ترجمة: أ. نوره الدوسري
يشيع بين كثير من الآباء والأمهات الذين نشأوا في بيئات أسرية صعبة نوعٌ من التعهّد الداخلي: لن أتعامل مع أطفالي كما تعامل والداي معي. تبدو هذه الرغبة قوية ومقنعة، وتحمل في طياتها أملاً حقيقياً في التغيير. إلا أن هذا التعهّد غالبًا ما يواجه فجوة أساسية: فالرغبة في الاختلاف لا تعني بالضرورة معرفة البدائل. فماذا يعني أن نكون “آباءً مختلفين” بشكل فعلي؟ وكيف نترجم هذا الوعد إلى سلوك يومي واضح؟
من خلال الخبرة السريرية في التحليل النفسي، وكذلك من خلال التجارب الحياتية، يتضح أن كل فرد يحمل داخله صورة عن بيئته الأولى—صورة قد تكون غير واعية إلى حد كبير، لكنها تظل مؤثرة. هذه الصور المبكرة لا تختفي، بل تستمر في تشكيل إدراكنا وسلوكنا بطرق خفية، وتؤثر في أساليبنا التربوية دون أن ندرك ذلك.
غالبًا ما يقودنا الصراع النفسي الداخلي إلى محاولة فعل الشيء الصحيح، ولكن بطريقة غير مناسبة. المشكلة هنا لا تكمن في النوايا، فمعظم الآباء لا يقصدون إلحاق الأذى بأبنائهم، بل في “العمى النفسي” وهو عدم القدرة على رؤية أنماط معينة في الذات. هذا العمى ليس عشوائيًا، بل له بنى وأنماط يمكن التعرف عليها وتسميتها والعمل عليها.
الأنماط الخفية الشائعة: المقارنة، النفي، والتجنّب
يميل انتقال أنماط التربية عبر الأجيال إلى الظهور من خلال ثلاثة أنماط رئيسية، قد تتداخل أو تتناوب في التأثير حسب السياق والظروف.
أولًا: المقارنة
في هذا النمط، يقارن الوالدان أنفسهم بآبائهم، وغالبًا ما يشعرون بأنهم أفضل منهم. فقد يكونون أكثر قدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، مثل توفير الطعام، أو الاستقرار المادي، أو الامتناع عن العنف الجسدي. وهذه إنجازات حقيقية ومهمة.
لكن المشكلة أن هذا “الحد الأدنى” يتحول إلى “حد أقصى”. أي أن الوالدين قد يتوقفان عند هذه النقطة دون الانتباه لما ينقص: اللطف، التعاطف، الفهم، ومحاولة رؤية العالم من منظور الطفل. قد لا يدركون كيف تبدو تعابير وجوههم، أو نبرة أصواتهم التي قد تحمل قسوة أو خيبة أمل أو تهديدًا غير مباشر، رغم أنهم قد يكونون شديدي الحساسية تجاه تعابير الآخرين.
ثانيًا: النفي
في هذا النمط، تتشكل هوية الوالدين حول “ما لن يفعلوه”. فهم لا يضربون، لا يهملون، لا يكررون ما عانوا منه. لكن هذا التعريف السلبي لا يملأ الفراغ الإيجابي. فبدلًا من ذلك، قد يظهر في صورة توتر، أو مثالية مفرطة، أو نفاد صبر، أو إحساس بالواجب، أو حتى كرم تعويضي مصحوب بالشعور بالذنب.
كثيرًا ما يُسقط هؤلاء الآباء على أطفالهم نفس المعايير الصارمة التي اضطروا لفرضها على أنفسهم في طفولتهم، حين كانوا يفتقرون إلى الدعم العاطفي وربما المادي. لقد كانت هذه المعايير وسيلة للبقاء، لكنها تتحول لاحقًا إلى توقعات غير واقعية من الأطفال. إدراك هذا النمط يُعد خطوة أولى نحو التغيير.
ثالثًا: التجنّب
يُعد هذا النمط الأكثر عمقًا من الناحية البنيوية. هنا، لا يكون لدى الوالدين تصور واضح عن معنى أن يكونوا “أبًا” أو “أمًا”. قد يؤدون أدوارًا مثل المعيل أو المنظم لشؤون المنزل، لكن الدور العاطفي للتربية يظل غير واضح أو حتى مؤلمًا للتفكير فيه.
غالبًا ما لم يختبر هؤلاء علاقة آمنة ومستقرة مع أحد الوالدين، وبالتالي لم تتشكل لديهم صورة متماسكة عن الأبوة أو الأمومة. قد يعتمدون على نماذج جزئية جمعوها من معلمين أو أقارب أو آباء أصدقاء، لكن الصورة الكاملة تظل غائبة.
ومع ذلك، من اللافت أن كثيرًا من الأشخاص يتمكنون، مع الوقت والظروف المناسبة، من بناء فهم أفضل انطلاقًا من هذه الأجزاء المتفرقة.
توريث نقاط القوة
عندما يبدأ الوعي بالظهور، قد تتبعه مشاعر قوية من الخجل أو الندم. في هذه المرحلة، يصبح التعاطف مع الذات أمرًا مهمًا—لكنه أيضًا صعب. فقد أظهرت الأبحاث وجود ما يُعرف بـ “الخوف من التعاطف مع الذات”، حيث يشعر الأفراد الذين يميلون إلى النقد الذاتي بأن التخفف من الضغط الداخلي قد يؤدي إلى الانهيار، وكأن هذا الضغط هو ما يحافظ على تماسكهم.
فهم هذه الديناميكية مهم؛ لأن مقاومة التعاطف مع الذات ليست ضعفًا في الشخصية، بل نتيجة متوقعة لتجارب سابقة. وبالتالي يمكن التعامل معها تدريجيًا.
الأطفال الذين ينشؤون في هذه البيئات لا يدركون أن هناك بدائل. فهم لا يعرفون إلا ما عاشوه. وغالبًا ما يضطرون إلى “تجاهل” بعض الجوانب العاطفية من أجل التكيف داخل الأسرة.
في بعض الحالات، قد تفتح زيارة منزل آخر نافذة على واقع مختلف، لكن حتى ذلك قد لا يكون كافيًا إذا لم يكن الطفل مستعدًا عاطفيًا لاستيعاب هذا الاختلاف.
بدلًا من ذلك، قد يطوّر هؤلاء الأطفال حساسية عالية جدًا تجاه مشاعر الآخرين—قدرة دقيقة على قراءة الإشارات غير اللفظية. هذه المهارة، رغم نشأتها في سياق صعب، يمكن أن تصبح نقطة قوة في المستقبل.
لكنها غالبًا ما تترافق مع انفصال عن المشاعر الذاتية، وصعوبة في التعبير عن الاحتياجات. ومع مرور الوقت، قد يعتاد الشخص على هذه الفجوات ويكف عن ملاحظتها.
هذه الأنماط ليست دائمة، لكنها أيضًا ليست سهلة التغيير. إلا أن نفس الحساسية التي طُوّرت لمراقبة الآخرين يمكن توجيهها لاحقًا نحو فهم الذات.
القدرة التأملية في التربية
يُطلق على هذه المهارة “القدرة التأملية الوالدية”، وهي القدرة على فهم مشاعر وأفكار الذات، وفي الوقت نفسه فهم مشاعر وأفكار الطفل. عندما تتأثر هذه القدرة بتجارب غير محلولة من الطفولة، يستمر انتقال الأنماط التربوية ليس بسبب النية، بل بسبب غياب الوعي.
لكن بمجرد أن يتشكل هذا الوعي، تتغير المعادلة.
تغيير المسار: من الكسر إلى الانحناء
غالبًا ما يبدأ التغيير برغبة في إصلاح العلاقة مع الطفل، ويظهر السؤال: كيف أكسر هذا النمط؟ لكن المشكلة أن “الكسر” ليس دائمًا الحل.
التغيير الحقيقي يحدث من خلال الانحناء التدريجي: تعديل العادات، إعادة التعلم، والتخلي عن أنماط قديمة. هي عملية بطيئة، أشبه بسباق طويل، وليست سلسلة من الإنجازات السريعة.
في بعض الأحيان، يبدأ التغيير من السلوك الخارجي—ثم يلاحظ الوالد اختلاف استجابة الطفل. وقد تكون هذه اللحظة تحولية، حين يرى استجابة قائمة على الحب بدلًا من الخوف.
الأشخاص الذين يلتزمون بهذه الرحلة ويستثمرون الوقت فيها يحققون تقدمًا حقيقيًا. ورغم أن تربية الأطفال قد تبدو وكأنها سباق مع الزمن، فإن التقدم التدريجي—حتى لو كان بنسبة 70% خلال سنوات—أفضل بكثير من تغييرات طفيفة متكررة دون عمق.
الخلاصة
الوعد بأن نكون مختلفين عن آبائنا ليس كافيًا بحد ذاته. فبدون إطار واضح، قد نجد أنفسنا نكرر الأنماط نفسها بطرق مختلفة.
النقطة التي يبدأ عندها التغيير الحقيقي هي لحظة الوعي. حين ندرك أنماطنا، ونفهم مصادرها، ونبدأ العمل عليها بشكل تدريجي، يصبح التغيير ممكنًا.
المثير للاهتمام أن نفس المهارات التي ساعدتنا على التكيف في بيئات صعبة—مثل الصبر، والانتباه للتفاصيل، والقدرة على التحمل—يمكن أن تصبح أدوات قوية لكسر هذا النمط.
وهكذا، لا نكسر السلسلة فجأة، بل نعيد تشكيلها ببطء—حتى نصنع لأنفسنا ولأطفالنا تجربة مختلفة، أكثر وعيًا، وأكثر إنسانية.
المرجع
The Intergenerational Transmission of Parenting They say we won’t make the same mistakes—but different ones. https://www.psychologytoday.com/us/blog/experimentations/202604/the-intergenerational-transmission-of-parenting





