ترجمة: أ. نوره الدوسري
مع تزايد عدد الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في التركيز، يبرز سؤال مهم: ما هو التعريف الحقيقي للشخص “العصبي النموذجي” أو الطبيعي من حيث الانتباه؟
النقاط الأساسية
يتعرض دماغ الإنسان اليوم لوابل مستمر من المثيرات الرقمية التي تستهلك انتباهه باستمرار.
الاعتماد المتزايد على الفيديوهات التعليمية وأنظمة الملاحة مثل GPS قد يضعف قدرتنا على التخطيط وتنفيذ المهام بشكل مستقل.
عندما تضغط متطلبات الحياة الحديثة حتى على أكثر الأجهزة العصبية مرونة، يصبح من الضروري التساؤل: ما هو المعيار الذي نستخدمه لتشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
قد لا يكون اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه مجرد اضطراب فردي، بل نتيجة عدم توافق بين طريقة عمل الدماغ البشري والبيئة الحديثة.
هل أصبح اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ظاهرة عامة؟
في السنوات الأخيرة، ازداد عدد الأفراد الذين يتم تشخيصهم باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD). كما أن عددًا أكبر من الأشخاص يواجهون بدرجات متفاوتة صعوبات في الانتباه أو في مهارات الوظائف التنفيذية مثل التنظيم والتخطيط وإدارة الوقت.
وهنا يظهر سؤال مهم: من هو الشخص الذي لا يعاني من هذه الصعوبات؟
إذا أصبحت مشكلات الانتباه شائعة ومنتشرة بين معظم الناس، فكيف يمكننا تحديد ما هو “الطبيعي” في الانتباه والتركيز؟
قد يكون من الممكن أن ما نعتبره اليوم اضطرابًا فرديًا هو في الواقع انعكاس لتحول أوسع في البيئة النفسية العصبية التي يعيش فيها الإنسان المعاصر. فالمهارات مثل الانتباه المستمر، والذاكرة العاملة، والتنظيم المعرفي أصبحت أكثر صعوبة في الحفاظ عليها، ليس فقط بسبب ضعف فردي لدى بعض الأشخاص، بل لأن البيئة الحديثة نفسها تنافس الدماغ باستمرار على موارده الذهنية.
هجوم مستمر على انتباه الإنسان
يعيش الإنسان اليوم في بيئة مليئة بالمثيرات الرقمية التي تقتحم انتباهه باستمرار. فالإشعارات والتنبيهات والرسائل الإلكترونية والرسائل النصية وتطبيقات العمل تتداخل بشكل متواصل مع المساحة الذهنية للفرد.
وفي الوقت نفسه، يتحمل الكثير من الناس عبئًا نفسيًا إضافيًا يتمثل في الشعور الدائم بأنهم مراقبون أو مُقيَّمون أو معرضون للقبول أو الرفض في الفضاءات الرقمية مثل وسائل التواصل الاجتماعي.
كل هذه الضغوط تخلق تدفقًا مستمرًا من المشتتات الداخلية والخارجية، مما يقلل من قدرة الإنسان على البقاء حاضر الذهن والتركيز في اللحظة الحالية.
الاعتماد على التكنولوجيا وتأثيره على التفكير
إلى جانب المثيرات الرقمية، أدت وفرة الإرشادات الخارجية لكل مهمة تقريبًا إلى تغيير الطريقة التي نطور بها مهارات التفكير والتنظيم.
فعلى سبيل المثال، أصبح الكثير من الأشخاص يعتمدون على:
أنظمة الملاحة GPS لتحديد الطرق
فيديوهات الشرح خطوة بخطوة على يوتيوب
التطبيقات التي تخبرنا ماذا نفعل ومتى نفعل ذلك
رغم أن هذه الأدوات مفيدة للغاية، فإن الاعتماد المفرط عليها قد يؤدي إلى إضعاف قدرة الإنسان على بناء تسلسل منطقي للأفكار وحل المشكلات بشكل مستقل.
وهذا الأمر قد يشبه أحد الأعراض الأساسية لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وهو صعوبة تنظيم التفكير والمحافظة على التفكير الموجه نحو هدف معين.
البيئة الحسية المفرطة
البيئة الحديثة لا تقتصر على التكنولوجيا فقط، بل تشمل أيضًا تصميمًا متعمدًا للمثيرات الحسية لجذب الانتباه.
فالكثير من الصور والإعلانات والمقاطع المرئية والصوتية صُممت لتفعيل أنظمة الانتباه البدائية في الدماغ البشري، وهي الأنظمة التي تطورت عبر التاريخ لمساعدة الإنسان على اكتشاف الأخطار أو الفرص بسرعة.
ما كان يساعد الإنسان قديمًا على البقاء أصبح اليوم يجعله شديد الحساسية لأي مثير جديد أو لامع أو عاطفي أو اجتماعي.
ولهذا السبب، حتى عندما يعتقد الشخص أنه يركز على مهمة ما، فإن انتباهه غالبًا ما يُسحب بشكل لا شعوري نحو مثيرات أخرى.
الوظائف التنفيذية تحت الضغط
تشمل الوظائف التنفيذية مجموعة من المهارات العقلية المهمة، مثل:
التخطيط
ترتيب الخطوات
تحديد الأولويات
توقع النتائج
تنظيم الوقت
هذه المهارات تحتاج إلى مساحة ذهنية هادئة ومستقرة حتى تعمل بكفاءة.
لكن الحياة الحديثة نادرًا ما توفر هذه المساحة. فالأفراد غالبًا ما يُطلب منهم التعامل مع عدة مصادر للمعلومات في الوقت نفسه، وغالبًا تحت ضغط الوقت، مع فرص محدودة للتفكير الهادئ أو المعالجة العميقة للمعلومات.
ومع تراكم المعلومات والخيارات، قد يصل بعض الأشخاص إلى ما يسمى بـ شلل التحليل، حيث يصبح اتخاذ القرار أو البدء في تنفيذ مهمة ما صعبًا بسبب كثرة المتغيرات التي يجب التفكير فيها.
الإنسان الافتراضي: نموذج قد لا وجود له
كل هذه الظروف تدفعنا إلى طرح سؤال عميق: كيف سيبدو الإنسان الذي يستطيع الحفاظ على انتباهه بشكل ثابت في مثل هذه البيئة؟
يمكن تخيل هذا الإنسان الافتراضي على النحو التالي:
يستطيع وضع هاتفه بعيدًا أثناء العمل دون أن يشعر بأي رغبة في التحقق من الإشعارات
لا يشعر بالفضول أو التوتر عند وصول تنبيه جديد
يستطيع العودة إلى المهمة بسهولة بعد أي مقاطعة
يحتفظ بأهدافه في ذهنه لفترات طويلة دون أن يفقدها
كما أن هذا الشخص سيكون قادرًا على:
التخطيط المنهجي قبل البدء في العمل
تحمل التأخير أو الانتظار دون اندفاع
تجاهل المثيرات غير المهمة
الحفاظ على هدوءه العاطفي حتى في ظل المقاطعات
مثل هذا الشخص لن ينسى التفاصيل بسهولة، ولن يفقد مسار أفكاره كثيرًا، ولذلك قد يعاني بدرجة أقل من النقد الذاتي أو الشعور بالإحباط من أدائه.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل يوجد مثل هذا الشخص بالفعل في العالم الحديث؟
عندما يختلط الاضطراب بالتكيف
عادة ما يُشتبه في اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه عندما تؤدي أعراض مثل ضعف التركيز أو الاندفاعية إلى تعطيل الأداء في الدراسة أو العمل أو العلاقات.
لكن عندما تكون هذه الصعوبات ناتجة جزئيًا عن البيئة نفسها، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو اضطراب حقيقي وما هو استجابة طبيعية لبيئة مرهقة معرفيًا.
وهذا يقود إلى إعادة التفكير في اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ليس فقط كاضطراب في الدماغ الفردي، بل أيضًا كنوع من عدم التوافق بين الدماغ البشري والبيئة الحديثة المليئة بالمشتتات.
هل يوجد شخص غير متأثر؟
من الصعب اليوم العثور على شخص لم تتأثر قدرته على الانتباه أو تنظيم التفكير بسبب:
التدفق الهائل للمعلومات
المقاطعات الرقمية المستمرة
الضغوط الاجتماعية في العالم الرقمي
الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في التفكير
قد يكون “الإنسان المثالي في الانتباه” مجرد فكرة نظرية تستند إلى افتراضات لم تعد تعكس واقع الحياة المعاصرة.
ماذا عن الأطفال؟
تزداد أهمية هذا السؤال عندما نتحدث عن الأطفال، الذين غالبًا ما يتم تقييمهم من خلال عدسة تشخيصية ضيقة.
فكل تشخيص يعتمد ضمنيًا على وجود مجموعة مقارنة، أي أطفال لا يظهرون هذه الصعوبات ويُفترض أنهم يمثلون الأداء الطبيعي.
لكن من هو هذا الطفل المرجعي؟
وفي أي بيئة نشأ؟
وهل يعيش في الظروف نفسها التي يعيش فيها الأطفال اليوم؟
إذا لم نطرح هذه الأسئلة، فقد نعرض أنفسنا لخطر المبالغة في تشخيص الأطفال، بينما قد تكون أجهزتهم العصبية ببساطة تستجيب بطريقة متوقعة لبيئة مليئة بالمثيرات والضغوط.
لا تقارن الأطفال بمعيار خيالي
لذلك يدعو العديد من المختصين إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نستخدم بها التشخيصات النفسية.
في كثير من الأحيان، يتم مقارنة الأطفال بنموذج خيالي لشخص يتمتع بتركيز كامل وتنظيم مثالي ولا يتأثر بالمشتتات.
لكن عندما نقارن الأطفال بهذا النموذج غير الواقعي، فإننا نخاطر بتحويل الاختلافات الطبيعية إلى عيوب أو نواقص.
كما قد يؤدي ذلك إلى زيادة الشعور بالخجل أو القلق لدى الأطفال وأسرهم، بدلًا من تقديم الدعم والفهم.
وقد يبدأ بعض الآباء في الاعتقاد بأن التشخيص يحدد مستقبل طفلهم، بينما هو في الحقيقة مجرد وصف لنمط من الأداء في مرحلة معينة وفي بيئة معينة.
نحو فهم أكثر إنسانية
إذا أدركنا أن الانتباه والوظائف التنفيذية تقع على طيف متدرج وليس في فئتين منفصلتين (طبيعي أو اضطراب)، وأن الحياة الحديثة تضع ضغوطًا على حتى أكثر الأجهزة العصبية مرونة، يمكننا استخدام التشخيص بطريقة أكثر فائدة.
في هذه الحالة يصبح التشخيص:
أداة لتقديم الدعم
وسيلة لفهم احتياجات الطفل
إطارًا لتطوير الاستراتيجيات التعليمية والسلوكية
وليس مصدرًا للوصمة أو الحكم السلبي.
وبهذا نحافظ على رؤية أكثر إنسانية للأطفال، حيث يُنظر إليهم ليس كنسخ ناقصة من معيار مستحيل، بل كأشخاص في طور النمو، ستستمر قدراتهم في التطور والتغير مع الوقت.
المرجع
The Impossible Benchmark: Who Does Not Have ADHD?





