ترجمة : أ. نوره الدوسري
يقدّم الإسلام إطارًا شاملًا لا يقتصر على الجانب العقدي فحسب، بل يوفّر أيضًا خريطة متكاملة لفهم التجربة الإنسانية والسير في طريق تزكية النفس وتطويرها. فعلى الرغم من إيمان المسلمين بأن القرآن الكريم والسنة النبوية يحتويان على الهداية الكاملة، إلا أن كثيرين لا يدركون عمق ما يتضمّنه هذا الدين من مبادئ نفسية وروحية. ومع تصاعد النزعة العلمانية وتأثير المجتمعات المعاصرة، أصبح من السهل الاعتقاد بوجود تعارض بين الدين والعلم، وخاصة في مجالات العلوم الإنسانية. وقد أدى ذلك إلى ابتعاد كثير من المسلمين عن تراثهم الغني في علم النفس الإسلامي أو ما عُرف تاريخيًا بـ«علم النفس» .
تعتمد معظم مدارس تطوير الذات الحديثة على مفاهيم نفسية معيّنة، وقد قدّمت بالفعل أدوات مفيدة يحتاجها الناس في عالم سريع التغيّر. لكن هذه الاتجاهات تحمل معها افتراضات فلسفية حول طبيعة الإنسان قد لا تنسجم دائمًا مع الرؤية الإسلامية. ومن دون وعيٍ بهذه الفروقات قد يقع البعض في أفكار تبعدهم عن التوازن الروحي أو تُضعف صلتهم بالله سبحانه وتعالى. في المقابل، يمتلك التراث الإسلامي علمًا متكاملًا للنفس يستند إلى القرآن والسنة، ويقدّم حلولًا عملية لتحديات الحياة المعاصرة، بل يمكن أن يضيف رؤى جديدة حتى لمجالات تطوير الذات الحديثة.
البعد النفسي الكامن في الإسلام
ينظر كثيرون إلى الدين باعتباره مجموعة أوامر ونواهٍ فقط، فيصبح التعامل معه تعاملًا «تبادليًا» قائمًا على الأفعال الظاهرية دون تحوّل داخلي حقيقي. غير أن القرآن الكريم يؤكد ضرورة التغيير الداخلي والمحاسبة الذاتية، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
هذا المبدأ يعكس جوهر العمل النفسي في الإسلام؛ إذ إن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من إصلاح النفس والقلب. وعلى خلاف التصورات الحديثة التي تفصل بين علم النفس والدين، فإن المعرفة بالنفس في الإسلام موزّعة في مختلف علوم الشريعة، حيث لم يكن هناك فصل بين تزكية النفس واتباع الدين.
مفهوم الذات من منظور إسلامي
تميل بعض مدارس علم النفس الحديث إلى حصر مفهوم «الذات» في العقل أو التفكير، متأثرة بالفلسفة الديكارتية «أنا أفكر إذن أنا موجود». أما الإسلام فيرى الإنسان كيانًا متكاملًا يجمع الجسد والعقل والقلب والروح. فالهوية الحقيقية للإنسان هي الروح، وليست مجرد الشخصية أو الذاكرة المرتبطة بالحياة الدنيا.
كما يؤكد الإسلام أن رحلة النفس لا تبدأ بالولادة فقط، بل تمتد إلى ما قبل الوجود الدنيوي، حين شهدت الأرواح على ربوبية الله، كما في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ… أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: 172].
هذا العهد يرسّخ في الفطرة الإنسانية معرفة الله والاعتماد عليه، ويشكّل أساس النظرة الإسلامية للهوية البشرية.
الفطرة والصحة النفسية
يرى النموذج الإسلامي أن الفطرة هي الحالة الأصلية للنفس؛ أي الميل الفطري للتوحيد والخير. وعندما يبتعد الإنسان عن فطرته نتيجة الضغوط أو الغفلة، يظهر الاضطراب النفسي والروحي. لذلك فإن مفهوم الصحة النفسية في الإسلام لا يقتصر على الشعور بالسعادة الدنيوية، بل يرتبط بسلامة القلب وقربه من الله.
تتأثر النفس بعوامل داخلية وخارجية، وتعيش صراعًا مستمرًا بين التوجّه الروحي والميول الدنيوية. ومن هنا تأتي أهمية فهم بنية النفس وآليات عملها.
بنية النفس في الإسلام
تتكوّن النفس من عدة عناصر مترابطة:
الروح : الجانب النقي المرتبط بالله، وهو غير قابل للفساد لكنه قد يُغطّى بالغفلة.
النفس : الجانب المرتبط بالرغبات والميول الدنيوية.
القلب : مركز التوجيه والاختيار، وهو محل الصراع بين الروح والنفس.
العقل: وظيفة إدراكية مرتبطة بالقلب، تساعد على التمييز والفهم.
القلب قادر على «التحوّل»؛ فقد يتجه نحو الروح فيزداد قربًا من الله، أو يميل إلى النفس فيغرق في الغفلة. وقد تؤثر الصدمات والتجارب المؤلمة على القلب فتشكّل حواجز تعيق صفاءه، وهو ما يمكن مقارنته ببعض المفاهيم النفسية المعاصرة حول الجروح العاطفية.
مراحل النفس وتزكيتها
يحدّد التراث الإسلامي ثلاث حالات رئيسية للنفس:
النفس الأمّارة بالسوء: حيث تغلب الشهوات والصفات السلبية مثل الحسد والغضب.
النفس اللوّامة: حيث يبدأ الإنسان بمحاسبة نفسه والسعي للإصلاح.
النفس المطمئنة: حالة السكينة والقرب من الله، وهي الهدف الأسمى لتزكية النفس.
وتشمل عملية التطوير الذاتي في الإسلام مفاهيم مثل جهاد النفس، وتهذيب الأخلاق، وتزكية النفس، وهي وسائل عملية لتحويل الصفات المدمّرة (المهلكات) إلى صفات منجية مثل الشجاعة والحكمة والعدل.
النموذج الإسلامي للنفس وتطبيقاته
أظهرت دراسات حديثة في علم النفس الإسلامي نموذجًا متكاملًا يبيّن كيف يتفاعل القلب والعقل والنفس والروح في تحديد الحالة النفسية للإنسان. ويؤكد هذا النموذج أن الإنسان يميل بطبيعته إلى النمو الروحي والارتقاء، وأن القرآن والسنة يقدّمان منهجًا واضحًا لتحقيق هذا المسار.
عندما يتجه القلب نحو الروح عبر الذكر والطاعة، تزداد الصفات الإيجابية ويتحقق التوازن النفسي. أما عندما ينغمس في الغفلة، فتظهر الصفات السلبية ويختل التوازن الداخلي.
آثار النموذج الإسلامي على تطوير الذات
يسمح تبنّي النموذج الإسلامي للنفس بتوسيع مفهوم تطوير الذات ليشمل البعد الروحي، وليس فقط الجانب المعرفي أو السلوكي. فالتركيز على القلب وتزكيته يفتح أبوابًا أعمق لفهم الذات ومعنى الحياة. وقد أشار النبي ﷺ إلى مركزية القلب بقوله:
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» [صحيح البخاري].
يؤكد هذا الحديث أن إصلاح القلب هو أساس الإصلاح الشامل للإنسان.
التوازن بين الإرادة والقدر
تطرح مدارس تطوير الذات فكرة «التحكم الداخلي» كشرط للنجاح، بينما يؤمن المسلم بأن الله هو المتحكم المطلق في النتائج. ويقدّم الإسلام حلًا متوازنًا يجمع بين الأخذ بالأسباب وبذل الجهد، مع التسليم بأن النتائج بيد الله. وهذا التوازن بين الحرية الإنسانية والإيمان بالقضاء والقدر يعزّز الشعور بالمسؤولية دون الوقوع في وهم السيطرة المطلقة.
خلاصة
يقدّم الإسلام نموذجًا نفسيًا متكاملًا يجمع بين الجسد والعقل والقلب والروح، ويرى أن جوهر تطوير الذات هو تزكية النفس والعودة إلى الفطرة. ومن خلال هذا المنظور، يصبح العمل على الذات رحلة روحية تهدف إلى إصلاح القلب، وتعزيز الصفات الإيجابية، وتحقيق التوازن بين متطلبات الدنيا والآخرة. وبينما قد تقدّم مدارس علم النفس الحديثة أدوات مفيدة، فإن النموذج الإسلامي يضيف بعدًا أعمق يربط الصحة النفسية بالصلة بالله وبالغاية الكبرى للإنسان.
المرجع
http://productivemuslim.com/what-islam-offers-to-modern-self-help/





