الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

سيكولوجية الإعجابات وتأثيرها على تقدير الذات

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

في العقود الأخيرة، أحدث التطور التكنولوجي ثورة عميقة في أنماط التواصل الإنساني، وكان لوسائل التواصل الاجتماعي النصيب الأكبر من هذا التحول. لم تعد هذه المنصات مجرد أدوات لتبادل الرسائل أو مشاركة الصور، بل أصبحت فضاءات نفسية واجتماعية متكاملة تؤثر في الهوية، والمشاعر، والسلوك، وتقدير الذات. وفي قلب هذا العالم الرقمي، يبرز زر “الإعجاب” كأيقونة صغيرة ذات تأثير نفسي كبير، إذ تحوّل من تفاعل بسيط إلى مؤشر ضمني للقيمة الاجتماعية والقبول النفسي.

تسعى هذه المقالة إلى تحليل سيكولوجية الإعجابات من منظور علم النفس، وبيان كيف أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل مفهوم تقدير الذات، وتحويل الحاجة الإنسانية الطبيعية للقبول إلى دائرة مستمرة من التحقق الاجتماعي، قد تحمل آثارًا نفسية بعيدة المدى.

الحاجة إلى القبول من منظور نفسي

يؤكد علم النفس الإنساني أن الحاجة إلى القبول والانتماء تُعد من الحاجات الأساسية لدى الإنسان. فالشعور بأن الفرد مقبول ومرغوب فيه داخل جماعته يسهم في بناء الاستقرار النفسي والشعور بالأمان. تاريخيًا، كان هذا القبول يُبنى من خلال العلاقات المباشرة، مثل الأسرة، والأصدقاء، والمجتمع المحلي.

ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، انتقلت هذه الحاجة من نطاقها الطبيعي إلى فضاء أوسع وأكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التقييم صادرًا عن دائرة محدودة، بل عن جمهور غير مرئي قد يضم مئات أو آلاف الأشخاص. في هذا السياق، أصبح زر الإعجاب أداة سريعة وفعالة لإشباع هذه الحاجة، لكنه في الوقت ذاته جعل القبول أكثر هشاشة وتقلبًا.

الإعجاب كتحقق اجتماعي رقمي

من منظور علم النفس الاجتماعي، يُمثل الإعجاب شكلًا من أشكال التحقق الاجتماعي، أي التأكيد الخارجي لقيمة الفرد أو صحة أفكاره. عندما ينشر الفرد صورة أو فكرة ويتلقى عددًا من الإعجابات، فإن ذلك يُفسَّر نفسيًا على أنه رسالة قبول ودعم.

هذا التفاعل يمنح شعورًا فوريًا بالرضا، ويعزز الإحساس بالانتماء والظهور الاجتماعي. ومع التكرار، يبدأ العقل في ربط الشعور بالقيمة الذاتية بعدد التفاعلات الرقمية، ما قد يؤدي إلى اعتماد نفسي متزايد على هذا النوع من التحقق.

الدوبامين ونظام المكافأة في الدماغ

تلعب العوامل العصبية دورًا محوريًا في تعزيز سلوك البحث عن الإعجابات. فعند تلقي الإعجاب، ينشط نظام المكافأة في الدماغ، ويُفرز الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالمتعة، والتحفيز، والتوقع الإيجابي.

هذه الاستجابة العصبية تشبه ما يحدث عند تحقيق إنجاز أو تلقي مكافأة، ما يجعل الدماغ يتعامل مع الإعجابات كمصدر سريع للمكافأة. ومع تكرار هذه التجربة، تتكون دائرة تعزيز نفسي تجعل الفرد أكثر ميلًا للنشر المتكرر، ومراقبة التفاعل، والبحث المستمر عن الرضا الرقمي.

تكمن الخطورة هنا في أن هذا الرضا يكون مؤقتًا، ما يدفع الفرد إلى البحث عن المزيد، دون الوصول إلى إشباع نفسي حقيقي أو مستدام.

تقدير الذات بين البناء الداخلي والاعتماد الخارجي

تقدير الذات يُعرّف بأنه تقييم الفرد لقيمته الشخصية وشعوره بالكفاءة والاستحقاق. وعندما يُبنى هذا التقدير على مصادر داخلية مثل الإنجاز، والقيم، والقبول الذاتي، يكون أكثر ثباتًا ومرونة. أما عندما يعتمد على مصادر خارجية مثل الإعجابات والتعليقات، فإنه يصبح عرضة للتقلب.

في هذا السياق، يظهر ما يُعرف بـ تقدير الذات الهش، حيث يرتفع الشعور بالقيمة مع زيادة التفاعل، وينخفض بشكل حاد عند غيابه. هذا النمط يجعل الفرد أكثر حساسية للنقد، وأكثر عرضة للقلق الاجتماعي، ويضعف قدرته على تقبل ذاته بعيدًا عن تقييم الآخرين.

المقارنة الاجتماعية وتشويه الإدراك

تُعد المقارنة الاجتماعية من العمليات النفسية الطبيعية، حيث يقارن الفرد نفسه بالآخرين لتقييم وضعه. إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي تعزز هذا السلوك بشكل مفرط وغير صحي، بسبب طبيعة المحتوى المعروض.

غالبًا ما يعرض الأفراد أفضل لحظاتهم، وإنجازاتهم، وصورهم المعدّلة، ما يخلق صورة مثالية غير واقعية. عند مقارنة الحياة اليومية الطبيعية بهذه الصور المنتقاة، يشعر الفرد بالنقص، وعدم الرضا، وتراجع تقدير الذات.

هذا التشويه الإدراكي يجعل الفرد ينسى أن ما يراه ليس الواقع الكامل، بل نسخة مصممة للعرض، ما يؤدي إلى ضغط نفسي مستمر وشعور داخلي بعدم الكفاية.

اقتصاد التحقق الاجتماعي وبناء الهوية الرقمية

في ظل هذا الواقع، يمكن وصف وسائل التواصل الاجتماعي بأنها بيئة تقوم على اقتصاد التحقق الاجتماعي، حيث تُقاس القيمة النفسية بالأرقام والمؤشرات الرقمية. عدد الإعجابات والمتابعين أصبح معيارًا غير معلن للنجاح الاجتماعي.

يسعى كثير من الأفراد إلى تعديل سلوكهم، وآرائهم، وحتى مشاعرهم لتتوافق مع ما يحظى بالقبول الجماهيري. ومع الوقت، قد تتشكل هوية رقمية مصطنعة، تختلف عن الهوية الحقيقية، ما يخلق فجوة نفسية بين ما يعيشه الفرد وما يعرضه.

هذا الانفصال قد يؤدي إلى شعور بالاغتراب الذاتي، حيث يشعر الفرد بأنه يؤدي دورًا مستمرًا لإرضاء الآخرين، بدلًا من التعبير الصادق عن ذاته.

الآثار النفسية طويلة المدى

الاعتماد المستمر على التحقق الرقمي قد يترك آثارًا نفسية عميقة، من أبرزها:

  • ارتفاع مستويات القلق المرتبط بالتقييم الاجتماعي.

  • تراجع الدافعية الداخلية مقابل الاعتماد على التعزيز الخارجي.

  • ضعف القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة.

  • الشعور بالفراغ النفسي رغم التفاعل المستمر.

  • زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب المرتبط بالمقارنة الاجتماعية.

هذه الآثار تتراكم تدريجيًا، وقد لا يلاحظها الفرد إلا بعد فترة طويلة من الاستخدام غير الواعي.

التحرر من دائرة التحقق الرقمي

التحرر النفسي من هذه الدائرة لا يعني الانسحاب من وسائل التواصل الاجتماعي، بل يتطلب بناء وعي نفسي بكيفية تأثيرها في المشاعر والسلوك. ويبدأ ذلك بإعادة تعريف القيمة الذاتية بعيدًا عن التفاعل الرقمي.

من المفاهيم المهمة في هذا السياق مفهوم “الرغبة الذاتية”، أي أن يتعلم الفرد اتخاذ قراراته بناءً على قناعاته وقيمه، لا على توقعات الجمهور. هذا التحول يعزز الاستقلال النفسي، ويعيد التوازن بين الحاجة إلى الانتماء والحفاظ على الأصالة.

كما يسهم تعزيز العلاقات الواقعية، وممارسة التأمل الذاتي، وتنمية التعاطف مع الذات، في بناء تقدير ذات أكثر استقرارًا ومرونة.

خاتمة

تكشف سيكولوجية الإعجابات عن تفاعل معقّد بين الدماغ، والسلوك، والثقافة الرقمية. ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي توفر فرصًا للتواصل والتعبير، إلا أن الاعتماد المفرط على التحقق الرقمي قد يُضعف الصحة النفسية ويشوّه مفهوم القيمة الذاتية.

إن بناء علاقة متوازنة مع العالم الرقمي يتطلب وعيًا، ونقدًا ذاتيًا، وقدرة على التمييز بين التحقق الحقيقي والقبول السطحي. فالقيمة الإنسانية لا تُقاس بعدد الإعجابات، بل بصدق التجربة، وعمق المعنى، والقدرة على العيش وفق الذات الحقيقية لا وفق صدى الآخرين.

المراجع

The Validation Economy: How Social Media is Reshaping Our Need for Approval

https://braincuddle.medium.com/the-validation-economy-how-social-media-reshaped-our-need-for-approval-65bb30ca490e

The Psychology of Likes: How Social Media Validation Impacts Self-Esteem

https://www.nyweeklymagazine.com/blog/the-psychology-of-likes-how-social-media-validation-impacts-self-esteem