الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

لماذا نُفكّر في الأسوأ؟ وكيف نوقف التفكير السلبي المبالغ فيه

 

 ترجمة : أ. نوره الدوسري

كثير من الأشخاص يجدون أنفسهم عالقين في دائرة من التفكير السلبي. قد يستيقظ الشخص في الصباح وهو يفكر في موقف مزعج حدث بالأمس، أو يبدأ بالقلق بشأن شيء قد يحدث في المستقبل. أحيانًا يصبح العقل وكأنه يسير على مسار ثابت من القلق والتفكير المزعج ولا يستطيع التوقف عنه بسهولة.

هذه الحالة ليست نادرة، بل هي جزء من الطريقة التي يعمل بها الدماغ البشري. لكن عندما يتحول هذا النمط من التفكير إلى عادة مستمرة، فإنه قد يسبب ضغطًا نفسيًا كبيرًا ويؤثر في العلاقات والحياة اليومية.

في هذا المقال سنفهم:

  • لماذا يميل العقل إلى التركيز على الأمور السلبية

  • ما هو التفكير الكارثي (Catastrophizing)

  • وكيف يمكن التعامل مع هذه الأفكار بطريقة صحية.

لماذا يركز الدماغ على الأمور السلبية؟

قد يلاحظ الكثيرون أن المواقف السلبية تبقى في أذهانهم لفترة أطول من المواقف الإيجابية. فمثلًا، قد يتلقى الشخص عشر عبارات مدح في يوم واحد، لكن تعليقًا نقديًا واحدًا فقط قد يظل يشغل تفكيره طوال اليوم.

يرجع ذلك إلى ما يسميه علماء النفس التحيز السلبي للدماغ (Negativity Bias).

أظهرت دراسات في علم النفس أن الدماغ يستجيب بقوة أكبر للمعلومات السلبية مقارنة بالمعلومات الإيجابية. ففي إحدى الدراسات الكلاسيكية، عرض الباحثون على المشاركين صورًا مختلفة:

  • صور إيجابية مثل أشخاص يركبون الأفعوانية

  • صور محايدة مثل مجفف الشعر

  • صور سلبية مثل مسدس موجّه نحو الكاميرا

أظهرت نتائج الدراسة أن الدماغ كان أكثر نشاطًا عند رؤية الصور السلبية.

السبب في ذلك يعود إلى التطور البشري؛ فالدماغ صُمم أساسًا لحمايتنا من الأخطار. لذلك فهو يميل إلى الانتباه للتهديدات والمخاطر أكثر من الأمور المريحة أو الممتعة.

لكن هذه الميزة التطورية قد تتحول أحيانًا إلى مشكلة، خصوصًا في الحياة الحديثة، حيث قد يبدأ العقل في تضخيم المشكلات اليومية الصغيرة وكأنها تهديدات كبيرة.

كيف يؤثر التفكير السلبي على حياتنا؟

عندما يعتاد العقل على التركيز على الأمور السلبية، يمكن أن يظهر ذلك في عدة أشكال، مثل:

1. تذكّر المواقف المؤلمة أكثر من غيرها

قد يتذكر الشخص تعليقًا جارحًا قاله صديق قبل أيام، ويعيد التفكير فيه مرارًا، متسائلًا:

“لماذا قال لي ذلك؟ هل كان يقصد إهانتي؟”

2. تضخيم القلق مع مرور الوقت

قد يبدأ القلق بفكرة بسيطة مثل:

“العملية الطبية القادمة قد تكون صعبة.”

لكن مع استمرار التفكير تتحول الفكرة إلى:

“ربما ستفشل العملية أو يحدث شيء كارثي.”

3. التركيز على الأخطاء الشخصية

حتى الأخطاء الصغيرة قد تبقى في ذهن الشخص لفترة طويلة. فقد يفكر:

“لماذا قلت ذلك الكلام في الاجتماع؟ لقد كان تصرفًا محرجًا.”

4. إعادة التفكير في الموقف مرارًا

يبدأ العقل في تشغيل شريط متكرر من الأفكار السلبية، وكأن الموقف يعاد تشغيله مرة بعد أخرى.

هذه الأنماط من التفكير قد تؤثر أيضًا في العلاقات الاجتماعية. فمثلًا، قد يفسر الشخص ملاحظة بسيطة من شريك حياته على أنها انتقاد كبير، فيصبح دفاعيًا أو منزعجًا بسرعة.

ما هو التفكير الكارثي؟

التفكير الكارثي هو نوع من التشوهات المعرفية، أي أنه طريقة غير دقيقة أو غير واقعية في تفسير الأحداث.

في هذا النوع من التفكير، يميل الشخص إلى افتراض أسوأ سيناريو ممكن حتى لو لم تكن هناك أدلة على ذلك.

مثال على ذلك:

  • إذا لم يرد الشريك على رسالة نصية فورًا، قد يفكر الشخص:

“ربما حدث له شيء خطير.”

  • إذا خاف الطالب من الامتحان، قد يفكر:

“إذا رسبت في هذا الامتحان فسأفشل في حياتي كلها.”

  • عند مقابلة شخص جديد، قد يفسر الشخص إشارة بسيطة مثل قلة الابتسام على أنها:

“هذا الشخص يكرهني.”

في هذه الحالات، لا يكون الخطر حقيقيًا، لكن العقل يضخم الاحتمالات السلبية ويعاملها وكأنها حقائق.

لماذا يحدث التفكير الكارثي؟

يحدث التفكير الكارثي غالبًا عند الأشخاص الذين يعانون من القلق. فالقلق يجعل الدماغ يبحث باستمرار عن التهديدات المحتملة.

عندما يبدأ القلق، يبدأ العقل في بناء سلسلة من الأفكار السلبية:

فكرة صغيرة → قلق → تفسير سلبي → سيناريو كارثي.

وهكذا يدخل الشخص في دوامة من التفكير المقلق يصعب الخروج منها.

ثلاث طرق للتعامل مع التفكير الكارثي

لحسن الحظ، يمكن تعلم مهارات تساعد على السيطرة على هذا النوع من التفكير.

1. العودة إلى اللحظة الحالية

عندما يبدأ العقل في تخيل أسوأ السيناريوهات، فإن أفضل خطوة يمكن اتخاذها هي إعادة التركيز على اللحظة الحالية.

تُظهر الأبحاث أن اليقظة الذهنية (Mindfulness) تساعد على تقليل القلق والتفكير الكارثي.

اليقظة الذهنية تعني ببساطة:
الانتباه لما يحدث الآن دون إصدار أحكام.

ومن الطرق المفيدة لتحقيق ذلك:

التنفس العميق

التنفس البطني العميق يساعد على:

  • خفض معدل ضربات القلب

  • تقليل التوتر

  • تهدئة الجهاز العصبي

عندما يركز الشخص على تنفسه، يصبح ذهنه أكثر استقرارًا، مما يساعد على إيقاف سلسلة الأفكار المقلقة.

2. تحديد وقت للقلق

قد تبدو الفكرة غريبة، لكن بعض الدراسات تشير إلى أن تحديد وقت مخصص للقلق يمكن أن يقلل من التفكير المزعج.

الطريقة بسيطة:

  • تخصيص 15–20 دقيقة يوميًا للتفكير في الأمور التي تقلقك

  • إذا ظهرت أفكار مزعجة خلال اليوم، يتم تأجيلها إلى “وقت القلق”

بهذه الطريقة يتعلم الدماغ أن القلق ليس مسموحًا به طوال اليوم.

كما يساعد هذا الأسلوب الشخص على التعامل مع مخاوفه بطريقة منظمة بدلًا من التفكير فيها بشكل عشوائي.

3. العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

يُعد العلاج المعرفي السلوكي أحد أكثر الأساليب فعالية في التعامل مع التفكير الكارثي.

يعتمد هذا العلاج على فكرة بسيطة:
الأفكار تؤثر في المشاعر والسلوك.

لذلك يساعد العلاج الشخص على:

  • التعرف على الأفكار غير الواقعية

  • اختبار صحتها

  • استبدالها بأفكار أكثر توازنًا

على سبيل المثال:

بدلًا من التفكير:

“إذا فشلت في هذا الأمر فسأفشل في حياتي.”

يمكن إعادة صياغة الفكرة إلى:

“قد لا أنجح هذه المرة، لكن يمكنني التعلم والمحاولة مرة أخرى.”

لا تبقَ وحيدًا مع أفكارك

من المهم أن نتذكر أن التفكير الكارثي يزداد قوة عندما يبقى داخل العقل فقط.

لذلك فإن مشاركة الأفكار مع شخص موثوق يمكن أن تكون خطوة مفيدة جدًا.

قد يكون هذا الشخص:

  • صديقًا مقربًا

  • أحد أفراد العائلة

  • مستشارًا نفسيًا

  • معالجًا متخصصًا

عندما نتحدث عن مخاوفنا بصوت عالٍ، غالبًا ما نكتشف أن هذه الأفكار ليست واقعية كما كنا نعتقد.

الخلاصة

العقل البشري مبرمج بطبيعته على الانتباه إلى المخاطر، وهذا ما يجعله يميل إلى التركيز على الأمور السلبية أكثر من الإيجابية. لكن في بعض الأحيان يتحول هذا الميل الطبيعي إلى نمط من التفكير المقلق والمبالغ فيه، مثل التفكير الكارثي.

عندما يصبح الشخص واعيًا بهذه الأنماط الذهنية، يصبح قادرًا على التعامل معها بطرق صحية، مثل ممارسة اليقظة الذهنية، وتنظيم وقت القلق، أو الاستفادة من العلاج المعرفي السلوكي.

الأهم من ذلك هو إدراك أن الأفكار ليست حقائق دائمًا. فالعقل قد يخلق سيناريوهات مخيفة، لكن هذا لا يعني أنها ستحدث بالفعل. ومع التدريب والوعي، يمكن لأي شخص أن يتعلم إدارة أفكاره بدلًا من أن تتحكم أفكاره به.

المرجع 

ْHow to Stop Obsessing Over the Bad Stuff

https://www.psychologytoday.com/us/blog/brainstorm/202511/how-to-stop-obsessing-over-the-bad-stuff

3 Tips to Keep Your Catastrophic Thoughts at Bay

https://www.psychologytoday.com/us/blog/social-instincts/202302/3-tips-to-keep-your-catastrophic-thoughts-at-bay