ترجمة: أ. سما خالد
يعدّ الصرع من الاضطرابات العصبية الشائعة في مرحلة الطفولة، وترتفع نسبة حدوثه بصورة ملحوظة لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية مثل اضطراب طيف التوحّد، اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، واضطرابات التواصل النمائي. وفي الممارسة الإكلينيكية، غالبًا ما يُنظر إلى أدوية الصرع بوصفها تدخلًا عصبيًا بحتًا يهدف إلى السيطرة على النشاط الكهربائي غير الطبيعي في الدماغ، دون الالتفات الكافي إلى تأثيراتها النفسية والسلوكية والنمائية. غير أن الواقع السريري يُظهر أن هذه الأدوية لا تؤثر فقط في عدد النوبات، بل تمتد آثارها إلى الانتباه، المزاج، التفاعل الاجتماعي، مستوى النشاط، وأنماط النوم، وهي مجالات جوهرية في مسار النمو النفسي والسلوكي لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية.
تشير الأدلة العلمية إلى أن التداخل بين الصرع والاضطرابات النمائية ليس عرضيًا، بل يرتبط ببنية عصبية مشتركة تتعلق بتنظيم الشبكات العصبية المسؤولة عن الانتباه، التنظيم الانفعالي، والمعالجة الحسية. لذلك فإن إضافة دواء مضاد للصرع إلى هذا السياق العصبي الحساس قد يؤدي إلى تغييرات ملحوظة في السلوكيات الظاهرة، بعضها يُفسَّر خطأ على أنه تدهور نمائي، بينما يكون في حقيقته أثرًا دوائيًا قابلًا للفهم والتعديل. هذه النقطة ذات أهمية بالغة لدى الأخصائيين النفسيين والسلوكيين، لأن الخطة العلاجية قد تتغير بناءً على تفسير غير دقيق لمصدر السلوك.
من الناحية النفسية، تُظهر بعض أدوية الصرع تأثيرات مهدئة تقلّل من فرط النشاط الحركي، ما قد يُفسَّر إيجابيًا في البداية لدى الأطفال المشخّصين باضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه. إلا أن هذا “التحسن الظاهري” قد يخفي انخفاضًا في مستوى اليقظة والانتباه، فيظهر الأطفال أقل تفاعلاً، أقل استجابة للمثيرات، وأبطأ في المعالجة المعرفية. هذا النمط قد يُفهم خطأً على أنه تحسن سلوكي، بينما هو في الواقع انخفاض في الطاقة العصبية اللازمة للتعلم والتفاعل.
في المقابل، قد تُظهر بعض الأدوية تأثيرات عكسية تتمثل في زيادة التهيّج، نوبات الغضب، أو تقلبات المزاج، خاصة في المراحل الأولى من الاستخدام أو عند تعديل الجرعات. لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحّد، قد تُترجم هذه التغيرات إلى زيادة في السلوكيات النمطية، الحساسية الحسية، أو الرفض الاجتماعي. وهنا يصبح من الصعب على الفريق العلاجي التمييز بين التدهور السلوكي الناتج عن عوامل بيئية، وبين الأثر الجانبي الدوائي.
أحد الجوانب المهمة التي غالبًا ما يتم إغفالها هو تأثير أدوية الصرع على النوم. إذ تؤثر بعض الأدوية في بنية النوم، فتزيد من النعاس النهاري أو تؤدي إلى نوم متقطع. وبما أن النوم عنصر أساسي في التنظيم الانفعالي والمعرفي، فإن أي اضطراب فيه قد ينعكس مباشرة على السلوكيات خلال الجلسات العلاجية أو البيئة المدرسية. وقد يُفسَّر التعب والإرهاق على أنه مقاومة للتعلم أو ضعف دافعية، بينما يكون في الحقيقة نتيجة لتأثير دوائي مباشر.
على المستوى النمائي، قد تؤثر بعض أدوية الصرع في سرعة المعالجة المعرفية والذاكرة قصيرة المدى، وهي وظائف أساسية في التعلم واكتساب المهارات الجديدة. يظهر ذلك في بطء الاستجابة، الحاجة إلى تكرار التعليمات، وصعوبة تعميم المهارات المكتسبة. في سياق تحليل السلوك التطبيقي أو التدخلات النفسية، قد يُفهم هذا على أنه ضعف في قابلية التعلم، بينما هو انعكاس لتأثير معرفي دوائي.
تجدر الإشارة إلى أن بعض أدوية الصرع قد تحمل تأثيرات إيجابية غير مباشرة، مثل تحسين الاستقرار الانفعالي أو تقليل نوبات التهيّج لدى بعض الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية. هذه النتائج قد تعزز القدرة على الاستفادة من الجلسات العلاجية، وتزيد من قابلية الأطفال للتفاعل الاجتماعي. إلا أن هذا التأثير الإيجابي يظل فرديًا ويعتمد على نوع الدواء، الجرعة، والبنية العصبية الخاصة بكل حالة.
من الأدوية الشائعة الاستخدام في طب أعصاب الأطفال حمض الفالبرويك، ليفيتيراسيتام، لاموتريجين، وتوبيراميت. وقد لوحظ سريريًا أن ليفيتيراسيتام قد يرتبط بزيادة التهيّج لدى نسبة من الأطفال، بينما قد يسبب توبيراميت بطئًا معرفيًا ملحوظًا. في المقابل، قد يرتبط لاموتريجين بتحسن نسبي في المزاج لدى بعض الحالات. هذه الفروقات الدقيقة تفسّر التباين الكبير في الاستجابات السلوكية، وتؤكد أهمية الملاحظة النفسية الدقيقة بعد بدء العلاج.
من المهم في هذا السياق أن يعمل الأخصائيون النفسيون والسلوكيون بالتكامل مع الأطباء العصبيين، وأن يتم تبادل الملاحظات السلوكية بدقة بعد بدء الدواء أو تعديل الجرعة. إن كتابة الملاحظات الإكلينيكية التفصيلية حول التغيرات في الانتباه، المزاج، النوم، والتفاعل الاجتماعي، تساهم في اتخاذ قرارات دوائية أكثر دقة، وتمنع الوقوع في تفسير سلوكي بحت لمشكلة ذات أصل دوائي.
كما ينبغي توعية الأسر بأن بعض التغيرات السلوكية بعد بدء أدوية الصرع لا تعني بالضرورة تدهورًا في الحالة النمائية، بل قد تكون مرحلة تكيف عصبي مؤقتة. هذا الفهم يقلل من القلق الأسري ويمنع التسرع في إيقاف الدواء دون استشارة طبية، كما يعزز التعاون بين الأسرة والفريق العلاجي.
تتطلب هذه الحالات قراءة إكلينيكية متعددة الأبعاد، تنظر إلى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية بوصفهم أنظمة عصبية-نفسية مترابطة، تتأثر بالعوامل الدوائية والبيئية والسلوكية في آن واحد. إن تجاهل أحد هذه الأبعاد قد يؤدي إلى قرارات علاجية غير دقيقة، سواء بزيادة التدخلات النفسية دون حاجة، أو بإهمال أثر دوائي واضح.
إن دمج الملاحظة السلوكية اليومية داخل الجلسات العلاجية مع المتابعة الطبية المنتظمة يخلق نموذجًا تكامليًا دقيقًا للرعاية. فعندما يُلاحظ الأخصائي انخفاضًا مفاجئًا في الاستجابة أو زيادة غير مفسّرة في التهيّج، يصبح السؤال الإكلينيكي: هل هذا تغيّر نمائي، أم أثر دوائي؟ هذا السؤال بحد ذاته يعبّر عن نضج في الفهم الإكلينيكي.
في الختام، لا يمكن التعامل مع أدوية الصرع لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية بوصفها تدخلًا عصبيًا معزولًا عن السياق النفسي والسلوكي. إن فهم التأثيرات المتبادلة بين الدواء والسلوك والنمو المعرفي يمثل ضرورة إكلينيكية، ويعزز من جودة الخطط العلاجية، ويدعم تحقيق أفضل نتائج ممكنة للأطفال. إن التكامل بين الطب العصبي، علم النفس الإكلينيكي، وتحليل السلوك التطبيقي، يوفّر نموذجًا متقدمًا للرعاية الشاملة التي تراعي التعقيد الحقيقي لهذه الحالات.
المراجع (APA 7)
Besag, F. M. C. (2018). Behavioural effects of antiepileptic drugs in children and adolescents. Epilepsy & Behavior, 88, 165–172.
Hermann, B., Jones, J., Sheth, R., Dow, C., Koehn, M., Seidenberg, M. (2008). Children with new-onset epilepsy: Neuropsychological status and brain structure. Brain, 131(10), 2609–2619.
Reilly, C., Atkinson, P., Das, K. B., Chin, R. F. M., Aylett, S. E., Burch, V., & Neville, B. G. R. (2014). Neurobehavioral comorbidities in children with active epilepsy. Pediatrics, 133(6), e1586–e1593.
Verrotti, A., D’Egidio, C., Agostinelli, S., Verini, M., Chiarelli, F., & Coppola, G. (2014). Impact of antiepileptic drugs on mood and behavior in children and adolescents. Pharmacological Research, 82, 20–25.





