الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

لست مضطرًا للتفكير أو الشعور بإيجابية لكي تتمتع بصحة نفسية جيدة

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

 

إن النظر إلى أفكارنا أو مشاعرنا على أنها سلبية قد يجعلنا نتعامل معها كأنها أعداء.

نقاط أساسية

  • غالبًا ما نربط – بصورة نمطية – بين الخير وما هو إيجابي، وبين الشر وما هو سلبي.

  • في الحقيقة لا توجد أفكار أو مشاعر إيجابية أو سلبية بطبيعتها.

  • اليقظة الذهنية (Mindfulness) تعني ببساطة ملاحظة ما نفكر فيه أو نشعر به من دون حكم أو تصنيف.

ثقافة “كن إيجابيًا دائمًا”

لقد سمعنا جميعًا عبارات مثل:
“لا تكن سلبيًا هكذا!”
أو “حاول أن تكون أكثر إيجابية!”

لقد اعتدنا على تبادل هذه العبارات كنوع من المواساة أو النصيحة، نتيجة لتوارث أفكار عبر أجيال طويلة تقول إن علينا دائمًا أن نبتسم، وأن نبقى متفائلين، وأن ننظر إلى الجانب المشرق من الأمور، وأن نرى الخير في الناس، وأن نحافظ على معنويات مرتفعة مهما حدث.

ومع مرور الوقت، أصبحت فكرة التفكير السلبي تُستخدم لوصف تلك الأفكار الصعبة والمؤلمة والمثيرة للقلق، والتي قد تقود الشخص إلى دوامة من التفكير المفرط قد تنتهي بالاكتئاب. ومع استمرار المتخصصين في مجال الصحة النفسية في استخدام هذه المصطلحات، أصبحت جزءًا من لغة العلاج النفسي.

في المقابل، ظهر مفهوم التفكير الإيجابي باعتباره وسيلة تساعد على تنظيم الانفعالات والتحكم بها. وبالفعل، فإن تنظيم الانفعالات يعد جانبًا مهمًا جدًا من جوانب الصحة النفسية. لكن المشكلة أن مصطلحي الإيجابي والسلبي يحملان في خلفيتهما الثقافية دلالات مرتبطة بالخير والشر، مما يجعل استخدامهما في تنظيم المشاعر أمرًا معقدًا وصعبًا.

التفكير السحري وتأثيره على الصحة النفسية

ظهرت أيضًا بعض التوجهات الروحية التي تقول إن الأفكار والمشاعر الإيجابية تجلب تجارب حياتية إيجابية، بينما الأفكار والمشاعر السلبية تجلب تجارب سلبية.

ومن خلال العمل الإكلينيكي مع كثير من الأشخاص، يلاحظ المختصون أن بعض الأفراد تعلموا هذا النوع من التفكير الذي يشبه التفكير السحري. وقد أدى ذلك لدى بعضهم إلى زيادة مشاعر القلق والاكتئاب، لأنهم يحاولون باستمرار التحكم الكامل في أفكارهم ومشاعرهم حتى تكون إيجابية دائمًا.

لكن الحقيقة أن السيطرة الكاملة على الأفكار والمشاعر أمر غير ممكن. والطريقة الوحيدة لتحقيق هذا النوع من السيطرة تكون غالبًا عبر الكبت أو القمع الانفعالي، وهو أسلوب يؤدي في النهاية إلى مزيد من القلق والاكتئاب بدلاً من تقليلهما.

لا توجد أفكار أو مشاعر “سلبية”

الحقيقة الأساسية هي أنه لا توجد أفكار أو مشاعر سلبية بطبيعتها.

نعم، توجد أفكار صعبة، بل شديدة الصعوبة أحيانًا، مثل:

  • الأفكار الكارثية

  • الافتراضات حول ما يفكر فيه الآخرون

  • أو حتى الأفكار المتعلقة بإيذاء النفس

كما توجد أيضًا مشاعر صعبة للغاية مثل:

  • الحزن العميق

  • الغضب

  • الألم النفسي

  • مشاعر الفقد أو الأسى

لكن رغم صعوبة هذه الأفكار والمشاعر، فإنها ليست سلبية بطبيعتها.

في الواقع، كثير من هذه التجارب النفسية تحتاج إلى:

  • فهم وتعاطف مع الذات

  • عمليات تعافٍ وشفاء نفسي

لكن وصفها بأنها سلبية قد يخلق مشكلة أخرى.

ذلك لأن كلمة “سلبي” تحمل في الثقافة الإنسانية دلالات مرتبطة بالخطأ أو السوء. وبالتالي، عندما نصف أفكارنا أو مشاعرنا بأنها سلبية، فإننا قد نبدأ في الاعتقاد بأن هناك شيئًا سيئًا في داخلنا.

وهذا قد يدفعنا إلى محاولة دفع هذه الأفكار أو المشاعر بعيدًا. وإذا لم ننجح في ذلك، قد نشعر وكأننا فشلنا أو أننا أشخاص سيئون.

ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا إلى نتيجة خطيرة، وهي أن أفكارنا ومشاعرنا نفسها تصبح وكأنها أعداؤنا. وهذا بدوره قد يولد عدم ثقة عميق في عالمنا الداخلي.

ولا توجد أيضًا أفكار أو مشاعر “إيجابية”

كما أنه لا توجد أفكار أو مشاعر إيجابية بطبيعتها.

فكلمة “إيجابي” توحي أيضًا بدلالات ثقافية مرتبطة بالخير والصلاح. وحتى لو لم ننتبه لذلك بوعي، فقد نفترض أن التفكير أو الشعور بما يسمى الأفكار أو المشاعر الإيجابية يعني أننا أشخاص جيدون.

وهذا قد يقود إلى ظاهرة تُعرف باسم الإيجابية السامة (Toxic Positivity).

الإيجابية السامة تعني أن يصبح الشخص مضطرًا لإظهار التفاؤل والسعادة دائمًا، حتى عندما تكون مشاعره الحقيقية مختلفة تمامًا.

لقد نشأنا في ثقافات تصنف الناس إلى:

  • أشخاص جيدين أو سيئين

  • أطفال صالحين أو غير صالحين

  • دوافع جيدة أو دوافع سيئة

وغالبًا ما يُربط هذا التصنيف بأفكار أو مشاعر يُنظر إليها على أنها إيجابية أو سلبية. وهذه الفكرة ليست جديدة؛ بل هي مفاهيم انتقلت عبر أجيال طويلة، وربما عبر آلاف السنين.

ولهذا السبب، يفضّل بعض المختصين تجنب استخدام مصطلحي الإيجابي والسلبي عند الحديث عن الأفكار والمشاعر.

اليقظة الذهنية: طريقة أكثر فاعلية

بدلاً من محاولة تصنيف أفكارنا ومشاعرنا، يمكننا استخدام أسلوب أكثر فاعلية في تنظيم الانفعالات، وهو اليقظة الذهنية (Mindfulness).

اليقظة الذهنية تعني ببساطة:
ملاحظة ما نفكر فيه وما نشعر به دون حكم أو تقييم أو تصنيف.

فهي لا تطلب منا:

  • التخلص من فكرة معينة

  • أو استبدال شعور بآخر

بل تسمح لنا فقط بملاحظة التجربة الداخلية كما هي.

الجلوس مع المشاعر

عندما نمارس اليقظة الذهنية، فإننا نتعلم أن نبقى مع ما يظهر داخلنا من أفكار ومشاعر.

نحن لا نحاول الهروب منها أو تغييرها فورًا، بل نمنحها الوقت الكافي لكي تُعرّفنا بنفسها.

وهذا لا يعني الجلوس حرفيًا دون حركة. المقصود هو أن نمنح المشاعر أو الأفكار الوقت الكافي لكي تصبح واضحة ومفهومة.

في هذه المرحلة، لا نحاول حتى تسمية المشاعر مباشرة. بل نسمح لها بأن تكشف لنا تدريجيًا عن طبيعتها.

وعندما تتضح الفكرة أو المشاعر بشكل كامل، يصبح بإمكاننا:

  • فهمها بوضوح

  • تسميتها بدقة

  • واتخاذ إجراءات حقيقية وصادقة للتعامل معها

لكن أثناء عملية الملاحظة، نحن نحافظ على مسافة بين الشعور أو الفكرة وبين رد الفعل.

نحن:

  • نلاحظ

  • نستمع

  • نتقبل

  • ثم نتصرف بعد ذلك بوعي.

 

ماذا نفعل عندما تكون المشاعر شديدة؟

أحيانًا قد تكون الأفكار أو المشاعر قوية جدًا أو طاغية لدرجة يصعب معها مجرد الجلوس وملاحظتها.

في هذه الحالات، يمكن استخدام طرق أخرى تساعد على التعبير عنها، مثل:

النشاط البدني

ممارسة الرياضة تعد وسيلة فعالة للتعبير عن المشاعر والتوترات الداخلية، حتى دون الحاجة إلى تسميتها فورًا.

الكتابة اليومية

يمكن للشخص أن يكتب ما يشعر به بحرية، دون محاولة ترتيب الأفكار أو التحكم فيها. فمجرد ترك الكلمات تتدفق على الورق قد يساعد على فهم المشاعر بشكل أعمق.

كتابة الشعر

يسمح الشعر باستخدام الصور والرموز للتعبير عن التجارب الداخلية بطريقة عميقة ومؤثرة.

السرد القصصي

يمكن للقصص أو الكتابة السردية أن تساعد الشخص على استكشاف عالمه الداخلي وفهمه بشكل أفضل.

العلاج النفسي

ومن أهم الوسائل أيضًا العلاج النفسي. فوجود معالج أو أخصائي يمكنه الجلوس مع الشخص أثناء استكشاف أفكاره ومشاعره يمثل دعمًا كبيرًا في رحلة الفهم والتعافي.

أفكارنا ومشاعرنا رسائل

في النهاية، من المهم أن نتذكر أن أفكارنا ومشاعرنا ليست أعداءً لنا.

بل هي في الحقيقة رسائل:

  • رسائل إلينا

  • رسائل عنّا

  • ورسائل لأجلنا

وعندما نمنح هذه الرسائل الوقت الكافي لنستمع إليها، فإننا نظهر احترامًا لعالمنا الداخلي. وهذا الاحترام يساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أعمق، وعلى إيجاد طرق أكثر صدقًا وأصالة للعيش والتفاعل مع الحياة.

المرجع 

You Don’t Have to Think or Feel Positive for Good Mental Health

https://www.psychologytoday.com/us/blog/traversing-the-inner-terrain/202603/you-dont-have-to-think-or-feel-positive-for-good-mental