الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الفرق بين الاضطرابات الذهانية والنمائية و المحكات التشخيصية لكل نسخة في DSM-5

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

تُعتبر الاضطرابات النفسية من أكثر المواضيع تعقيدًا في مجال الصحة النفسية، نظرًا لتعدد أنواعها وتداخل أعراضها أحيانًا، مما يجعل التفريق بينها أمرًا ضروريًا لتقديم تدخلات فعّالة وملائمة. ومن أبرز هذه الفئات التي يواجه المختصون صعوبة أحيانًا في التمييز بينها: الاضطرابات الذهانية والاضطرابات النمائية. على الرغم من وجود بعض التداخل في الأعراض الاجتماعية أو السلوكية، إلا أن كل فئة تتميز بجوهر مختلف في الأسباب، المسار التطوري، والأعراض السائدة، بالإضافة إلى محكات التشخيص المعتمدة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-5.

الاضطرابات النمائية هي مجموعة من الحالات التي تظهر في مرحلة الطفولة المبكرة أو المتوسطة، وتؤثر بشكل أساسي على تطور القدرات المعرفية والاجتماعية والسلوكية. وتشمل هذه الفئة اضطرابات مثل اضطراب طيف التوحد، اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، واضطرابات التعلم المحددة.

تتميز هذه الاضطرابات بأنها تظهر بشكل تدريجي مع تقدم الأطفال في العمر، وغالبًا ما تتعلق بالصعوبات في التواصل الاجتماعي، التنظيم الانفعالي، الانتباه، والقدرات التعليمية. فعلى سبيل المثال، الأطفال المشخّصون بطيف التوحد يعانون من صعوبات واضحة في التفاعل الاجتماعي وفهم الإشارات الاجتماعية غير اللفظية، كما يظهر لديهم سلوكيات متكررة ونمطية، واهتمامات محدودة، وهو ما ينعكس على حياتهم اليومية ويؤثر على قدرتهم على التكيف مع البيئة. كما يمكن أن يظهر لديهم صعوبات في التعبير عن المشاعر أو تفسير مشاعر الآخرين، مما يجعل التفاعلات الاجتماعية أكثر تعقيدًا ويؤثر على تكوين الصداقات.

المحكات التشخيصية للاضطرابات النمائية حسب DSM-5 تتضمن مجموعة محددة من المعايير لكل اضطراب:

  1. اضطراب طيف التوحد (ASD):
    • قصور مستمر في التواصل الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي عبر سياقات متعددة، مثل صعوبة استخدام اللغة أو الإشارات غير اللفظية للتواصل، وصعوبة في تكوين علاقات اجتماعية متبادلة.
    • أنماط محددة ومتكررة من السلوكيات، الاهتمامات، أو الأنشطة، مثل التكرار الحركي أو التركيز المكثف على موضوع محدد.
    • ظهور الأعراض في مرحلة مبكرة من التطور، حتى لو لم تظهر بشكل كامل إلا لاحقًا.
    • تأثير واضح على الأداء الاجتماعي أو الأكاديمي أو في المجالات المهمة الأخرى، وقد يحتاج الأطفال إلى دعم مستمر لتطوير المهارات الحياتية الأساسية.
  2. اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD):
    • نمط دائم من قصور الانتباه و/أو فرط النشاط/الاندفاعية، يظهر في تصرفات مثل صعوبة متابعة التعليمات، النسيان، القفز بين المهام، أو التصرف دون تفكير.
    • ظهور الأعراض قبل سن 12 عامًا ويستمر في بيئات متعددة مثل المنزل والمدرسة.
    • تأثير الأعراض على أداء الفرد الأكاديمي والاجتماعي، مع صعوبة التحكم في الانفعالات.
    • استمرار الأعراض لمدة لا تقل عن ستة أشهر وتكون غير متناسبة مع مستوى التطور، مما يفرض الحاجة إلى استراتيجيات تعليمية وسلوكية لدعم الأطفال المشخّصين.
  3. اضطرابات التعلم المحددة:
    • صعوبات مستمرة في تعلم واستخدام المهارات الأكاديمية مثل القراءة، الكتابة، أو الحساب، على الرغم من القدرة الذهنية الطبيعية.
    • الأداء التعليمي أقل من المتوقع وفق العمر والقدرات الذهنية، وقد يحتاج الأطفال إلى تدخلات تعليمية متخصصة لتجاوز الصعوبات.
    • الصعوبات تؤثر بشكل ملموس على الأداء الأكاديمي أو المهني اليومي، وقد تؤدي إلى انخفاض الثقة بالنفس أو مشكلات انفعالية إذا لم يتم التعامل معها بشكل فعال.

الاضطرابات الذهانية

 فهي فئة تختلف جوهريًا عن النمائية، إذ تتميز بوجود اضطرابات حادة في التفكير، الإدراك، التنظيم الانفعالي، وتفسير الواقع. وتشمل هذه الفئة اضطرابات مثل الفصام، الاضطراب الذهاني العابر، واضطراب الفصام العاطفي.

تظهر هذه الاضطرابات عادة في مرحلة المراهقة أو الشباب المبكر، وقد ترتبط بحدوث تغييرات مفاجئة في التفكير والسلوك، مع أعراض مثل الهلوسة، الأوهام، التفكير المفكك، أو الانعزال الاجتماعي. وعلى عكس الاضطرابات النمائية، قد يكون الأداء المعرفي السابق للفرد طبيعيًا قبل ظهور الأعراض الذهانية، ما يجعل التشخيص المبكر أكثر تحديًا. كما قد يصاحبها صعوبات في الوظائف التنفيذية مثل التخطيط أو اتخاذ القرار، وتظهر الحاجة إلى تدخل دوائي ونفسي متزامن لتقليل التأثيرات على الحياة اليومية.

المحكات التشخيصية للاضطرابات الذهانية حسب DSM-5 تشمل:

  1. الفصام (Schizophrenia):
    • وجود علامتين أو أكثر من الأعراض الرئيسية: أوهام، هلوسات، كلام مفكك، سلوك غير منظم أو قاطع، أعراض سالبة مثل فقدان الدافع أو التأثر العاطفي.
    • استمرار الأعراض لمدة لا تقل عن ستة أشهر، مع شهر على الأقل من الأعراض المميزة.
    • التأثير الواضح على الأداء الاجتماعي أو المهني، وقد يحتاج الفرد إلى دعم متكامل لتحسين التكيف الاجتماعي والمهني.
    • استبعاد اضطرابات أخرى أو تأثيرات المخدرات أو الأدوية.
  2. الاضطراب الذهاني العابر (Brief Psychotic Disorder):
    • ظهور أحد الأعراض الذهانية (أوهام، هلوسات، كلام مفكك، سلوك غير منظم) لمدة يوم واحد على الأقل ولكن أقل من شهر.
    • عودة الشخص إلى المستوى الوظيفي السابق بعد انتهاء النوبة، مما يدل على طبيعة مؤقتة للحالة.
  3. اضطراب الفصام العاطفي (Schizoaffective Disorder):
    • أعراض الذهان مصاحبة لفترة طويلة من اضطراب المزاج (اكتئاب أو هوس).
    • وجود فترة من الأعراض الذهانية دون أعراض مزاجية، ما يميزها عن اضطرابات المزاج البحتة.
    • تأثير الأعراض على الأداء الاجتماعي أو المهني بشكل واضح، وقد يتطلب التدخل المزدوج الدوائي والنفسي لضمان استقرار الحالة.

الاختلافات الجوهرية بين الفئتين تظهر من حيث:

  • عمر البداية: النمائية غالبًا تبدأ في الطفولة، بينما الذهانية تظهر في المراهقة أو الشباب المبكر.
  • نوع الأعراض: النمائية تتعلق بالتواصل، الانتباه، والمهارات التعليمية والاجتماعية، بينما الذهانية تتعلق بالواقع الإدراكي، التفكير، والانفعالات.
  • مسار الاضطراب: النمائية غالبًا مزمنة ومتدرجة، أما الذهانية فقد تكون حادة، متقطعة أو مزمنة بعد النوبة الأولى.
  • الأداء الوظيفي قبل الأعراض: في النمائية يكون الأداء محدودًا منذ البداية، بينما في الذهانية غالبًا كان الأداء طبيعيًا قبل ظهور النوبة.

التداخل بين الفئتين 

قد يحدث أحيانًا، خاصة عند الأطفال المشخّصين بطيف التوحد الذين يظهرون سلوكيات غريبة أو اضطرابًا في التفكير يبدو قريبًا من الذهان، إلا أن تحليل السياق التطوري والتاريخي للسلوك ضروري لتجنب التشخيص الخاطئ. كما أن التقييم الدقيق لوجود الهلوسات والأوهام الحقيقية، مقابل السلوكيات المتكررة أو الخيال المرتبط بالنمط النمائي، يعتبر من المحكات الأساسية للتمييز بين الحالتين.

أهمية التفريق بين الاضطرابات النمائية والذهانية 

تتمثل في وضع خطة تدخلية مناسبة، سواء كانت تعليمية، سلوكية، أو دوائية. فعلى سبيل المثال، الأطفال المشخّصون بطيف التوحد يحتاجون إلى تدخلات دعمية في التواصل الاجتماعي، المهارات الحياتية، والتنظيم الانفعالي، بينما المرضى الذهانيون يحتاجون غالبًا إلى مزيج من العلاج الدوائي، العلاج النفسي، والدعم الاجتماعي لتقليل الأعراض الذهانية وتحسين الوظائف اليومية.

في الختام، يظهر أن الفهم الدقيق للفروق بين الاضطرابات النمائية والذهانية، والاعتماد على المحكات التشخيصية المحددة في DSM-5، يعدّ عنصرًا أساسيًا لضمان التشخيص السليم ووضع التدخلات الأكثر فعالية. ويحتاج هذا الأمر إلى تقييم شامل للتاريخ التطوري، السلوكيات الراهنة، والقدرات الوظيفية للأفراد، مع مراعاة التغيرات النمائية والفروق الفردية، لضمان تقديم دعم نفسي وسلوكي ملائم لكل حالة وتحقيق أفضل نتائج للتدخل العلاجي والتعليمي.

المراجع (APA 7):

American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). Washington, DC: Author.

Matson, J. L., & Kozlowski, A. M. (2011). The increasing prevalence of autism spectrum disorders. Research in Autism Spectrum Disorders, 5(1), 418–425. https://doi.org/10.1016/j.rasd.2010.10.001

Barkley, R. A. (2015). Attention-deficit hyperactivity disorder: A handbook for diagnosis and treatment (4th ed.). New York, NY: Guilford Press.

Tandon, R., Nasrallah, H. A., & Keshavan, M. S. (2009). Schizophrenia, “just the facts”: What we know in 2008. 2. Epidemiology and etiology. Schizophrenia Research, 102(1–3), 1–18. https://doi.org/10.1016/j.schres.2008.12.024

McClellan, J., & Stock, S. (2013). Practice parameter for the assessment and treatment of children and adolescents with schizophrenia. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 52(9), 976–990. https://doi.org/10.1016/j.jaac.2013.06.010

Lord, C., Elsabbagh, M., Baird, G., & Veenstra-Vanderweele, J. (2018). Autism spectrum disorder. The Lancet, 392(10146), 508–520.  https://doi.org/10.1016/S0140-6736(18)31129-2