ترجمة: أ. نوره الدوسري
يجلس شاب بمفرده على مقعد، يبدو عليه التأمل والانزواء قليلاً، مجسداً بذلك مشاعر تدني تقدير الذات ومعاناته في التعامل مع المواقف الاجتماعية.
تمر مرحلة المراهقة على كثير من الشباب وكأنها سلسلة لا تنتهي من التحديات. بدءًا من محاولات تكوين صداقات جديدة، إلى التعامل مع أعباء الدراسة، وصولًا إلى محاولاتهم لاكتشاف ذواتهم وهوياتهم، فهذه المرحلة مليئة بالصعوبات. ويأتي تدني تقدير الذات ليُثقل هذه المرحلة أكثر، إذ يتسلل في صمت لكنه يحمل تأثيراً كبيراً، فيؤثر في الحياة اليومية للمراهق، ويزعزع ثقته بنفسه، ويؤثر في علاقاته بالآخرين، بل وقد ينعكس سلباً على صحته النفسية.
في هذا المقال، سنتناول أسباب تدني تقدير الذات عند المراهقين، وكيفية ملاحظة علاماته التحذيرية، وسنقدم نصائح عملية للآباء والمعلمين والمعالجين لدعم الشباب في بناء شعور أقوى بقيمتهم الذاتية.
ما هو تدني تقدير الذات؟
تدني تقدير الذات يعني أن ينظر الشخص إلى نفسه نظرة سلبية، فيرى أنه أقل قيمة أو كفاءة مما هو عليه في الحقيقة. وعند المراهقين، قد يظهر ذلك في صورة شعور بعدم الجدارة أو الكفاية: “لست ذكياً بما فيه الكفاية”، أو “لست جميلاً بما يكفي”، أو “لا أقدر على النجاح”. وهذه المشاعر تمتد لتؤثر في كل جانب من جوانب حياتهم، فتشكل رؤيتهم لأنفسهم وطريقتهم في التفاعل مع الآخرين واتخاذ القرارات.
المفاهيم الخاطئة عن تدني تقدير الذات
من الشائع أن يظن البعض أن تقدير الذات مرتبط فقط بطريقة تفكير الشخص أو إدراكه لذاته. لكن في الحقيقة، الأمر لا يقتصر على الأفكار، بل يتعلق كثيراً بتجربة المراهق الجسدية ومشاعره التي يعيشها في جسده. فالمشاعر تسكن الجسد قبل أن تعبر إلى العقل.
لهذا السبب، لا يُعتبر العلاج السلوكي المعرفي (CBT) دائمًا الخيار الأول لعلاج هذه الحالات. نعم، للأفكار أهمية، لكنها غالبًا ما تتبع المشاعر الجسدية. حين نساعد المراهق على الشعور بالأمان وتنظيم جسده، تنبع الأفكار الإيجابية بصورة طبيعية، مما يعزز تقدير الذات والثقة بالنفس والرفاهية العاطفية بشكل مستدام.
لماذا يعد تقدير الذات مهماً للمراهقين؟
يمثل تقدير الذات خلال فترة المراهقة حجر أساس للصحة النفسية والمرونة العاطفية والقدرة على اتخاذ القرارات السليمة. يؤثر تقدير الذات على أداء المراهقين الدراسي، وعلاقاتهم بأسرهم وأصدقائهم. فالمراهق الواثق من نفسه أكثر قدرة على مواجهة التحديات والارتداد بعد التعرض للإخفاقات. أما تدني تقدير الذات فقد يقود إلى اضطرابات في المزاج، وقلق، واكتئاب، بل وقد يتسبب في مشكلات أخرى مثل اضطرابات الأكل.
الأسباب الشائعة لتدني تقدير الذات
اختلافات في معالجة الحواس
تلعب الحواس دورًا جوهريًا في تشكيل تجربة المراهق. فالمراهق الذي يشعر بالراحة الجسدية يكون أقل عرضة لتدني تقدير الذات مقارنة بمن يعاني من صعوبات حسية تجعله يشعر بأنه مختلف أو غير مندمج.
التحديات الجسدية
المراهق الذي يعاني من أمراض مزمنة أو مشكلات في الجهاز الهضمي أو الحساسية قد يجد صعوبة في التفاعل اجتماعياً، مما يؤثر سلباً على تقديره لذاته.
صورة الجسد وضغوط المجتمع
تؤثر المعايير الجمالية غير الواقعية التي تبثها وسائل التواصل والإعلانات سلباً على صورة المراهق لجسده، مما يعزز شعور عدم الرضا عن الذات.
الأداء الدراسي والضغوط المدرسية
يشعر المراهق بالضغط من أجل تحقيق النجاح الأكاديمي. وعندما يعاني من صعوبات، وخاصة إذا كان يعاني من اختلافات مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، فقد يظن أنه هو المشكلة، بينما تكمن المشكلة أحيانًا في البيئة التي لا تراعي احتياجاته.
الجدول المزدحم
الإرهاق الجسدي ينعكس مباشرة على الثقة بالنفس. فالمراهق المنهك بسبب الأنشطة المفرطة قد يعاني من تدني تقدير الذات لأن جسده ببساطة يصرخ طلباً للراحة.
الحديث السلبي مع الذات
غالبًا ما يتحدث المراهق مع نفسه بنفس الأسلوب الذي يسمعه من والديه. لذا من المهم أن ينتبه الأهل لطريقة حديثهم مع أبنائهم.
العلاقات الاجتماعية والديناميكيات الأسرية
تؤثر التفاعلات الاجتماعية والضغوط الأسرية، بما في ذلك الأوضاع المالية، على شعور المراهق بذاته. المراهقون شديدو الحساسية تجاه الأجواء حولهم، ويلتقطون المشاعر حتى دون كلمات.
أثر تدني تقدير الذات
إذا لم تتم معالجة تدني تقدير الذات، فقد يؤدي إلى:
- اضطرابات في المزاج مثل الاكتئاب والقلق.
- اضطرابات الأكل.
- الانعزال الاجتماعي.
- اتخاذ قرارات غير سليمة أو تجنب خوض تجارب جديدة خوفاً من الفشل.
كيف نميز علامات تدني تقدير الذات؟
من المهم للآباء والمعلمين والمعالجين الانتباه إلى:
- مشاعر الحزن المستمر أو البكاء المتكرر.
- نوبات غضب أو انفعالات غير مبررة.
- الانعزال أو فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة.
- تغيرات في عادات الأكل أو النوم.
استراتيجيات لتعزيز تقدير الذات
- كن قدوة: أظهر تقبلك لنفسك أمام المراهق.
- إعادة تدريب الدماغ: ركز على الإيجابيات والنجاحات الصغيرة، واحتفل بها.
- حقق الإنجازات الصغيرة: ساعد المراهق على تحديد أهداف واقعية يسهل تحقيقها.
- شجع على العلاقات الصحية: ادعم المراهق في تكوين علاقات تعزز ثقته بنفسه.
- اطلب المساعدة المتخصصة: قد يكون العلاج وسيلة فعالة للوصول إلى جذور المشكلة.
دور الوالدين والمعلمين
- وفر بيئة آمنة وداعمة.
- كن نموذجًا يُحتذى به في احترام الذات.
- عزز صورة الجسد الإيجابية من خلال أفعالك قبل كلماتك.
- استمع بإنصات، وامنح المراهق مساحة للتعبير عن مشاعره.
خلاصة
إن بناء تقدير الذات لدى المراهقين ليس مهمة سريعة، لكنه هدف نبيل وممكن التحقيق من خلال دعم بيئة مليئة بالأمان والفرح والقبول. كل شخص في حياة المراهق، سواء كان أباً أو معلماً أو معالجاً، يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً ومستداماً.
المرجع :
Understanding and Addressing Low Self-Esteem in Teens:





