ترجمة : أ. نوره الدوسري
تعليم الأطفال التعبير عن الآراء والأفكار
إن التعبير عن الآراء والأفكار لدى الأطفال مهارة أساسية تؤثر بشكل مباشر في بناء الثقة بالنفس والنمو الاجتماعي. يواجه كثير من الوالدين صعوبة في مساعدة أطفالهم على التعبير عن أفكارهم بوضوح واحترام. وفي عالم اليوم، حيث تُعدّ القدرة على التواصل من أهم المهارات الحياتية، يصبح تعليم الأطفال التعبير عن أنفسهم بفاعلية أمرًا ضروريًا وليس مجرد خيار. يستعرض هذا الدليل استراتيجيات عملية تساعد على تنمية صوت الطفل وتعزيز قدرته على التعبير عن أفكاره من خلال أنشطة وتقنيات مناسبة لمراحل النمو المختلفة.
أولًا: لماذا يُعدّ تعلم التعبير عن الآراء والأفكار أمرًا مهمًا للأطفال؟
يتميّز الأطفال بطبيعتهم الفضولية وامتلائهم بالأفكار والتساؤلات التي تنتظر فرصة للتعبير عنها. ولا يقتصر تعلم التعبير عن الآراء على امتلاك صوت، بل يُعدّ عنصرًا أساسيًا في النمو النفسي والاجتماعي الذي ينعكس على مستقبل الطفل.
الفوائد النمائية للتعبير عن الذات
عندما يتعلم الأطفال التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، تتعزز لديهم الهوية الذاتية والوعي بالنفس. كما يساعد التعبير عن الذات على تطوير الوظائف التنفيذية، وهي العمليات العقلية التي تمكّن الإنسان من التخطيط والتركيز وإدارة المهام المتعددة.
يساعد التعبير عن الذات الأطفال أيضًا على فهم مشاعرهم واحتياجاتهم، مما يضع الأساس لأنماط تواصل صحية تستمر معهم طوال حياتهم. ومع ممارسة التعبير عن الأفكار، يصبح الأطفال أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر قدرة على التعبير عن آرائهم في المواقف المختلفة.
كيف يساهم التعبير عن الرأي في تنمية التفكير النقدي؟
يتطلب التعبير عن الرأي تنظيم الأفكار، وتحليل المعلومات، وتكوين استنتاجات منطقية، وهي عناصر أساسية في التفكير النقدي. وعندما يشرح الطفل سبب اعتقاده بفكرة معينة، فإنه يمارس مهارات تحليلية تنتقل إلى مجالات أخرى من حياته.
ومن أبرز فوائد التفكير النقدي لدى الأطفال:
القدرة على تقييم المعلومات بدلًا من قبولها دون تفكير.
ممارسة بناء الحجج استنادًا إلى الأدلة.
النظر إلى القضايا من زوايا متعددة.
مراجعة الأفكار عند ظهور معلومات جديدة.
ولا تتطور هذه المهارات بشكل تلقائي، بل تحتاج إلى ممارسة مستمرة من خلال فرص منتظمة لمشاركة الأفكار والدفاع عنها في بيئات داعمة.
العلاقة بين التعبير عن الأفكار والذكاء العاطفي
توجد علاقة قوية بين قدرة الطفل على التعبير عن آرائه ومستوى الذكاء العاطفي لديه. فعندما يتمكن الأطفال من التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، تقل احتمالية لجوئهم إلى سلوكيات غير مناسبة للتعبير عن احتياجاتهم.
يساعد التعبير عن المشاعر الأطفال على:
تحديد مشاعرهم بدقة.
فهم العلاقة بين المشاعر والسلوك.
إدراك مشاعر الآخرين.
التعامل مع المواقف الاجتماعية بوعي أكبر.
الفوائد طويلة المدى في المجالات الأكاديمية والاجتماعية
تمتد فوائد التعبير عن الآراء إلى مراحل لاحقة من الحياة. فالطلاب الذين يستطيعون التعبير عن أفكارهم بوضوح غالبًا ما يحققون أداءً أكاديميًا أفضل، خاصة في المواد التي تتطلب التحليل والتواصل.
أما اجتماعيًا، فإن الأطفال الذين يمتلكون مهارات التعبير عن الذات:
يكوّنون علاقات أكثر عمقًا.
يحلون النزاعات بطريقة بنّاءة.
يظهرون مهارات قيادية.
يدافعون عن أنفسهم عند مواجهة التحديات.
وتزداد أهمية هذه المهارات مع تقدم العمر، حيث تُعد القدرة على التواصل الواضح والواثق من أهم عوامل النجاح في الحياة التعليمية والمهنية.
ثانيًا: طرق مناسبة للعمر لتشجيع الأطفال على التعبير عن آرائهم
تختلف الأساليب المناسبة لتطوير مهارات التعبير باختلاف مراحل النمو، لذلك من المهم استخدام استراتيجيات تتوافق مع قدرات الطفل في كل مرحلة عمرية.
تقنيات التعبير لدى الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة (3–5 سنوات)
في هذه المرحلة، يبدأ الأطفال في تطوير المهارات اللغوية الأساسية، رغم امتلاكهم الكثير من الآراء والأفكار. ويكمن المفتاح في توفير طرق بسيطة وممتعة لمشاركة أفكارهم.
أسئلة بسيطة لبدء الحوار
يمكن استخدام أسئلة مفتوحة مثل:
ما الجزء الذي أعجبك أكثر في القصة؟
كيف شعرت عندما حدث ذلك؟
لو استطعت تغيير شيء اليوم، ماذا سيكون؟
ينبغي أن تكون الأسئلة واضحة ومباشرة، مع منح الطفل الوقت الكافي للإجابة.
استخدام الرسم والفنون للتعبير عن الأفكار
يمثل الفن وسيلة طبيعية للتعبير عن الأفكار لدى الأطفال الذين لم يكتسبوا بعد مفردات لغوية كافية. يمكن طلب رسم:
النشاط المفضل لديهم.
شيء جعلهم سعداء أو حزينين.
ما يرغبون في فعله غدًا.
ثم يُطلب منهم شرح رسوماتهم، مما يكشف عن أفكار غنية خلف الرسوم البسيطة.
ألعاب تمثيل الأدوار لتعزيز التعبير اللفظي
يساعد اللعب التخيلي الأطفال على ممارسة التعبير عن الأفكار، مثل:
اللعب بدور مطعم يشرح فيه الطفل قائمة الطعام.
تقديم عرض دمى يعبّر فيه كل شخصية عن رأيها.
اللعب بدور الطبيب الذي يشرح حالة المريض.
استخدام القصص لمشاركة المشاعر
بعد قراءة قصة، يمكن طرح أسئلة مثل:
لماذا شعرت الشخصية بذلك؟
ماذا كنت ستفعل لو كنت مكانها؟
أي شخصية أعجبتك أكثر ولماذا؟
مساعدة الأطفال في المرحلة الابتدائية على التعبير عن أفكارهم (6–10 سنوات)
في هذه المرحلة، يصبح الأطفال أكثر قدرة على تكوين آراء معقدة نسبيًا، مما يجعلها فرصة مناسبة لتطبيق أنشطة منظمة.
استراتيجيات الحوار على مائدة الطعام
يمكن اعتماد أنشطة مثل:
مشاركة أفضل وأسوأ حدث في اليوم.
طرح أسئلة من صندوق الأسئلة.
مناقشة أحداث يومية بأسلوب مناسب لعمر الطفل.
استخدام اليوميات لتحفيز التفكير
يمكن تقديم أسئلة مثل:
لو استطعت وضع قاعدة واحدة للعالم، ما هي؟
ما الذي يجعل الشخص صديقًا جيدًا؟
ما المشكلة التي ترغب في حلها وكيف؟
ألعاب النقاش لتطوير مهارات التفكير
مثل:
أيهما أفضل: البيتزا أم التاكو؟
محاولة إقناع الآخرين بتغيير رأيهم.
مناقشة سيناريوهات افتراضية.
توجيه المراهقين للتعبير عن آرائهم بفعالية (11–18 سنة)
في مرحلة المراهقة، تتطور القدرة على التفكير المجرد وتتزايد الحاجة إلى الاستقلالية، مما يجعل احترام آراء المراهقين أمرًا ضروريًا.
مناقشة موضوعات معقدة
يمكن تشجيعهم على:
دراسة القضايا من وجهات نظر متعددة.
البحث قبل تكوين الرأي النهائي.
استخدام التكنولوجيا للتعبير المسؤول
مثل:
مجموعات عائلية للنقاش.
أدوات رقمية لسرد القصص.
الاجتماعات العائلية
يمكن تنظيم اجتماعات دورية لمناقشة قضايا الأسرة، مع إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم.
ثالثًا: التحديات الشائعة عند تعليم الأطفال التعبير عن آرائهم
التعامل مع الخجل والتردد
قد يتردد بعض الأطفال في التعبير عن آرائهم بسبب الخجل أو الخوف من النقد. ويمكن دعمهم من خلال:
توفير بيئة آمنة للحوار.
استخدام التعبير الكتابي أو الفني قبل اللفظي.
التأكيد على أن جميع الآراء مرحب بها.
بناء الثقة تدريجيًا
يمكن البدء بأسئلة بسيطة ثم الانتقال تدريجيًا إلى موضوعات أكثر تعقيدًا.
تعليم الاختلاف باحترام
من المهم تعليم الأطفال كيفية التعبير عن الاختلاف دون الإساءة للآخرين، باستخدام عبارات مثل:
لدي وجهة نظر مختلفة.
أفهم رأيك، لكنني أرى الأمر بطريقة أخرى.
رابعًا: أنشطة عملية لتعزيز التعبير عن الآراء
أنشطة أسرية
رأي اليوم في جلسات العشاء.
إعداد قوائم إيجابيات وسلبيات قبل اتخاذ القرارات.
تنظيم مناظرات عائلية.
أنشطة مدرسية واجتماعية
التعاون مع المعلمين لدعم مهارات التعبير.
المشاركة في الأنشطة اللامنهجية مثل المسرح أو الصحافة المدرسية.
خامسًا: دور الوالدين في تنمية التعبير الصحي عن الأفكار
الاستماع الفعّال
الانتباه الكامل لما يقوله الطفل.
إعادة صياغة كلامه للتأكد من فهمه.
تجنب التقليل من شأن الأفكار
حتى الأفكار غير الواقعية يجب التعامل معها باحترام وتشجيع التفكير الإبداعي.
تحقيق التوازن بين التوجيه والاستقلالية
يجب تقديم الإرشاد دون فرض الرأي، ومنح الأطفال فرصًا لتجربة أفكارهم.
سادسًا: الأدوات الرقمية لتطوير مهارات التعبير
يمكن استخدام أدوات رقمية مناسبة للعمر، مثل تطبيقات كتابة القصص، واليوميات الرقمية، وأدوات تنظيم الأفكار، مع توجيه الأطفال نحو الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
الخلاصة
إن مساعدة الأطفال على إتقان مهارة التعبير عن الآراء والأفكار تُعدّ من أهم الهدايا التي يمكن تقديمها لمستقبلهم. فمن خلال تطبيق استراتيجيات مناسبة وخلق بيئة داعمة للتعبير، يمكن تنمية مهارات التواصل والثقة بالنفس والتفكير النقدي والذكاء العاطفي لدى الأطفال. ويبدأ هذا المسار بخطوات بسيطة تتناسب مع عمر الطفل، مع توسيع نطاق التجارب تدريجيًا. كما أن النموذج الذي يقدمه الوالدان في التواصل المحترم يمثل العامل الأكثر تأثيرًا في ترسيخ هذه المهارات.
المرجع
Teaching Kids to Express Opinions & Ideas: Essential Guide for Parents
https://superminds.com.sg/express-opinions-ideas-kids/





