الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العلاقة بين العناية بالذات والصحة النفسية 

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

إن العناية بالذات تُعدّ من الركائز الأساسية لدعم الصحة النفسية وتعزيز التوازن العقلي والبدني لدى الإنسان. فحين يحرص الشخص على الاهتمام بنفسه بطريقة واعية ومنظمة، فإنه لا يحافظ فقط على صحته الجسدية، بل يسهم أيضًا في تحسين حالته النفسية وتعزيز شعوره بالقيمة الذاتية والرضا عن الحياة.

نقاط أساسية حول العناية بالذات

  • ترتبط العناية بالذات ارتباطًا وثيقًا بتحسّن الصحة النفسية، وتعزيز تقدير الذات، والشعور بالقيمة الشخصية، وزيادة التفاؤل.

  • تعني العناية بالذات تقدير الإنسان لنفسه بالقدر الذي يجعله يضع صحته ورفاهيته وسعادته ضمن أولويات حياته.

  • غالبًا ما نهمل العناية بأنفسنا بسبب ضغوط الحياة اليومية، مما قد يؤدي إلى آثار طويلة المدى على الصحة النفسية والجسدية.

قد تبدو العناية بالذات للبعض مجرد مصطلح شائع أو اتجاه عابر، لكنها في الواقع التزام حقيقي تجاه النفس، ووعد داخلي بأن نضع أنفسنا ضمن معادلة حياتنا اليومية، بدلًا من تجاهل احتياجاتنا الشخصية. فعندما نُحسن ممارسة العناية بالذات، نشعر بتحسّن عام في حالتنا النفسية والجسدية، ونبدو أفضل، ونمتلك طاقة أكبر، ونصبح أكثر قدرة على التعامل مع متطلبات الحياة. كما أن العناية الجيدة بالذات ترتبط بتحسّن الصحة النفسية، وتُسهم في تعزيز تقدير الذات والشعور بالقيمة الشخصية، وزيادة التفاؤل، وتكوين نظرة إيجابية للحياة، إضافة إلى تقليل مستويات القلق والاكتئاب.

نحن في النهاية كل ما نملك، ومن واجبنا تجاه أنفسنا أن نعتني بصحتنا الجسدية والنفسية. وعلى الرغم من أننا لا نسعى إلى إيذاء أنفسنا، فإن العناية بالذات غالبًا ما تأتي في آخر قائمة أولوياتنا في ظل انشغالات الحياة وضغوطها المتزايدة. فنحن ننشغل بالعمل، وبالالتزامات الاجتماعية، وبمسؤوليات الأسرة، ونؤجل الاهتمام بأنفسنا إلى وقت لاحق قد لا يأتي.

طريق التضحية بالنفس

إن طريق التضحية بالنفس غالبًا ما يكون مرصوفًا بالنوايا الحسنة. فنحن نضحي بأنفسنا لتلبية المواعيد النهائية، ولمساعدة الآخرين، ولإظهار محبتنا واهتمامنا بهم من خلال بذل جهود إضافية تفوق طاقتنا. نبالغ في الالتزامات، ونعد بأكثر مما نستطيع، ونرهق أنفسنا باستمرار إلى درجة أننا لا ندرك حجم التعب والضغط الذي نعيشه.

وعندما نشعر بالإرهاق والغضب وعدم الرضا عن أنفسنا، نبحث عن حلول سريعة تمنحنا شعورًا مؤقتًا بالراحة. فننغمس في عادات وسلوكيات تمنحنا متعة مؤقتة أو تشتت انتباهنا عن مشاعرنا السلبية، لكنها لا تحسّن وضعنا الحقيقي. وعندما ينتهي اليوم، نكون غالبًا متعبين إلى درجة تمنعنا من النوم الجيد، ثم نستيقظ في اليوم التالي لنكرر الدورة نفسها من الإرهاق والتوتر. وهنا تظهر الحاجة إلى إدخال مفهوم العناية الجيدة بالذات في حياتنا، بوصفه الحل الذي يساعدنا على الاستمرار بطريقة صحية ومتوازنة، ويضمن أن نضع أنفسنا ضمن معادلة حياتنا اليومية بدلًا من تجاهل احتياجاتنا.

العناية بالذات والطاقة

تدور العناية بالذات حول الاهتمام بمصادر الطاقة الأربعة الأساسية في حياتنا وتعظيمها، وهي: الغذاء الذي نتناوله، والنوم الذي نحصل عليه، والتنفس والنشاط البدني الذي نمارسه، والحالة الذهنية التي نعيشها. ويصف العديد من الخبراء الاهتمام بهذه الجوانب الأربعة باعتبارها الأعمدة الأربعة للعناية الجيدة بالذات.

إن دمج العناية الجيدة بالذات في حياتنا يُعد وسيلة قوية لإعادة التواصل مع أنفسنا وتجديد طاقتنا على مستوى العقل والجسد والروح. فعندما نولي اهتمامًا متوازنًا لهذه الجوانب، نصبح أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة اليومية، وأكثر مرونة في التعامل مع التحديات، وأكثر انسجامًا مع أنفسنا.

وعلى عكس المركبات الحديثة التي تأتي مع دليل استخدام واضح، فإننا لا نملك دليلًا إرشاديًا جاهزًا للحياة. ولكن لو كان لدينا مثل هذا الدليل، لعرفنا جميعًا أساسيات العناية بأنفسنا. كنا سنعرف كيف نغذي أجسادنا بأطعمة طازجة عالية الجودة وغنية بالعناصر الغذائية، وكيف نسيطر على السلوكيات والعادات السلبية التي قد تضر بصحتنا. وكنا سنعرف أيضًا كيف نتحدث إلى أنفسنا بلطف وتعاطف، وكيف نتحدى المعتقدات السلبية والأفكار التي تقلل من قيمتنا الذاتية.

كما كنا سندرك أهمية تخصيص وقت يومي للحركة والنشاط البدني، وأهمية التنفس العميق الذي يغذي الجسد والعقل، وأهمية الاستعداد للنوم الجيد وإعطائه الأولوية في حياتنا. إضافة إلى ذلك، كنا سنفهم أهمية ممارسة الاهتمامات والأنشطة التي تمنحنا الشعور بالمتعة والانتماء، وتساعدنا على التواصل مع أنفسنا بشكل يومي.

غياب العناية بالذات

بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من مشكلات الصحة النفسية مثل الاكتئاب، يصبح كل يوم تحديًا حقيقيًا. فقد كنت أدير مجموعات دعم للأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب، وفي جلساتنا كنت أطلب من المشاركين القيام بتمرين بسيط يتمثل في كتابة قائمة بالأشياء التي يستمتعون بها، والأمور التي تهمهم، والأنشطة التي تجعلهم يبتسمون.

وبعد أن ينتهي الجميع من إعداد قوائمهم، كنت أطلب منهم تخصيص بضع دقائق للتفكير في عدد المرات التي مارسوا فيها تلك الأنشطة خلال الأسبوع السابق، ثم مشاركة أفكارهم مع المجموعة. وفي كل أسبوع تقريبًا، كان معظم المشاركين يذكرون أنهم لم يمارسوا أيًا من الأنشطة الممتعة الموجودة في قوائمهم.

يوضح هذا التمرين الجماعي درسًا مهمًا في مفهوم المرونة النفسية. فالمرونة ليست شيئًا نملكه أو نفتقده، بل هي مهارة نبنيها ونعززها يومًا بعد يوم. فمن خلال التعاطف مع أنفسنا والانخراط المتعمد في الأنشطة التي تجعلنا نشعر بالراحة والسعادة، خاصة عندما نعاني من انخفاض تقدير الذات أو نواجه صعوبات نفسية، فإننا نتواصل مع قوتنا الداخلية، ومع قدرتنا على دعم أنفسنا ورفعها في مواجهة التحديات المختلفة.

إن العناية بالذات تعني تقدير أنفسنا بما يكفي لجعل صحتنا ورفاهيتنا وسعادتنا أولوية في حياتنا. كما تعني أن نتعامل مع أنفسنا بتعاطف من خلال الاعتراف بأننا نمر أحيانًا بحالات من الإرهاق أو الضغط أو التوتر أو المرض، وأننا بحاجة إلى التوقف وإعادة النظر في أسلوب حياتنا.

التواصل مع الذات

إن التواصل مع الذات هو أحد أهم نتائج العناية بالذات. فعندما نمنح أنفسنا مساحة للاهتمام بمشاعرنا واحتياجاتنا، نصبح أكثر وعيًا بذواتنا وأكثر قدرة على فهم ما نحتاج إليه فعليًا. وهذا الوعي يساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل في حياتنا اليومية، سواء على مستوى العمل أو العلاقات أو الصحة أو الأهداف الشخصية.

إن العناية بالذات ليست أنانية، بل هي ضرورة أساسية للحفاظ على التوازن النفسي والعاطفي. فعندما نهتم بأنفسنا، نصبح أكثر قدرة على مساعدة الآخرين بطريقة صحية ومتوازنة، بدلًا من التضحية بأنفسنا إلى حد الإنهاك.




خمس خطوات لتعزيز العناية بالذات

من المهم أن ندرك أننا قادرون على التراجع خطوة إلى الخلف، والضغط على زر التوقف المؤقت، وتوجيه طاقتنا نحو العناية بأنفسنا. كما يجب أن ندرك أننا نملك خيار العيش بطريقة تدعم صحتنا الجسدية والنفسية وتساعدنا على تحقيق التوازن والرفاهية.

1. جعل الجودة أولوية في الحياة

من الضروري أن نجعل الجودة أولوية في مختلف جوانب حياتنا، سواء في نوعية الطعام الذي نتناوله، أو في جودة الراحة التي نحصل عليها، أو في الوقت الذي نخصصه للتواصل مع الأصدقاء والعائلة ومع أنفسنا. فالجودة تغذي الجسد والعقل والروح، وتساعد على إصلاح ما تضرر واستعادة التوازن الداخلي.

2. الانتباه إلى الأفكار

يجب أن نولي اهتمامًا لأفكارنا الداخلية، وأن نتحدى الحديث السلبي مع الذات، والمخاوف، ومشاعر عدم الكفاءة أو النقص. فالأفكار التي نكررها لأنفسنا تؤثر بشكل مباشر على حالتنا النفسية وسلوكياتنا اليومية، ولذلك فإن تطوير نمط تفكير إيجابي ومتوازن يُعد خطوة أساسية في العناية بالذات.

3. التعامل مع الذات بلطف

من المهم أن نكون لطفاء مع أنفسنا بقدر ما نكون لطفاء مع الآخرين. فنحن غالبًا ما نكون أقسى النقاد لأنفسنا وأكثر الأشخاص تشددًا في الحكم عليها. لذلك، فإن ممارسة التعاطف مع الذات تساعد على تقليل الضغط النفسي وتعزيز الشعور بالسلام الداخلي.

4. تعلم قول “لا”

من الضروري أن نتعلم قول “لا” عندما نكون مرهقين أو عندما لا نملك الوقت الكافي للعناية بأنفسنا. فالموافقة المستمرة على طلبات الآخرين على حساب صحتنا واحتياجاتنا الشخصية تؤدي إلى الإرهاق النفسي والجسدي، وتضعف قدرتنا على الاستمرار بطريقة صحية.

5. الحفاظ على التواصل مع الذات

يجب أن نحافظ على التواصل مع أنفسنا من خلال ممارسة أنشطة أو تجارب تمنحنا الشعور بالمتعة، مهما كانت بسيطة أو قصيرة. يمكن أن يكون ذلك من خلال الجلوس تحت أشعة الشمس، أو الاستماع إلى أغنية مفضلة، أو لقاء صديق، أو المشي في الطبيعة، أو القيام بأي نشاط يمنحنا شعورًا بالحب والفرح ويعيدنا إلى ذواتنا.

خلاصة

إن العناية بالذات ليست رفاهية أو خيارًا ثانويًا، بل هي أساس أساسي للصحة النفسية والجسدية. فهي تساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أفضل، وعلى التعامل مع ضغوط الحياة بطريقة أكثر وعيًا وتوازنًا، وعلى بناء علاقة إيجابية مع ذواتنا.

وعندما نمنح أنفسنا الوقت والاهتمام الذي نستحقه، فإننا لا نحسّن فقط جودة حياتنا، بل نؤسس أيضًا لأسلوب حياة أكثر صحة واستقرارًا واستدامة. فالعناية بالذات هي الطريق نحو حياة أكثر وعيًا وسلامًا داخليًا، وهي المفتاح لتعزيز الصحة النفسية وتحقيق التوازن بين متطلبات الحياة واحتياجات النفس.

المرجع 

The Connection Between Self-Care and Mental Health

http://psychologytoday.com/us/blog/a-deeper-wellness/202302/understanding-the-mental-health-and-self-care-connection