ترجمة: أ. سما خالد
الملخص
يُعَدّ اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه من أبرز الاضطرابات النمائية العصبية التي تؤثر على النمو النفسي والسلوكي للأطفال، وتمتد آثارها إلى المراحل اللاحقة من العمر. تتنوع الوسائل العلاجية بين التدخلات الدوائية والسلوكية والمعرفية، إضافة إلى البرامج التربوية والإرشادية الموجهة للأسر. يهدف التكامل بين هذه الوسائل إلى تخفيف حدة الأعراض وتعزيز التكيف النفسي والاجتماعي وتحسين جودة الحياة لدى الأطفال المشخّصين بالاضطراب. وتؤكد الأدبيات العلمية أن التدخلات المتعددة المحاور، التي تجمع بين العلاج الطبي والنفسي والتربوي والأسري، تمثل النموذج الأكثر فاعلية لمساعدة الأطفال على تحقيق التوازن النفسي والتطور الأكاديمي والاجتماعي.
المقدمة
اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يمثل تحديًا معقدًا للأسر والمختصين نظرًا لطبيعته المزمنة وتأثيره الممتد على مختلف جوانب الحياة اليومية للأطفال. يتميز هذا الاضطراب بفرط النشاط وصعوبة التركيز والاندفاعية، وهي أنماط سلوكية تؤثر في الأداء الأكاديمي والعلاقات الاجتماعية والمهارات الانفعالية. ويعود أساس هذا الاضطراب إلى خلل في تنظيم الناقلات العصبية في الدماغ، خصوصًا الدوبامين والنورأدرينالين، مما يستدعي تدخلًا متعدد الأبعاد يجمع بين العلاج الدوائي والتدخلات السلوكية والتربوية والإرشاد الأسري. وفي ضوء هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى توضيح الوسائل العلاجية المختلفة وكيفية دمجها ضمن خطة شاملة تتناسب مع احتياجات كل مجموعة من الأطفال المشخّصين بالاضطراب.
العلاج الدوائي
العلاج الدوائي يُعَدّ خيارًا شائعًا وفعالًا، إذ تساعد العقاقير المنشطة مثل الميثيلفنيدات والأمفيتامينات على رفع مستويات الناقلات العصبية المرتبطة بالانتباه والتحكم بالسلوك، مما ينعكس على تقليل فرط النشاط وتحسين القدرة على التركيز. وفي الحالات التي لا تُظهر استجابة كافية أو عند ظهور آثار جانبية غير مرغوبة، يُلجأ إلى الأدوية غير المنشطة مثل الأتوموكستين والجوانفاسين، والتي تساهم في تحسين السيطرة الانفعالية وتقليل الاندفاعية. وعلى الرغم من فاعلية الأدوية في ضبط الأعراض الأساسية، إلا أن الاعتماد عليها وحدها لا يحقق التكيف الأمثل، مما يجعل دمجها مع استراتيجيات أخرى أمرًا ضروريًا.
العلاج السلوكي المعرفي
يُعَدّ العلاج السلوكي المعرفي أحد أهم التدخلات النفسية المستخدمة مع الأطفال المشخّصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. يهدف هذا النهج إلى تطوير استراتيجيات عملية تساعد الأطفال على تنظيم سلوكياتهم، وإدارة انتباههم، والتقليل من اندفاعيتهم. كما يتضمن تدريبهم على مهارات حل المشكلات، وتعزيز التفكير قبل التصرف، وتحسين التنظيم الذاتي. ويُظهر هذا النوع من العلاج فعالية ملحوظة عندما يتم تطبيقه بصورة منتظمة داخل العيادات أو المدارس، خصوصًا إذا ترافق مع متابعة أسرية مستمرة.
الإرشاد والتدريب الأسري
تُعَدّ الأسر جزءًا محوريًا في عملية العلاج، إذ يواجه الوالدين تحديات يومية في التعامل مع السلوكيات المرتبطة بالاضطراب. لذلك، يركز التدريب الأسري على توعية الأسر بطبيعة الاضطراب وكيفية التعامل معه بأساليب إيجابية. يشمل ذلك استخدام استراتيجيات التعزيز الإيجابي، وتجنب العقاب الجسدي أو القاسي، وتعلم طرق إدارة المواقف الصعبة بشكل يخفف الضغوط الأسرية. كما يعزز الإرشاد الأسري من قدرة الوالدين على بناء بيئة منزلية مستقرة تدعم النمو النفسي والاجتماعي للأطفال، وهو ما ينعكس على خفض التوتر وتحسين العلاقات داخل الأسرة.
التدخلات التربوية
يمثل المجال التربوي أحد أهم محاور التدخل، إذ يحتاج الأطفال المشخّصون باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه إلى استراتيجيات تعليمية مخصصة تراعي احتياجاتهم. يشمل ذلك تكييف طرق التدريس، وتقليل المشتتات داخل الصف، واستخدام الوسائل البصرية، وتقديم التعليم في خطوات صغيرة مع تعزيز الاستجابة الفورية. كما أن التعاون بين المختصين النفسيين والمعلمين يسهم في متابعة الأداء الأكاديمي وتقديم الدعم المناسب، مما يقلل من فرص الفشل الدراسي ويعزز فرص النجاح والتكيف المدرسي.
أهمية التكامل بين الوسائل العلاجية
تشير الأدلة العلمية إلى أن الدمج بين الوسائل العلاجية يحقق أفضل النتائج. فالأدوية قد تقلل من الأعراض الأساسية، بينما تتيح التدخلات السلوكية والتربوية للأسر والأطفال استراتيجيات عملية للتعامل مع التحديات اليومية. كما أن الدعم الأسري والمدرسي يساهم في ترسيخ المكتسبات العلاجية ويمنع الانتكاسات. ومن هذا المنطلق، فإن العمل التكاملي بين الأطباء النفسيين، والأخصائيين النفسيين، والمعلمين، والأهالي يُعَدّ شرطًا أساسيًا لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي للأطفال.
الخاتمة
اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ليس مجرد حالة سلوكية عابرة، بل هو اضطراب نمائي عصبي معقد يتطلب تدخلًا شاملاً متعدد الأبعاد. وعلى الرغم من أن العلاج الدوائي يوفر تحسنًا ملموسًا في السيطرة على الأعراض، إلا أن الاعتماد عليه وحده غير كافٍ لتحقيق التكيف الأمثل. إن إدماج العلاج السلوكي المعرفي، والتدخلات التربوية، والإرشاد الأسري ضمن خطة متكاملة يعزز من قدرة الأطفال على تطوير مهاراتهم والتغلب على الصعوبات التي تواجههم. كما أن التعاون بين الأسر والمختصين والمؤسسات التعليمية يمثل الأساس لتحقيق نتائج إيجابية طويلة المدى، وضمان حياة أكثر توازنًا واستقرارًا للأطفال المشخّصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
المرجع:
American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). Washington, DC: Author.
Barkley, R. A. (2015). Attention-deficit hyperactivity disorder: A handbook for diagnosis and treatment (4th ed.). Guilford Press.
Faraone, S. V., Asherson, P., Banaschewski, T., Biederman, J., Buitelaar, J. K., Ramos-Quiroga, J. A., Rohde, L. A., Sonuga-Barke, E. J., Tannock, R., & Franke, B. (2015). Attention-deficit/hyperactivity disorder. Nature Reviews Disease Primers, 1(1), 15020. https://doi.org/10.1038/nrdp.2015.20
Hinshaw, S. P., & Ellison, K. S. (2016). ADHD: What everyone needs to know. Oxford University Press.
National Institute for Health and Care Excellence. (2018). Attention deficit hyperactivity disorder: Diagnosis and management (NICE guideline NG87). https://www.nice.org.uk/guidance/ng87
Pelham, W. E., & Fabiano, G. A. (2008). Evidence-based psychosocial treatments for attention-deficit/hyperactivity disorder. Journal of Clinical Child & Adolescent Psychology, 37(1), 184–214. https://doi.org/10.1080/15374410701818681
Thomas, R., Sanders, S., Doust, J., Beller, E., & Glasziou, P. (2015). Prevalence of attention-deficit/hyperactivity disorder: A systematic review and meta-analysis. Pediatrics, 135(4), e994–e1001. https://doi.org/10.1542/peds.2014-3482





