ترجمة : أ. نوره الدوسري
ما الذي يغفله وهم الوصول، وما الذي يحاول هذا الفراغ أن يخبرك به؟
نقاط أساسية:
- يفسّر “وهم الوصول” الآليات العصبية للشعور بالفراغ بعد تحقيق الأهداف.
- لدى الأشخاص ذوي الإنجاز العالي، قد يشير هذا الفراغ إلى أن الحياة التي تم بناؤها كانت موروثة وليست مختارة بوعي.
- السؤال الحقيقي ليس: ما الهدف التالي؟ بل: هل نحن مستعدون لنسأل أنفسنا لماذا كنّا نسعى لتحقيق هذه الأهداف أساسًا؟
من أكثر اللحظات التي تبدو مربكة في الممارسة الإكلينيكية ليست تلك المرتبطة بالأزمات أو الانهيارات، بل تحدث بشكل مفاجئ بعد النجاح.
يحقق بعض الأفراد الهدف الذي عملوا من أجله لسنوات طويلة: ترقية وظيفية، شهادة علمية، علاقة عاطفية، أو إنجاز اجتماعي مهم. ومع ذلك، بدلاً من الشعور بالفرح أو الرضا، يجدون أنفسهم يشعرون بالفراغ. من الخارج، تبدو حياتهم مستقرة وناجحة وفق جميع المعايير، لكنهم داخليًا يعانون من شعور بالكآبة أو الخدر أو الضياع الوجودي، وهو شعور يصعب عليهم تفسيره حتى لأنفسهم.
في علم النفس الإيجابي، يُطلق على هذه الظاهرة اسم “وهم الوصول”. وهو يشير إلى الفجوة بين مستوى السعادة الذي نتوقع أن نشعر به عند تحقيق هدف معين، وبين ما نشعر به فعليًا بعد تحقيقه. وغالبًا ما يُفسَّر ذلك من منظور عصبي؛ حيث يُفترض أن الإنسان مهيأ للعودة إلى مستوى أساسي من الرضا بغض النظر عن التغيرات الخارجية، وأن الدوبامين — الذي يدفعنا نحو السعي — يتلاشى بمجرد الوصول إلى الهدف.
قد يكون هذا التفسير صحيحًا من الناحية العلمية، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: ما معنى هذا الشعور؟ ولماذا يعاني بعض الأفراد من هذا الفراغ بشكل أعمق وأكثر استمرارية مقارنة بغيرهم؟
عندما لا يكون الإنجاز كافيًا
في الخبرة الإكلينيكية، يتضح أن الأشخاص الذين يعانون من هذا النوع من الفراغ بشكل مؤثر غالبًا ما يشتركون في سمة أساسية واحدة: أنهم كانوا يسعون نحو أهداف لم تكن نابعة بالكامل من ذواتهم الحقيقية.
لم تكن هذه الأهداف نتيجة اختيار واعٍ يعكس قيمهم أو رغباتهم الداخلية، بل كانت في كثير من الأحيان موروثة من توقعات الأسرة، أو ضغوط المجتمع، أو نتيجة تراكم تدريجي لتعريفات الآخرين لما ينبغي أن تكون عليه الحياة الناجحة.
في هذه الحالة، لا يكون الفراغ بعد الإنجاز علامة على فشل في الدافعية أو ضعف في الطموح، بل هو إشارة أعمق بكثير: إن الذات الحقيقية، التي تم تجاهلها أو كبتها في سبيل تحقيق الإنجاز، بدأت بالظهور والمطالبة بالاعتراف.
تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن عددًا كبيرًا من الشباب يعاني من غياب المعنى أو الهدف في الحياة. كثير منهم يحققون إنجازات متتالية، لكن دون ارتباط حقيقي بما يهمهم داخليًا. هذا النمط من “الإنجاز لأجل الإنجاز” يرتبط بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب بشكل ملحوظ.
وهنا تظهر حقيقة مهمة: الإنجاز لا يساوي المعنى.
لقد تم بناء العديد من الأنظمة التعليمية والمهنية والاجتماعية على افتراض أن تحقيق الإنجازات سيؤدي تلقائيًا إلى حياة مُرضية. لكن الواقع النفسي يشير إلى عكس ذلك. يمكن للفرد أن يحقق نجاحات كبيرة في الخارج، ومع ذلك يشعر بفراغ عميق إذا لم تكن هذه الإنجازات مرتبطة بما يمنحه إحساسًا حقيقيًا بالمعنى.
غياب المعنى كجذر للمعاناة
لاحظ العديد من المنظّرين النفسيين هذه الظاهرة منذ عقود. فقد وجدوا أن كثيرًا من الأفراد الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من الأداء والنجاح الخارجي، يعانون داخليًا من فقدان المعنى والهدف.
هذه الحالة لا تعني وجود خلل في القدرة أو الكفاءة، بل تشير إلى خلل في التوازن النفسي الداخلي. فالإنسان ليس بُعدًا واحدًا، بل منظومة معقدة من الجوانب النفسية والعاطفية والوجودية.
عندما يبالغ الفرد في تعريف نفسه من خلال إنجازاته الخارجية فقط، فإنه يُهمل جوانب أخرى من ذاته. ومع مرور الوقت، تبدأ هذه الجوانب المهملة في الظهور، غالبًا في شكل شعور بالفراغ أو الضيق أو عدم الرضا.
إن النفس البشرية تسعى بطبيعتها إلى التوازن. وعندما يختل هذا التوازن بسبب التركيز المفرط على الإنجاز الخارجي، فإن هذا الاختلال يظهر على شكل معاناة نفسية، حتى لو كانت الحياة تبدو “ناجحة” من الخارج.
ماذا يحاول هذا الفراغ أن يخبرك به؟
غالبًا ما يتم التعامل مع الشعور بالفراغ بعد تحقيق الأهداف على أنه مشكلة يجب حلها بسرعة. فيتم تقديم نصائح مثل: “حدد هدفًا جديدًا”، أو “ابحث عن تحدٍ آخر”، أو “استمر في التقدم”.
لكن هذه النصائح، رغم شيوعها، قد تكون غير فعالة في كثير من الأحيان؛ لأنها تتعامل مع العرض دون فهم الرسالة الكامنة خلفه.
بدلاً من محاولة الهروب من هذا الشعور، قد يكون من المفيد التوقف والتعامل معه بفضول وانفتاح.
ليس السؤال:
ما الهدف التالي الذي يجب تحقيقه؟
بل السؤال الأعمق:
لمن كانت هذه الحياة التي بنيتها؟ وهل تعكس حقًا من أنا، ومن أريد أن أكون، وما الذي يهمني فعليًا؟
هذا التحول في نوعية الأسئلة قد يكون نقطة بداية لفهم أعمق للذات.
الإحساس بالحياة كدليل داخلي
إن الشعور بالحيوية والانخراط الحقيقي فيما يقوم به الفرد هو مؤشر مهم لا يمكن تجاهله. هذا الإحساس لا يعتمد على حجم الإنجاز أو قيمته الاجتماعية، بل على مدى ارتباطه بالذات الحقيقية للفرد.
عندما يختفي هذا الإحساس بعد تحقيق هدف معين، فقد يكون ذلك مؤشرًا على أن هذا الهدف لم يكن متصلًا بجوهر ما يهم الفرد فعليًا.
وقد يكون هذا الفراغ دعوة لإعادة الاتصال بجوانب أعمق من الذات جوانب ربما تم تجاهلها لفترة طويلة في سبيل تحقيق النجاح.
إعادة تعريف النجاح
ربما يكون من الضروري إعادة النظر في مفهوم النجاح نفسه. فبدلاً من تعريفه على أنه سلسلة من الإنجازات المتتالية، يمكن النظر إليه على أنه حالة من التوافق الداخلي بين ما يفعله الفرد وما يشعر أنه يعبر عنه بصدق.
هذا لا يعني التقليل من أهمية الإنجاز، بل يعني وضعه في سياق أوسع يشمل المعنى والاتصال والرضا الداخلي.
الخلاصة
الشعور بالفراغ بعد تحقيق الأهداف ليس علامة ضعف، ولا دليلًا على فشل. بل قد يكون إشارة مهمة إلى أن هناك شيئًا أعمق يحتاج إلى الانتباه.
قد يكون دعوة للتوقف، وإعادة التقييم، وطرح أسئلة أكثر صدقًا حول الاتجاه الذي يسير فيه الفرد.
في النهاية، لا تكمن القيمة الحقيقية في الوصول إلى الهدف، بل في مدى ارتباط هذا الهدف بمن نحن حقًا، وبما يمنح حياتنا معنى حقيقيًا.
المرجع
Why You Feel Empty After Achieving Your Goals https://www.psychologytoday.com/us/blog/navigating-the-serpentine-path/202604/why-you-feel-empty-after-achieving-your-goals





