ترجمة: أ. نوره الدوسري
تزايدت في السنوات الأخيرة معدلات الكوارث الطبيعية والأحداث العنيفة والتغيرات المناخية وعدم الاستقرار السياسي، مما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الاضطرابات النفسية عالمياً. كما أن التجارب الطفولية الضارة أصبحت شائعة، وترتبط بآثار ممتدة على الصحة النفسية والجسدية عبر مراحل الحياة. في ظل محدودية الوصول إلى خدمات الصحة النفسية التقليدية، برزت الحاجة إلى تدخلات مبتكرة، منخفضة التكلفة، وقابلة للتطبيق على نطاق واسع. يستعرض هذا المقال نموذج المرونة المجتمعية (CRM) بوصفه تدخلاً جسدياً قائماً على تنمية الوعي بالإحساس الداخلي بالجسد، ويحلل أسسه النظرية والبيولوجية وأبرز نتائجه البحثية، مع مناقشة آفاق البحث المستقبلية.
مقدمة
تُعد التجارب الطفولية الضارة أحداثاً قد تكون صادمة وتؤثر بعمق في النمو النفسي والجسدي للفرد. أثبتت الدراسات أن التعرض المتكرر لهذه التجارب يرتبط بزيادة احتمالية الإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب، ومشكلات تعاطي المواد، وأمراض مزمنة مثل أمراض القلب والسكري. كما أن الأزمات الحديثة، مثل جائحة كوفيد-19 وتصاعد العنف المجتمعي، أسهمت في تضاعف الضغوط النفسية لدى مختلف الفئات.
تؤكد الأدبيات الحديثة أن الاستجابات الصادمة لا تقتصر على الجانب المعرفي، بل تنطبع في الجسد من خلال أنماط عصبية وفسيولوجية قد تستمر لفترات طويلة. لذلك ظهرت توجهات علاجية تركز على المدخلات الجسدية، فيما يُعرف بالمقاربات من الأسفل إلى الأعلى، والتي تهدف إلى إعادة تنظيم الجهاز العصبي عبر الوعي بالإحساس الجسدي.
الوعي بالإحساس الداخلي بالجسد وأهميته
يشير مفهوم الوعي بالإحساس الداخلي بالجسد إلى إدراك الفرد للإشارات الفسيولوجية الصادرة من داخل الجسم، مثل ضربات القلب والتنفس والتوتر العضلي. يُعد هذا الوعي أساسياً لتنظيم الانفعالات، إذ إن المشاعر تُختبر أولاً على مستوى الجسد قبل أن تُفسر معرفياً.
عند التعرض لتهديد، ينشط الجهاز العصبي اللاإرادي عبر استجابات القتال أو الهروب أو التجمد. وفي حال استمرار التنشيط لفترات طويلة، قد يعتاد الفرد على حالة فرط أو انخفاض الاستثارة، مما يؤثر في قدرته على التفكير بوضوح والتفاعل بمرونة. من هنا تأتي أهمية التدخلات الجسدية التي تساعد على إعادة الفرد إلى حالة اتزان تُعرف في نموذج المرونة المجتمعية بـ “منطقة المرونة”.
نموذج المرونة المجتمعية (CRM)
يُعد نموذج المرونة المجتمعية تدخلاً تدريبياً قصير المدى يركز على تنمية مهارات تنظيم الجهاز العصبي من خلال الانتباه المتعمد للإحساس الجسدي. يتكون النموذج من ست مهارات أساسية:
1. التتبع: ملاحظة الإحساسات الجسدية الداخلية والخارجية.
2. الاستعانة بالمصادر: استحضار ذكريات أو علاقات أو قيم تمنح شعوراً بالأمان.
3. التأريض: توجيه الانتباه إلى نقاط الاتصال الجسدي مع الأسطح الداعمة.
4. الإيماء الجسدي: استخدام حركات بسيطة تعزز الإحساس بالطمأنينة.
5. استراتيجيات “ساعدني الآن”: إجراءات سريعة لإعادة التوازن عند الاضطراب.
6. التحول والبقاء: توسيع منطقة المرونة عبر البقاء مع إحساس محايد أو إيجابي لعدة ثوانٍ.
يرتكز النموذج على مبدأ أن الانتباه المنظم للإحساس الجسدي يعزز التكامل بين مراكز الدماغ العاطفية والمعرفية، مما يدعم الاستقرار الانفعالي.
الأسس النظرية والبيولوجية
يستند نموذج المرونة المجتمعية إلى عدة مرتكزات نظرية، من أبرزها نظرية العصب المبهم التي تبرز دور الجهاز العصبي اللاإرادي في الإحساس بالأمان أو التهديد. كما يعتمد على مفهوم اللدونة العصبية، حيث إن التكرار الواعي لمهارات التنظيم يسهم في تكوين مسارات عصبية جديدة تدعم التكيف.
تشير أبحاث التزامن العصبي إلى أن تحسين الوعي الجسدي قد يعزز التناسق بين مناطق الدماغ المختلفة، لا سيما القشرة الجبهية والجزيرة الدماغية، مما ينعكس إيجاباً على التعاطف والقدرة على التنظيم الذاتي. كما أن التزامن بين الأفراد، سواء على المستوى الفسيولوجي أو العصبي، يرتبط بتحسن جودة العلاقات والتعاون.
الأدلة البحثية
أظهرت الدراسات التجريبية أن التدريب على مهارات نموذج المرونة المجتمعية يرتبط بتحسن ملحوظ في مؤشرات الرفاه، والمرونة النفسية، وانخفاض أعراض الضغط الثانوي. في تجارب عشوائية محكمة شملت ممارسين صحيين ونساء حوامل، سُجلت تحسنات ذات دلالة إحصائية في الرفاه والانفعالات وتنظيم التوتر.
كما أشارت دراسات شبه تجريبية في سياقات الكوارث والنزاعات إلى انخفاض أعراض الكرب التالي للصدمة والاكتئاب بعد تلقي تدريب قصير على المهارات الجسدية. ورغم أن بعض الدراسات لا تزال بحاجة إلى عينات أكبر وتصميمات أكثر صرامة، فإن النتائج الأولية تدعم فعالية النموذج وقابليته للتطبيق في سياقات متنوعة.
القيمة من منظور الصحة العامة
يُصنف التدريب على مهارات الوعي الجسدي ضمن التدخلات المتوسطة في هرم التأثير الصحي، إذ يمكن تقديمه في جلسات قصيرة ويصل إلى أعداد كبيرة من الأفراد. وبخلاف العلاج النفسي الفردي الذي يتطلب موارد مكثفة، يمكن مشاركة مهارات نموذج المرونة المجتمعية عبر قادة مجتمعيين ومعلمين ومقدمي خدمات، مما يعزز الوصول في المجتمعات ذات الموارد المحدودة.
تتوافق هذه المقاربة مع مفهوم تقاسم المهام في الرعاية الصحية، حيث يمكن لغير المتخصصين مشاركة استراتيجيات تنظيم ذاتي بسيطة لدعم الأفراد الذين يعانون من ضغط نفسي.
اتجاهات البحث المستقبلية
تتضمن مجالات البحث المستقبلية قياس المؤشرات البيولوجية مثل معدل ضربات القلب ومستويات الكورتيزول، ودراسة التزامن بين الأفراد في البيئات التعليمية والمجتمعية، إضافة إلى تقييم الأثر طويل المدى على الوقاية من الاضطرابات المرتبطة بالتجارب الطفولية الضارة.
كما يُوصى بمقارنة النموذج بتدخلات أخرى قائمة على اليقظة الذهنية، وتحديد الجرعة التدريبية المثلى للفئات المختلفة، وتطوير أدوات قياس أكثر دقة تتوافق مع مفهوم التركيز على الإحساسات وليس المشاعر.
الخاتمة
في عالم تتزايد فيه مصادر التوتر والصدمات، تبرز الحاجة إلى استراتيجيات عملية وسهلة الوصول لتعزيز الصحة النفسية. يقدم نموذج المرونة المجتمعية إطاراً مبسطاً وفعالاً لتنمية الوعي بالإحساس الجسدي وتنظيم الجهاز العصبي، مما يدعم الرفاه الفردي والجماعي. إن تعميم مهارات الرعاية الذاتية الجسدية قد يسهم في تقليل عبء الاضطرابات النفسية، وتعزيز القدرة على التكيف، وبناء مجتمعات أكثر تماسكاً .
المرجع
The Body Can Balance the Score: Using a Somatic Self-Care Intervention to Support Well-Being and Promote Healing
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12154529/#funding-statement1





