ترجمة: أ. رزان بن دهر
في داخل كل شخص مشخص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه التقيت به ، ينبض نبع عميق من الإبداع، إبداع يشكّل جزءًا أساسيًا من هويتنا وتركيبتنا العصبية، لدرجة أن صحتنا النفسية وراحتنا تعتمد بدرجة كبيرة على الاهتمام به والتعبير عنه، وحين يُطلَق هذا الإبداع ، يمنحنا شعورًا كبيرًا بالسعادة، ويعزز الرضا عن الذات، والثقة بالنفس، والدافعية، أما حين يتم كبحه أو تجاهله، فقد وجدتُ أنه قد يتسبب بأذى نفسي عميق وغير متوقع أحيانًا.
السمات نفسها التي تجعلنا مشتتين وغير منظمين، هي التي تمنحنا قدرة استثنائية على التفكير الإبداعي المتفرع، عدسة انتباهنا الواسعة، و قدرتنا على التركيز العميق في ما نحب ، و ميلنا للمجازفة ، وموهبتنا في الربط بين أفكار لا تبدو مترابطة كلها سمات أساسية تُشكّل الأساس العصبي للعقل المبدع، ونحن نملكها بغزارة.
كما قال نيد هالويل: “ما هو الإبداع في النهاية، إلا عبارة عن اندفاع في الطريق الصحيح!”
ورغم أن لدينا ميولاً فطرية نحو الإبداع، إلا أن كثيرين منا لا يدركون قيمته الحقيقية ولا يستخدمونه ، و غالبًا ما لا نؤمن حتى بأننا مبدعون، فضلًا عن أن نسمح لأنفسنا بالتعبير عن هذا الإبداع الكامن في داخلنا.
ليس هذا أمرًا مفاجئًا إذا أخذنا في الاعتبار أننا عشنا حياتنا ونحن نشعر بالتناقض مع عالم يحب الكفاءة والإنتاجية، نحاول جاهدين أن نتبنى هذه الصفات لأننا مضطرون لذلك إذا أردنا دفع الفواتير في وقتها، وتنظيم أمورنا، وإرضاء مصلحة الضرائب، لكن العيش بهذه الطريقة يتعارض تمامًا مع طبيعتنا الحقيقية، والجهد المبذول قد يتركنا نشعر بالإرهاق والفراغ، خصوصًا إذا لم يتبق لدينا طاقة لجانبنا المرح والإبداعي.
أنا أعرف هذا جيدًا لأنني عشت هذه التجربة أيضًا.
خلال فترة ضغط كبيرة عندما كان أطفالي صغارًا، حاولت بشدة أن أعيش “بطريقة الكفاءة والإنتاجية” لإنجاز كل شيء وكنت أشعر بالإرهاق والإنهاك والتعاسة خلال ذلك ، و اعتقدت أن الشعور بهذه الطريقة جزء طبيعي من التربية، وأنه يجب عليّ فقط الصبر، وأنني بطريقة ما سأبدأ في الشعور بالسعادة مجددًا ، فلم أغير شيئًا، ولم يتغير شيء.
و مع مرور الوقت ، أصبحت أشعر بمزيد من التعاسة ، و التهيج ، و عدم الرضا وبدأت صحتي تتدهور ، حاولت أن أغير شعوري من خلال فترات استرخاء في المنتجعات ، و الأنشطة الاجتماعية ، و زيارات الأطباء و تجربة الأعشاب ، و الحبوب ، و الحميات الغذائية ، بعضها كان يجعلني أشعر بتحسن مؤقتًا ، لكن مشاعر التهيج و عدم الرضا كانت تعود مجددًا ، كان من الواضح أن هناك شيئًا ما في حياتي لا يسير على ما يرام ، لكنني لم أكن أعرف ما هو ، أو كيف أصلحه.
ثم أُهديتُ كتاب “أجساد النساء، حكمة النساء” (Women’s Bodies, Women’s Wisdom) للدكتورة كريستيان نورثروب، التي تقول في تجربتها السريرية إن الأشخاص الذين يعانون من أمراض جسدية و عاطفية متكررة و مقاومة للعلاج بحاجة إلى الاهتمام بجانبهم الإبداعي (كأداة) لمساعدتهم على الشفاء بأنفسهم.
يا لها من نظرية جديدة فكرة أن التعبير عن نفسي بطريقة إبداعية سيجعلني أشعر بتحسن بطرق عديدة ، لماذا أفعل ذلك؟ بصفتي “الأنثى المنتجة” ، كنت أعتبر “أن تكون مبدعًا” نوعًا من الترف الذاتي غير الجاد ، و كنت مشغولة جدًا لأجرب شيء غير مقنع كهذا الأمر ، و مع ذلك ، و بغض النظر عن غرابتها ، منحني اليأس ذهنًا متفتحًا ، فقررت أن أجرب الأمر.
بدأتُ بشكل بسيط ، ببعض اللوحات العفوية و بعض الحرف اليدوية ، و بدأت أدخل المزيد والمزيد من الإبداع في أيامي ، و بدأتُ أشعر تدريجيًا بالخفة ، و أصبحت أقل تهيجًا ، و أكثر رضا عن الحياة ، لم يكن التغيير سريعًا ، لكنه كان مستمرًا! وفي النهاية، أعاد لي هذا الأسلوب الحياة عاطفيًا ، و تبع ذلك تحسن صحتي الجسدية.
منذ ذلك الحين ، أصبحت مؤمنة تمامًا بتأثير القوي للإبداع ، و إلا لما كنت أكتب هذه الكلمات ، أو أكتب أصلًا! كما اكتشفت أشخاصًا آخرين يقدرون قيمة التعبير الإبداعي ، مثل برينيه براون التي تقول في كتابها “هدية عدم المثالية” (The Gift of Imperfection):
“يعتقد الناس أن الإبداع نوع من الانغماس الذاتي ؛ و لا يرونه أمرًا منتجًا بما فيه الكفاية ، أقول: ‘الإبداع غير المستخدم ليس حميدًا’ و ما أعنيه حقًا هو أنه عندما يكبت الناس ذلك الإبداع أو ينكرونه ، فإنه يتفاقم و يتحول إلى استياء و حزن.”
مثل المشاعر المكبوتة أو المنكَرَة ، لا يذوب الإبداع غير المستخدم ببساطة ، بل يتفاقم ويصبح خطيرًا.
الأشخاص المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بطبيعتهم فضوليون ، و مندفعون ، و فوضويون ، و حساسون ، و مرحون ، عندما نحاول أن نعيش بما يتعارض مع حقيقتنا ، مستخدمين طاقة لا تحصى لمحاولة أن نكون شيئًا لسنا عليه ، و بصراحة لن نصل إليه أبدًا ، فإن ذلك يؤذينا ، تذكّرني هذه المعاناة بما قاله ألبرت أينشتاين:
“كل شخص عبقري ، و لكن إذا حكمت على سمكة بناءً على قدرتها على تسلق شجرة ، فستعيش حياتها كلها وهي تؤمن بأنها غبية.”
اختيار الاهتمام بإبداعنا الفطري لا يجلب لنا شعورًا جيدًا فقط ، بل يعالج تدني احترامنا لذاتنا و يمنحنا مزيدًا من الثقة ، و نشعر بأننا أكثر استعدادًا لمواجهة الحياة ، و إن كان ذلك بطريقتنا الفريدة و الفوضوية ، و عندما نعيش في تناغم مع من نحن و كيف خُلقنا ، نطور معرفة عميقة بأننا كائنات كاملة و صالحة في جوهرنا ، تمامًا كما نحن.
ما الذي قد يكون أكثر تحررًا ورفعًا للمعنويات من ذلك؟
لذا، أود أن أدعوك إلى الاهتمام بإبداعك الداخلي ، اذهب و اصنع شيئًا ، أي شيء! مهما كان صغيرًا أو غير متقن ، فإن هدفك الإبداعي لا يتعلق بالنتيجة النهائية ، طالما أنك تعبر عن نفسك ، سيكون العائد العاطفي و الجسدي إيجابيًا و ذا قيمة ، ستجد ، كما وجدت أنا ، أن استخدام هذه الطاقة سيؤثر على جميع جوانب حياتك في دوامة تصاعدية تزيد الدافعية و الرضا عن الحياة و السعادة.
المرجع:
Stifled Creativity and Its Damaging Impact on the ADHD Brain
https://www.additudemag.com/adhd-creativity-brain-health/





