ترجمة: أ. سما خالد
تواجه الأسر والأخصائيين العاملين مع الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية طيفًا واسعًا من السلوكيات التي تبدو في ظاهرها مزعجة أو غير منطقية، مثل الصراخ المتكرر، السلوكيات العدوانية، الرفض المستمر، السلوكيات القهرية، أو الانسحاب المفاجئ. وغالبًا ما تُفسَّر هذه السلوكيات على أنها عناد أو سوء تربية أو رغبة في لفت الانتباه. إلا أن القراءة العلمية الحديثة في علم النفس الإكلينيكي وتحليل السلوك التطبيقي تشير إلى أن هذه السلوكيات ليست المشكلة بحد ذاتها، بل هي رسائل غير لفظية تعبّر عن احتياجات نفسية، حسية، معرفية، أو انفعالية لم يتمكن الأطفال من التعبير عنها بصورة مباشرة.
إن فهم السلوك بوصفه وسيلة تواصل يُعد حجر الأساس في كلٍّ من المدارس التحليلية النفسية والمدارس السلوكية المعاصرة. فالأطفال الذين يواجهون صعوبات في اللغة، أو التنظيم الانفعالي، أو المعالجة الحسية، أو المرونة المعرفية، يلجؤون إلى السلوك كبديل للتعبير. ومن هنا، فإن أي محاولة لتغيير السلوك دون فهم معناه تكون قاصرة، لأن تغيير السلوك يبدأ بفهم ما يقوله.
من منظور تحليل السلوك التطبيقي، يُفهم السلوك من خلال وظيفته وليس شكله. فقد يكون الصراخ وسيلة للهروب من موقف مرهق، أو للحصول على اهتمام، أو للتعبير عن ألم حسي، أو لتنظيم الذات. وتشير الأدلة إلى أن نسبة كبيرة من السلوكيات الصعبة لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية تحمل وظيفة تواصلية يمكن تحديدها عبر التقييم الوظيفي للسلوك، مما يوجّه التدخل نحو البدائل المناسبة بدلًا من التركيز على الإيقاف القسري للسلوك (Hanley et al., 2014).
في المقابل، يضيف التحليل النفسي بعدًا مهمًا لهذا الفهم؛ إذ ينظر إلى السلوكيات بوصفها تعبيرًا عن صراعات داخلية وقلق غير مُعبَّر عنه واحتياجات انفعالية لم تجد طريقها للإشباع. فالأطفال الذين يُظهرون عدوانية متكررة قد يعيشون حالة فرط استثارة عصبية مزمنة، أو صعوبة في تحمل الإحباط، أو قلق انفصالي لا يستطيعون التعبير عنه بالكلمات. ويُسهم هذا المنظور في قراءة العمق الانفعالي للسلوك، لا الاكتفاء بوصفه ظاهرة سطحية.
عند دمج هذين المنظورين، يتضح أن السلوكيات الصعبة هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل بيئية وعصبية ونفسية وسلوكية. فالأطفال المشخّصون باضطرابات نمائية غالبًا ما يعانون من ضعف في مهارات التنظيم الانفعالي، وصعوبات في الانتقال بين الأنشطة، وحساسية حسية مرتفعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للانفجارات السلوكية في مواقف تبدو عادية للآخرين.
على سبيل المثال، قد تظهر السلوكيات العدوانية في أوقات الوجبات. التفسير السلوكي قد يشير إلى الهروب من مطلب، لكن القراءة الحسية تكشف احتمال وجود حساسية تجاه الروائح أو القوام أو الأصوات. هنا يصبح السلوك وسيلة للهروب من تجربة حسية مؤلمة، وليس رفضًا للطعام. وبالمثل، فإن السلوكيات القهرية المتكررة قد تمثل محاولة لتنظيم القلق الداخلي عبر التكرار الذي يمنح شعورًا بالسيطرة في بيئة يصعب التنبؤ بها.
تؤكد الدراسات أن التدخل الفعال لا يركز على إيقاف السلوك، بل على تعليم بدائل تواصلية وتنظيمية. فعندما يتعلم الأطفال كيفية طلب الاستراحة، أو التعبير عن الضيق، أو استخدام استراتيجيات التهدئة الذاتية، تنخفض السلوكيات الصعبة بشكل ملحوظ (Durand, 2015). ويُعد تدريب الأسر على قراءة الإشارات المبكرة للتصاعد السلوكي جزءًا محوريًا من هذا التدخل.
ومن الأخطاء الشائعة التعامل مع هذه السلوكيات بالعقاب أو الصراخ أو الإقصاء، مما يزيد من شدتها. ففي لحظات التصاعد يكون الأطفال في حالة عجز عصبي عن التعلم، ويحتاجون إلى تنظيم لا إلى تصحيح. وهنا يظهر دور البيئة الداعمة التي تقلل من الحمل الحسي، وتزيد من القدرة على التنبؤ، وتضبط مستوى المطالب.
تلعب البيئة دورًا حاسمًا في تشكيل السلوك. فالضوضاء، الازدحام، التغييرات المفاجئة، وكثرة الأوامر، جميعها تزيد من الحمل العصبي. أحيانًا يكون تعديل البيئة أكثر فاعلية من أي تدخل مباشر. إن تقليل المثيرات، وتقديم جداول بصرية، وإتاحة فترات راحة حسية، كلها تدخلات تسبق تغيير السلوك.
كما أن هذا الفهم يغيّر طريقة تفكير الأسر؛ فبدلًا من سؤال “كيف نوقف هذا السلوك؟” يصبح السؤال “ماذا يحاول الأطفال إخبارنا؟”. هذا التحول المعرفي يعزز التعاطف ويقلل من الإحباط، ويفتح الباب لتدخلات أكثر إنسانية وفعالية.
من المهم أيضًا الانتباه إلى أن السلوكيات الصعبة قد تكون مؤشرًا على اضطرابات نفسية مصاحبة مثل القلق أو الاكتئاب المقنّع أو اضطرابات المعالجة الحسية. إن القراءة الدقيقة للسلوك قد تكشف احتياجات علاجية أعمق تتطلب تدخلًا تكامليًا.
يوفر التكامل بين التحليل السلوكي والتحليل النفسي إطارًا غنيًا للفهم؛ فالتحليل السلوكي يجيب عن سؤال “لماذا يحدث السلوك؟” بينما التحليل النفسي يجيب عن سؤال “ماذا يعني هذا السلوك؟”. وعندما يجتمع المنظوران، يصبح التدخل أكثر عمقًا ودقة.
إن السلوكيات الصعبة لا تظهر فجأة، بل تسبقها إشارات مبكرة مثل التوتر الجسدي، تغيّر نبرة الصوت، الانسحاب، أو زيادة الحركات النمطية. تدريب الأسر والأخصائيين على ملاحظة هذه المؤشرات يتيح التدخل المبكر قبل التصاعد، ويحوّل مسار الموقف بالكامل.
كذلك، فإن تعليم مهارات التنظيم الانفعالي يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من الخطط التدخلية. وتشمل هذه المهارات تمارين التنفس، والضغط العميق، والزوايا الهادئة، واستخدام الوسائل البصرية للتعبير عن المشاعر. هذه الاستراتيجيات لا تُعلّم فقط بدائل للسلوك، بل تبني قدرة عصبية حقيقية على التنظيم.
في الختام، فإن السلوكيات الصعبة لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية ليست تحديًا سلوكيًا بقدر ما هي نداء تواصلي يحتاج إلى قراءة دقيقة. وكلما تمكن الأخصائيون والأسر من قراءة هذه الرسائل، أصبح التدخل أكثر نجاحًا. إن السلوك يتحدث عندما تعجز الكلمات، والإنصات الجيد هو بداية التغيير الحقيقي
في الختام، يتضح أن السلوكيات الصعبة لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية ليست مجرد تصرفات عشوائية أو عناد، بل هي رسائل تحمل معاني محددة واحتياجات لم تُلبَّ بعد. إن القدرة على قراءة هذه الرسائل وفهمها تمكّن الأسر والأخصائيين من تقديم دعم فعّال، وتقليل الضغوط النفسية على الأطفال، وتعزيز مهاراتهم التنظيمية والانفعالية والاجتماعية. وعندما يصبح التدخل مبنيًا على فهم عميق للسلوك، يتحول كل تصرّف صعب إلى فرصة للتعلم والتواصل والنمو، مما يرسّخ بيئة أكثر أمانًا ودعمًا للأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية.
المراجع (APA 7)
Durand, V. M. (2015). Functional communication training. Guilford Press.
Hanley, G. P., Jin, C. S., Vanselow, N. R., & Hanratty, L. A. (2014). Producing meaningful improvements in problem behavior of children. Journal of Applied Behavior Analysis, 47(1), 16–36.
Siegel, D. J. (2012). The developing mind. Guilford Press.
Fonagy, P., & Target, M. (2003а). Attachment and reflective function. Guilford Pres





