الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف يبدو الاكتئاب حقًا؟

 

ترجمة : أ.  نوره الدوسري 

 

نعيش في زمن أصبحت فيه أجهزتنا الرقمية أقرب رفقائنا. نبذل جهدًا هائلًا في العمل، ونستنزف طاقتنا الجسدية والنفسية، ومع ذلك نعاني في كثير من الأحيان من عدم الاستقرار المالي والاقتصادي. من حولنا، تندلع الحروب والصراعات، ونقف نحن في موقع المتفرّج العاجز عن التدخل أو التغيير. تتعدد مصادر الضغط المزمن في حياتنا اليومية، ما يجعلنا نشعر بعدم الاتزان العاطفي وصعوبة السيطرة على مشاعرنا.

ورغم أن قدرة الإنسان على الصمود والتكيّف وتجاوز الشدائد قدرة مذهلة، إلا أن تراكم الفوضى والضغوط المستمرة يجعل الحفاظ على الشعور بالسعادة والطمأنينة أمرًا بالغ الصعوبة. في خضم هذا الواقع، يصبح الاكتئاب تجربة يعيشها كثيرون، أحيانًا دون أن يدركوا حقيقتها أو أسبابها.

ما هو الاكتئاب؟

هل مررت يومًا بشعور ثقيل يلازمك طوال اليوم، وكأن الحزن أو الفراغ يحيطان بك من كل جانب؟ جميعنا نمر بأيام نشعر فيها بالحزن أو الإحباط من وقت لآخر، وهذا أمر طبيعي. لكن عندما تستمر هذه المشاعر لأسابيع أو أشهر متتالية، وتتركك في حالة دائمة من الانخفاض النفسي، والاستنزاف، والعجز عن الخروج من هذه الدوامة، فقد يكون ذلك مؤشرًا على الاكتئاب.

الاكتئاب ليس مجرد حزن عابر أو ضعف في الإرادة، بل هو حالة نفسية معقّدة تؤثر على المشاعر، والأفكار، والسلوك، والجسد. وقد يجعل الشخص يشعر وكأن الحياة فقدت معناها أو لونها، حتى وإن كان يواصل أداء مهامه اليومية ظاهريًا.



أسباب الاكتئاب

الاكتئاب أكثر من كونه اضطرابًا نفسيًا فقط، فهو في كثير من الأحيان استجابة الجسد والعقل لضغوط مزمنة وبيئات صعبة. وغالبًا ما ينشأ نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل البيولوجية، والنفسية، والاجتماعية، والبيئية.

العوامل البيولوجية

تشمل العوامل البيولوجية التغيرات الهرمونية، مثل تلك التي تحدث أثناء الحمل أو بعد الولادة، أو نتيجة اضطرابات الغدة الدرقية. كما أن وجود تاريخ عائلي للاكتئاب قد يزيد من احتمالية الإصابة به.

إضافة إلى ذلك، يرتبط الاكتئاب بانخفاض مستويات بعض المواد الكيميائية في الدماغ المسؤولة عن تنظيم المزاج، مثل السيروتونين والدوبامين، مما يؤثر على الشعور بالسعادة والدافعية.

كما أن التعرّض للضغط النفسي المزمن قد يضعف عمل العصب المسؤول عن تنظيم الاستجابة للتوتر والانفعالات، وهو ما يجعل الجسم أقل قدرة على التعافي والعودة إلى التوازن، الأمر الذي قد يؤدي إلى ظهور أعراض اكتئابية مستمرة.

العوامل النفسية

تلعب التجارب المبكرة في الطفولة دورًا كبيرًا في تشكيل الجهاز العصبي. فالتعرّض للصدمات النفسية في سن مبكرة قد يبقي الجهاز العصبي في حالة بقاء دائم، إما في حالة استنفار مستمر أو في حالة تجمّد وانسحاب. هذا الخلل في التنظيم العصبي قد يؤدي إلى الشعور بالخدر العاطفي، أو الانفصال عن الذات، أو الحزن المستمر.

كما تسهم أنماط التفكير السلبية، والحزن غير المعالج، والسلوكيات مثل الاجترار الفكري والنقد الذاتي القاسي، في زيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب. هذه الأنماط قد تحبس الشخص داخل دائرة من الألم النفسي، وتجعل الخروج منها أمرًا بالغ الصعوبة دون دعم مناسب.

العوامل الاجتماعية والبيئية

يحتاج الإنسان بطبيعته إلى علاقات آمنة وداعمة ليزدهر نفسيًا. إلا أن نمط الحياة الحديثة غالبًا ما يحرمنا من هذا النوع من الترابط. الانشغال المستمر، وضغوط العمل، والاعتماد المتزايد على التواصل الرقمي بدلًا من التفاعل المباشر، كلها عوامل قد تزيد من الشعور بالعزلة والوحدة.

كما تسهم الضغوط المالية، والتغيرات الموسمية، وعدم المساواة الاجتماعية، في خلق بيئة تزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب. إضافة إلى ذلك، قد تؤثر العوامل الثقافية والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية على كيفية ظهور الاكتئاب، وعلى قرار الفرد في طلب المساعدة أو الامتناع عنها.

أعراض الاكتئاب

يظهر الاكتئاب من خلال مجموعة من الأعراض العاطفية، والمعرفية، والسلوكية، والجسدية، وقد تختلف شدتها من شخص لآخر.

الأعراض العاطفية

تعكس هذه الأعراض تأثير الاكتئاب على المزاج والمشاعر، وقد تشمل:

  • الشعور المستمر بالحزن أو انخفاض المزاج.

  • الإحساس بالفراغ أو الانفصال العاطفي.

  • فقدان الأمل أو الاعتقاد بأن الأمور لن تتحسن.

  • الشعور بالذنب الشديد، وغالبًا يكون غير متناسب مع الواقع.

  • الحساسية الزائدة، مثل التأثر الشديد أو البكاء المتكرر لأسباب بسيطة.

على سبيل المثال، قد يشعر الشخص بحزن عميق فور استيقاظه من النوم، ما يجعل النهوض من السرير مهمة شاقة. أو قد يواصل يومه دون أن يشعر بأي شيء على الإطلاق، لا فرحًا ولا حزنًا، وكأن المشاعر قد تلاشت.

الأعراض المعرفية

تؤثر هذه الأعراض على طريقة التفكير، والتركيز، واتخاذ القرار، وقد تشمل:

  • أفكار سلبية متكررة مثل الشعور بعدم القيمة أو الاعتقاد بأن المستقبل مظلم.

  • تشوش ذهني يصعّب التركيز، والتذكر، وإنجاز المهام اليومية.

  • صعوبة اتخاذ القرارات، حتى البسيطة منها.

  • الانشغال المفرط بأخطاء الماضي أو القلق المستمر بشأن المستقبل.

  • الشعور بأن أبسط المهام مرهقة للغاية.

على سبيل المثال، قد يجلس الشخص أمام رسالة بسيطة لساعات دون القدرة على الرد عليها، أو قد يتردد طويلًا في اتخاذ قرارات يومية بسيطة، ما يجعله يشعر بالعجز أو الشلل الذهني.

الأعراض السلوكية

تظهر هذه الأعراض في التغيرات التي تطرأ على السلوك والتفاعل مع الآخرين، مثل:

  • تجنب الأصدقاء والعائلة والمناسبات الاجتماعية، مما يزيد من العزلة.

  • فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت ممتعة في السابق.

  • إهمال العناية بالنفس أو بالمسؤوليات اليومية.

  • الانغماس المفرط في العمل أو الانشغال المبالغ فيه كوسيلة للهروب من المشاعر.

على سبيل المثال، قد يبدأ الشخص بإلغاء مواعيده الاجتماعية باستمرار، أو يتوقف عن ممارسة أنشطته اليومية المعتادة، وقد تتراكم الفوضى في محيطه بسبب نقص الطاقة والدافعية.

الأعراض الجسدية

لا يقتصر الاكتئاب على النفس فقط، بل يؤثر أيضًا على الجسد، وقد يشمل:

  • الإرهاق الشديد حتى مع بذل مجهود بسيط.

  • اضطرابات النوم، سواء قلة النوم أو زيادته.

  • تغيرات ملحوظة في الشهية والوزن.

  • آلام جسدية متكررة مثل الصداع أو آلام الظهر أو المعدة دون سبب طبي واضح.

على سبيل المثال، قد ينام الشخص لساعات طويلة ومع ذلك يستيقظ منهكًا، أو قد يعاني من الأرق لعدة أيام متتالية، وفي كلتا الحالتين يشعر بالإجهاد المستمر.

التعامل مع الاكتئاب

إذا كنت تعاني من ثلاثة أعراض أو أكثر من الأعراض المذكورة أعلاه لمدة تزيد عن أربعة أسابيع، فمن المهم طلب المساعدة المتخصصة. يمكن للطبيب النفسي أو المعالج المختص تقييم أسباب الاكتئاب وشدته، ووضع خطة علاج مناسبة قد تشمل العلاج الدوائي، والعلاج النفسي، وتغييرات في نمط الحياة.

إلى جانب الدعم المهني، فإن العناية بالجسد وتقليل مصادر الضغط في البيئة المحيطة يشكلان أساسًا مهمًا للتعافي. ولأن الاكتئاب غالبًا ما يعطّل الروتين اليومي، فإن البدء بخطوات صغيرة وبسيطة قد يحدث فرقًا كبيرًا.

يمكن البدء بممارسة حركة خفيفة، مثل التمدد أو المشي لمدة عشر دقائق يوميًا، لما لها من أثر إيجابي على المزاج والطاقة. كما يُنصح بتنظيم النوم من خلال الالتزام بوقت نوم ثابت، وتجنب استخدام الشاشات قبل النوم بمدة كافية.

الاهتمام بالتغذية المتوازنة، وتناول الأطعمة المغذية التي تدعم صحة الجسد والعقل، يلعب دورًا مهمًا أيضًا. كما أن قضاء بعض الوقت في الهواء الطلق خلال ساعات الصباح يساعد على تحسين المزاج وتنظيم الساعة البيولوجية.

وأخيرًا، وعلى الرغم من صعوبة التواصل أحيانًا، فإن طلب الدعم من الأصدقاء والعائلة يمكن أن يكون خطوة فارقة. مشاركة المشاعر، وطلب المساعدة في المهام اليومية، والاعتماد على الآخرين للتشجيع والدعم، كلها أمور تذكّرنا بأننا لسنا وحدنا في هذه التجربة، وأن التعافي ممكن بدعم مناسب.

المرجع

What Does Depression Really Feel Like?

https://www.shyrohealth.com/resources/article/what-does-depression-really-feel-like