ترجمة : أ. نوره الدوسري
تحليل السلوك العدواني المرتبط باضطراب الشخصية الحدّية
يعاني الأفراد الذين تظهر لديهم أعراض اضطراب الشخصية الحدّية (BPD) من صعوبات واضحة في تنظيم انفعالاتهم، وهو ما يُعرف باضطراب التنظيم الانفعالي. هذه الصعوبات غالبًا ما تؤدي إلى اندفاعهم في نوبات غضب أو انفجارات انفعالية تجاه الأشخاص الأقرب إليهم، مثل أفراد العائلة أو الأصدقاء. فعندما يشعرون بالإحباط، أو عندما لا تتحقق رغباتهم بالسرعة أو بالطريقة التي يتوقعونها، قد يختبرون موجات مفاجئة وشديدة من الغضب، وغالبًا ما تكون موجهة نحو الأشخاص الذين يعتمدون عليهم عاطفيًا.
هذه الانفجارات قد تأخذ أشكالًا مختلفة. ففي بعض الحالات، قد تكون جسدية، لكنها غالبًا ما تُوجّه نحو الأشياء بدلًا من الأشخاص، مثل ضرب الجدران أو تكسير الممتلكات أو إتلافها. أما في معظم الحالات، فتكون هذه الانفجارات لفظية، وتتجلى في كلام جارح أو أسلوب هجومي مؤذٍ. في هذا المقال، يتم استكشاف الأسباب الكامنة وراء هذه السلوكيات.
مثال توضيحي على التفاعل الانفعالي
فيما يلي مثال يوضّح كيف يمكن أن يحدث هذا النوع من الانفجار اللفظي في موقف يومي:
الأم: جاكي، هل يمكنك أن تأخذني إلى السوق لشراء زيت الزيتون؟
الابن: أنا في منتصف مكالمة عمل الآن.
الأم: متى ستنتهي؟
الابن: لا أستطيع التحدث الآن.
الأم: ما الشيء المهم إلى هذه الدرجة بحيث لا يمكنك أن تأخذ والدتك إلى المتجر بسرعة؟
الابن: (لا يرد)
الأم: أنا أتحدث معك.
الابن: أمي، هذه مكالمة مهمة.
الأم: كل شيء أهم منك بالنسبة لي. انسَ الأمر. وانسَ أنك لديك أم من الأساس. سأذهب بنفسي.
في هذا المثال، تشعر الأم بالإحباط لأن ابنها لم يستجب لطلبها فورًا. وعندما لم تتلقَّ الاستجابة التي توقعتها، قامت بالانفجار غضبًا والتحدث بأسلوب مؤذٍ.
ما الذي يدفع إلى هذا السلوك؟
السبب الرئيسي يكمن في الطريقة التي يتم بها تفسير المواقف. فالأم في المثال السابق لم ترى موقف ابنها على أنه انشغال مؤقت، بل فسّرته على أنه تجاهل لها وتقليل من قيمتها. هذا التفسير الشخصي يجعلها تشعر بعدم الأمان في علاقتها بابنها، ويؤدي إلى مشاعر داخلية من الرفض أو الإهمال.
بالتالي، فإن رد الفعل (الانفجار) لا يكون ناتجًا عن الموقف ذاته، بل عن المعنى الذي تم إضفاؤه على هذا الموقف. هذا المعنى غالبًا ما يرتبط بمخاوف عميقة تتعلق بعدم التقدير أو فقدان العلاقة.
تأثير هذا السلوك على الآخرين
عندما يحدث هذا النوع من الانفجارات بشكل متكرر، يبدأ الأشخاص المحيطون بالشخص المصاب بتوقّع هذا السلوك. ومع مرور الوقت، يصبحون في حالة حذر دائم، وقد يتخذون موقفًا دفاعيًا حتى قبل حدوث أي مشكلة.
لنأخذ مثالًا آخر:
بوب ومارشا متزوجان منذ سنوات طويلة. ويتكرر بينهما الحوار التالي تقريبًا في كل مرة تخرج فيها مارشا لفترة:
بوب: هل عدتِ الآن من زيارة والدتك؟
مارشا: منذ بضع دقائق.
بوب: ومتى كنتِ ستخبرينني أنك عدتِ؟
مارشا: كنتُ على وشك الدخول.
بوب: بالكاد سمعتُ منك أثناء غيابك، فظننت أنك لا ترغبين في التواجد معي.
مارشا: بوب، لا تبدأ مجددًا. في كل مرة أزور فيها والدتي، تكرر نفس الكلام بأنني لا أحبك.
في هذا المثال، يعبّر بوب عن خوفه من أن يكون غير محبوب أو أن يتم التخلي عنه، وهو من الأعراض الشائعة في اضطراب الشخصية الحدّية. أما مارشا، فقد اعتادت على هذا النمط من التفاعل، ولذلك أصبحت تستجيب بطريقة دفاعية ومليئة بالضيق.
حلقة مفرغة من التوتر
يتضح من المثال أن بوب يعاني من شعور داخلي بعدم الكفاية، ولا يثق في أن زوجته تحبه أو تلتزم بالعلاقة معه. لذلك، يحاول الحصول على طمأنة من خلال سلوكيات مثل المطالبة المستمرة أو التملك.
لكن مارشا تفسّر هذا السلوك على أنه اتهام أو محاولة للسيطرة، فترد عليه بانزعاج. هذا الرد لا يلبّي حاجة بوب للطمأنة، بل يزيد من إحباطه، فيصعّد من سلوكه. ونتيجة لذلك، تبتعد مارشا أكثر، مما يعزز لدى بوب خوفه من الهجر.
وهكذا تتكوّن دائرة مفرغة:
الخوف من الهجر → سلوك ضاغط أو هجومي → رد دفاعي من الطرف الآخر → زيادة الشعور بالرفض → تصعيد أكبر.
هذا النمط يُعرف أحيانًا بـ”النبوءة التي تحقق ذاتها”، حيث تؤدي المخاوف إلى سلوكيات تجعل هذه المخاوف تتحقق فعليًا.
دور اضطراب التنظيم الانفعالي
يُعد اضطراب التنظيم الانفعالي عنصرًا أساسيًا في فهم هذا السلوك. فالأفراد الذين يعانون من اضطراب الشخصية الحدّية لديهم جهاز عصبي شديد الحساسية، يستجيب بقوة كبيرة لأي إشارة تُفسَّر على أنها تهديد بالعزلة أو الرفض.
هذه الاستجابة تكون مكثفة لدرجة أنها تتجاوز قدرة الشخص على التحكم أو التهدئة، مما يؤدي إلى شعور عارم بالقلق أو الغضب. في هذه اللحظات، قد يبدو الانفجار وكأنه الطريقة الوحيدة للتفريغ.
ورغم أن هذا السلوك قد يخفف التوتر مؤقتًا، إلا أنه يؤدي في الواقع إلى إبعاد الآخرين، مما يعزز المشكلة الأساسية بدلًا من حلها.
كيف يمكن تقليل هذا السلوك؟
تعلم مهارات تنظيم الانفعالات يُعد خطوة أساسية للحد من هذه الانفجارات. ومن أبرز الأساليب العلاجية الفعّالة في هذا المجال العلاج السلوكي الجدلي (DBT)، الذي يساعد الأفراد على:
- التعرف على مشاعرهم بدقة
- تقبّل الانفعالات دون اندفاع
- تطوير استراتيجيات للتعامل مع التوتر
- تحسين مهارات التواصل
مع تحسن القدرة على تنظيم الانفعالات، يزداد شعور الشخص بالثقة والاستقلالية، ويقلّ خوفه من الهجر، مما ينعكس إيجابيًا على علاقاته.
دور المحيطين بالشخص
فهم ما يمر به الأفراد الذين يعانون من هذه الأعراض يساعد الآخرين على التعامل معهم بشكل أكثر فاعلية، مع الحفاظ على حدود صحية.
من المهم أن يتم وضع حدود واضحة تمنع الإساءة، مع إظهار التعاطف في الوقت نفسه. على سبيل المثال، يمكن استخدام عبارات مثل:
“أنا أفهم أنك تشعر بالألم، لكن لا يمكنني مساعدتك بينما تؤذيني أو تدفعني بعيدًا.”
هذه العبارة تحقق توازنًا بين أمرين مهمين:
- الاعتراف بمشاعر الطرف الآخر
- وضع حد للسلوك غير المقبول
كما أنها توضح الطريق للحصول على الدعم، وهو أن يتم التعبير عن الاحتياج بطريقة مناسبة.
الخلاصة
السلوكيات الانفجارية لدى الأفراد الذين يعانون من اضطراب الشخصية الحدّية ليست عشوائية، بل تنبع من صعوبات عميقة في تنظيم الانفعالات، ومن مخاوف متجذرة تتعلق بالرفض والهجر. هذه المخاوف تؤثر على طريقة تفسيرهم للمواقف، مما يؤدي إلى ردود فعل قد تكون مؤذية للآخرين.
ومع ذلك، فإن هذه الأنماط ليست ثابتة، بل يمكن تغييرها من خلال العلاج والتدريب على مهارات التنظيم الانفعالي، إضافة إلى وجود بيئة داعمة توازن بين التعاطف ووضع الحدود.
مع الوقت، وبالجهد من جميع الأطراف، يمكن تحسين جودة العلاقات بشكل ملحوظ، مما يعود بالنفع على الشخص نفسه وعلى من حوله.
المرجع
Why BPD Causes Lashing Out at Family and Friends





