ترجمة: أ. نوره الدوسري
المقدمة والتعريف
تختلف أساليب التربية بشكل كبير بين الأسر، حيث يلعب الخلفية الثقافية دورًا جوهريًا في تشكيل ديناميكيات الأسرة وممارسات تربية الأطفال. خلال السنوات الأخيرة، شهدت التركيبة السكانية ، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع نسبة الأسر ذات الوالد الواحد، وكل هذه العوامل تؤثر مباشرة على أساليب التربية. هذه التغيرات أضافت تنوعًا ثقافيًا وعرقيًا وروحيًا إلى طرق تربية الأطفال.
وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الأمريكي لعام 2014، عاش ربع الأطفال في أسر ذات والد واحد، بينما عاش ثلاثة أرباع الأطفال مع والدين متزوجين، وتفاوتت هذه الأنماط بين المجموعات العرقية والثقافية المختلفة. وعلى الرغم من أن الأطفال قادرون على الازدهار في جميع الهياكل الأسرية، تشير البيانات إلى أن الأطفال الذين يعيشون في أسر ذات والد واحد يواجهون، في المتوسط، تحديات أكبر مقارنة بأطفال الأسر ذات الوالدين.
تُعرَّف الثقافة بأنها نمط مشترك من القيم والمعايير الاجتماعية واللغة والسلوك، وتؤثر بشكل كبير على أساليب التربية. ونتيجة لذلك، تختلف أساليب التربية المتعلقة بتنظيم الذات—مثل تعزيز الانتباه، والامتثال، وتأجيل الإشباع، والوظائف التنفيذية، والتحكم الإرادي—من ثقافة إلى أخرى.
كل والد يمتلك نهجه الخاص في التفاعل مع الأطفال وتوجيههم، مما يشكل مبادئهم وسلوكهم وقيمهم الأخلاقية. صنّف الباحثون أساليب التربية إلى عدة مجموعات نفسية—عادةً 3، 4، أو 5 تصنيفات. ومع ذلك، يركّز هذا العرض على 4 فئات رئيسية: التربية السلطوية، التربية التثقيفية، التربية المتساهلة، والتربية غير المشاركة. تمثل كل فئة أسلوبًا مختلفًا في تربية الأطفال، على الرغم من أن الأهل غالبًا ما يمزجون بين خصائص عدة فئات، ويمكن أن تختلف أساليب التربية حسب المواقف المختلفة.
التربية السلطوية
يتسم الآباء السلطويون عادةً بأسلوب تواصل أحادي الاتجاه، حيث يفرضون قواعد صارمة يجب على الأطفال اتباعها دون نقاش أو تفاوض. هذه القواعد نادرًا ما يتم شرحها، ويتوقع من الأطفال الالتزام بمعايير عالية دون ارتكاب أخطاء. غالبًا ما تُعاقب الأخطاء بشكل مباشر، ويميل الآباء السلطويون إلى أن يكونوا أقل حنانًا، محافظين على توقعات عالية مع مرونة محدودة.
الأطفال الذين يُربَّون وفق هذا الأسلوب غالبًا ما يظهرون سلوكًا منضبطًا نتيجة لعواقب السلوك السيئ، ويبرعون في اتباع التعليمات بدقة لتحقيق أهدافهم. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا الأسلوب إلى مستويات أعلى من العدوانية، كما قد يظهر على الأطفال خجل، ضعف في المهارات الاجتماعية، وصعوبة في اتخاذ القرارات بأنفسهم. غالبًا ما تنشأ العدوانية غير المسيطر عليها من صعوبات في إدارة الغضب، إذ يفتقر هؤلاء الأطفال إلى التوجيه المناسب. كما قد يعانون من تدني احترام الذات، مما يعقد قدرتهم على اتخاذ القرارات بشكل مستقل. بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي القواعد الصارمة والعقوبات إلى ميل الأطفال للتمرد على السلطة مع تقدمهم في العمر.
التربية التثقيفية
تتميز التربية التثقيفية بعلاقة حميمية وحنونة بين الوالدين وأطفالهم. يقوم الآباء بتحديد توقعات وإرشادات واضحة وشرح أسباب الإجراءات التأديبية. يُستخدم التأديب كأداة داعمة بدلاً من كونه عقوبة، ويُشجع الأطفال على المشاركة في وضع الأهداف والتوقعات، مما يعزز التواصل المفتوح والمتكرر والملائم بين الوالدين والطفل. يعد هذا الأسلوب عادةً الأكثر فائدة للأطفال من الناحية النفسية والسلوكية، لكنه يتطلب صبرًا وجهدًا كبيرين من الطرفين.
تعمل التربية التثقيفية على تعزيز الثقة بالنفس، المسؤولية، وتنظيم الذات لدى الأطفال. يتمكن هؤلاء الأطفال من إدارة المشاعر السلبية بفاعلية أكبر، مما يحسن نتائجهم الاجتماعية وعافيتهم العاطفية. من خلال تشجيع الاستقلالية، يساعد الآباء الأطفال على فهم أنهم قادرون على تحقيق أهدافهم بأنفسهم، مما يعزز تقديرهم لذاتهم. كما يميل هؤلاء الأطفال إلى التفوق الأكاديمي والأداء الجيد في المدرسة.
التربية المتساهلة
يتميز الوالدان المتساهلان بالدفء والحنان، مع توقعات منخفضة للأطفال. يضعون قواعد قليلة ويحافظون على التواصل المفتوح، مما يتيح للأطفال التعامل مع المواقف بشكل مستقل. غالبًا ما يؤدي نقص التوقعات إلى قلة الإجراءات التأديبية، إذ يتخذ الوالدان دور الصديق أكثر من دور السلطة التقليدية.
قلة القواعد قد تدفع الأطفال إلى تطوير عادات غذائية غير صحية، خاصة فيما يتعلق بالوجبات الخفيفة، مما يزيد خطر الإصابة بالسمنة والمشاكل الصحية مستقبلًا. يتمتع هؤلاء الأطفال بحرية واسعة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالنوم، والواجبات المدرسية، ووقت الشاشة على الأجهزة الإلكترونية. ومع ذلك، يمكن أن تؤدي هذه الحرية إلى تكوين عادات سلبية، إذ يقدم الوالدان توجيهًا محدودًا بشأن الاعتدال. بشكل عام، يمتلك الأطفال المتربون وفق هذا الأسلوب احترامًا جيدًا لذاتهم ومهارات اجتماعية مقبولة، إلا أنهم قد يكونون مندفعين، ومتطلبين، وأنانيين، ويواجهون صعوبة في تنظيم أنفسهم.
التربية غير المشاركة
تمنح التربية غير المشاركة الأطفال درجة كبيرة من الحرية، حيث يتخذ الوالدان نهجًا غير متدخل في حياة الطفل. قد يلبون الاحتياجات الأساسية للأطفال، لكنهم يظلون منفصلين عاطفيًا وغير متفاعلين في حياتهم. لا يلتزم الوالدان بأسلوب تأديبي محدد ويحتفظون بتواصل محدود، مع تقديم رعاية عاطفية قليلة، وتوقعات منخفضة أو معدومة.
الأطفال الذين ينشأون في بيئة غير مشاركة غالبًا ما يظهرون القدرة على التكيف والاعتماد على النفس، لكن هذه المهارات تتطور غالبًا بدافع الحاجة. ومع ذلك، قد يواجه هؤلاء الأطفال صعوبة في تنظيم المشاعر، ويظهرون استراتيجيات تأقلم أقل فاعلية، ويواجهون تحديات أكاديمية، وصعوبة في الحفاظ على علاقات اجتماعية صحية.
الأهمية السريرية
يمكن أن يؤثر أسلوب التربية بشكل كبير على سلوكيات الأطفال وأفعالهم مع تقدمهم في العمر. ومع ذلك، مع نمو الأطفال، يمكن لعوامل أخرى—مثل العلاج، الثقافة، العمل، والدائرة الاجتماعية—أن تشكل سلوكهم أو تغيره. فيما يتعلق بالنتائج الصحية، من المهم تحديد مناطق القلق المرتبطة بأسلوب التربية، مثل العادات الغذائية غير المراقبة، والعمل على معالجتها. يصبح هذا النهج أكثر أهمية في سياق التدخلات السلوكية والنفسية.
تطوير الكفاءة الثقافية يعد مهارة قيمة لمقدمي الرعاية للأطفال. فهم خلفية الأسرة، وأساليب وضع القواعد، وأنماط التأديب يساعد الأخصائيين على استيعاب ديناميكيات الأسرة. بمجرد معرفة أساليب التربية، يمكن للأخصائيين تحديد الأسر التي تحتاج إلى تدخل أو إحالتها، بما يعزز رفاهية الأطفال بشكل فعال.
تدخلات التمريض والفريق متعدد التخصصات
قد تتطلب التدخلات الخاصة بالأطفال فهم أسلوب التربية في المنزل، خصوصًا عند وجود شبهة إساءة جسدية أو لفظية. إن التعرف على بيئة الطفل المنزلية يتيح تقديم نهج أكثر تخصيصًا لتحسين النتائج الصحية والنفسية للأطفال، ويعزز رفاهيتهم بشكل فعّال.
المرجع
Types of Parenting Styles and Effects on Children
http://ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK568743/





