الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

قوة الانضباط الإيجابي

 

 ترجمة : أ. نوره الدوسري

ما الذي يعنيه لكم مصطلح “الانضباط الإيجابي”؟ قد تتخيلون أحد الوالدين يتحدث دائماً بنبرة هادئة، ويضع احتياجات طفله فوق كل شيء، وربما تتخيلون أن ذلك الطفل لا يبكي أبداً.

وماذا يعني لكم مصطلح “الانضباط” بمفرده؟ ربما تتخيلون طفلاً يجلس في زاوية العقاب، أو يتعرض للضرب، أو يتم إشعاره بالعار حتى يقوم بالفعل الصحيح.

هل ترون الفرق الكبير بين المعنيين لمجرد إضافة أو حذف كلمة واحدة؟

 

فهم الانضباط الإيجابي

الأساس في الانضباط الإيجابي هو أن يكون الوالد “لطيفاً وحازماً” في آن واحد. أي أن يجمع بين الدفء العاطفي والمتابعة الجادة. ويتحقق ذلك من خلال الاستخدام الواعي للروتين اليومي، والتحلي بالصبر، وممارسة المرونة.

قد يبدو الجمع بين هذه العناصر أمراً مرهقاً وصعب التحقيق، إلا أن إيجاد التوازن بين اللطف والحزم هو “المفتاح السحري” لتربية قائمة على الاحترام المتبادل، وفي الوقت ذاته تحمل الأطفال مسؤولية أفعالهم.

كثيراً ما يُساء فهم الانضباط الإيجابي على أنه تربية متساهلة أو تدليل مفرط، أو يُخلط بينه وبين التربية السلطوية الصارمة القائمة على “لأنني قلت ذلك”. لكن الحقيقة أن الانضباط الإيجابي يجمع بين الاثنين معاً: اللطف والحزم.



مبادئ الانضباط الإيجابي

يقوم الانضباط الإيجابي على مبدأ التوازن بين استراتيجيات اللطف والحزم.

  • اللطف يعني التعاطف والمساندة.

  • الحزم يعني وضع حدود واضحة وثابتة تقاوم الضغوط.

  • و”الواو” بينهما هي جوهر العملية التربوية: أن نكون لطفاء وحازمين في آن واحد.

 

التربية باللطف فقط

إذا اعتمدنا على اللطف فقط، فإننا نُضعف الحدود، ونفقد الاحترام المتبادل. الأطفال قد يشعرون بعدم الأمان ويفتقرون للانضباط الذاتي. قد نخشى قول “لا” خوفاً من نوبة غضب. قد لا يبدو ذلك خطيراً عندما يكون الطفل صغيراً، لكنه يصبح مشكلة كبيرة عند المراهقة، حيث تزداد الضغوط الاجتماعية.




التربية بالحزم فقط

أما إذا كان الحزم هو الأداة الوحيدة، فسيتولد لدى الأطفال إما الخضوع أو التمرد. التربية السلطوية الصارمة تؤدي غالباً إلى الغضب، الانتقام، أو الانعزال. كما أنها تُضعف الرابط العاطفي بين الأهل وأطفالهم، وتفتح المجال لأن يبحثوا عن القبول لدى مصادر سلبية.

 

التربية باللطف والحزم معاً

عندما نجمع بين اللطف والحزم، تحدث النقلة النوعية. نضع الحدود والقوانين بوضوح، ونُحاسب الأطفال على التزامهم بها، لكننا نفعل ذلك بروح مشجعة وبيئة آمنة. بهذا الأسلوب، لا تكون الأخطاء سبباً للعقاب والعار، بل فرصاً للتعلم والنمو.

 

الانضباط الإيجابي في الواقع

إحدى المشكلات الكبرى في المجتمع أننا نطبق أساليب عقاب قاسية دون وعي بما نعلّمه فعلاً لأطفالنا. كثيراً ما تكون الوسائل المتبعة مثل: الصراخ، العقاب البدني، التوبيخ، العزل، الحرمان.

لكن هذه الطرق تهدم الثقة الداخلية وتؤدي إلى جيل يخشى العقاب أكثر مما يتعلم احترام الذات أو اتخاذ القرارات السليمة. بدلاً من تنمية القوة والمرونة، نحن نغرس ثقافة قائمة على الخوف.

 

لماذا لا ينجح الانضباط العقابي؟

العقوبات قد تعطي نتائج سريعة، لكنها لا تغيّر السلوك على المدى الطويل. بل غالباً ما تؤدي إلى ما يُعرف بـ”الـ 3 راء”:

  1. التمرد: “لن يستطيعوا إجباري، سأفعل ما أريد”.

  2. الانتقام: “سأؤذيهم كما آذوني”.

  3. الانسحاب: “أنا شخص سيئ” أو “سأخدعهم في المرة القادمة”.

بالمقابل، الانضباط الإيجابي يركز على التعليم والتوجيه، لا على الإذلال والخوف.

 

الدافعية الداخلية مقابل الخارجية 

أحد الفروق الجوهرية هو أن العقاب يرسّخ الدافعية الخارجية: الطفل يتصرف بشكل صحيح فقط عندما يكون هناك مراقبة أو تهديد. بينما الانضباط الإيجابي يبني الدافعية الداخلية: أي أن يتخذ الطفل قرارات صحيحة حتى في غياب الأهل، لأنه تعلم التفكير في العواقب بنفسه.



أمثلة من الواقع 

  • طفلة في الثالثة ضربت أمها: بدلاً من الصراخ عليها، توقفت الأم للحظة، سمّت مشاعر طفلتها (غضب، إحباط، خجل)، فما كان من الطفلة إلا أن هدأت واعتذرت بسرعة. الموقف الذي كان قد يمتد ساعات انتهى خلال دقائق، وبقيت العلاقة دافئة.

  • طفل في الصف الأول شعر بالخجل والحزن: بدلاً من إجباره على الانخراط، أعطي بعض الوقت والمساحة، مما جعله يستعيد توازنه ويشارك لاحقاً. هذا الموقف علمه أن مشاعره محترمة، وأنه قادر على تجاوزها بأمان.

  • تجربة الطفلة التي أُجبرت على الجري كعقاب: عندما طُلب من صف كامل الركض في الفسحة كعقوبة، جرَت الطفلة رغم إصابتها خوفاً من مخالفة التعليمات، وانتهى الأمر بإصابة في كاحلها. النتيجة؟ أصبحت تنظر للجري كعقاب لا كمتعة، أي أن الهدف التربوي فشل تماماً.

الانضباط الإيجابي تجربة شخصية

تحكي إحدى المدربات التربويات أنها في بداية مسيرتها المهنية حضرت محاضرة عن الفرق بين العقاب والانضباط. طُلب من الحاضرين كتابة طرق العقاب التي تعرضوا لها في طفولتهم: الضرب، الصراخ، العزل، التهديد. ثم طُرحت فكرة أن كل ذلك كان عقاباً، وليس “انضباطاً”.

هنا جاء الاكتشاف: الانضباط الحقيقي ليس العقاب، بل عملية تعليم مستمرة عبر كل التفاعلات اليومية، الجيدة والسيئة.

أُعيد تعريف الانضباط على أنه مرافقة الطفل في مواجهة الأخطاء، تعليمه كيف يصلح ما أفسده، وإظهار معنى “السلامة للجميع” بدلاً من السيطرة بالقوة.

 

البعد الإنساني في التربية

المختص هايم جينوت قال:

“أنا العنصر الحاسم في الغرفة. مزاجي اليومي يحدد المناخ. أستطيع أن أجعل حياة الطفل جحيماً أو جنة. أستطيع أن أكون أداة تعذيب أو وسيلة إلهام.”

هذا القول يلخص أن الانضباط يبدأ من الأهل أنفسهم: أن يضبطوا مشاعرهم قبل أن يطلبوا من أبنائهم ضبط مشاعرهم.

 

الخاتمة

الانضباط الإيجابي ليس تساهلاً مفرطاً ولا قسوة سلطوية. إنه توازن دقيق بين اللطف والحزم. يعلّم الأطفال المسؤولية، ويمنحهم الأمان، ويقوّي الروابط الأسرية.

الأمر يتطلب تدريباً وصبراً، لكنه استثمار طويل الأمد، يربي جيلاً واثقاً، مرناً، قادراً على اتخاذ قراراته بوعي، بعيداً عن ثقافة الخوف والانتقام.



المرجع :

The Power of Positive Discipline:

https://bekindcoaching.com/positive-discipline/