تدريب الأطفال مهارة الانتظار باستخدام استراتيجيات تحليل السلوك التطبيقي يساعد على تحسين القدرة على التعامل مع مواقف الحياة اليومية، وزيادة استقلاليتهم، وتعزيز مهاراتهم الاجتماعية. من خلال تطبيق مبادئ التعزيز، والتشكيل، والوسائل البصرية بشكل منتظم، يمكن للأطفال التدريب على الانتظار تدريجيًا وبنجاح. قد يكون التقدم تدريجيًا، لكن بالاستمرارية والصبر، يستطيعون الأطفال اكتساب هذه المهارة الاساسية، مما يؤدي إلى تحسن ملحوظ في ضبط النفس، وزيادة القدرة على التواصل، وتحقيق استقلالية أكبر في الحياة اليومية.
المرجع
Ten Practical Tips for Teaching Your Child to Wait: Using ABA Techniques for Patience and Self-Control :
https://kyocare.com/ten-practical-tips-for-teaching-your-child-to-wait/





