ترجمة : أ. نوره الدوسري
- في مسار البحث عن التعافي من الصدمات النفسية، يُعدّ العلاج الجسدي أحد الأساليب العلاجية المميّزة التي تركز على الترابط العميق بين العقل والجسد. وعلى الرغم من أن هذا النهج العلاجي قد لا يكون مناسبًا للجميع، فإنه يقدّم فوائد ملحوظة للأفراد الذين يواجهون اضطراب ما بعد الصدمة وغيرها من التحديات المرتبطة بالصحة النفسية، وذلك من خلال التركيز على الإحساسات الجسدية وزيادة الوعي بالجسد. يقوم العلاج الجسدي على فكرة أن التجارب العاطفية المؤلمة قد تُخزَّن داخل الجسم على هيئة توتر أو استجابات جسدية، وأن معالجة هذه الاستجابات تساعد على تحقيق التعافي النفسي والانفعالي. ومن خلال مجموعة من التقنيات المنظمة، يهدف هذا الأسلوب إلى مساعدة الأفراد على فهم المظاهر الجسدية للصدمات والتعامل معها بوعي أكبر، بما يسهم في تخفيف آثارها وتعزيز الشعور بالاتزان والراحة.
- ما هو العلاج الجسدي؟
- يرتكز العلاج الجسدي على مبدأ أساسي مفاده أن العقل والجسد يشكّلان منظومة واحدة متكاملة، وأن المشاعر والتجارب الصادمة يمكن أن تُحتجز داخل الجسد إذا لم تُعالَج بطريقة مناسبة. ويُعتقد أن هذه التجارب قد تظهر في شكل توتر عضلي أو استجابات جسدية مستمرة، وأن العمل على الإحساسات الجسدية يمكن أن يساعد على تحرير هذا التوتر والانفعالات المكبوتة. يعتمد هذا النهج على تعزيز الوعي بالجسد من خلال تمارين التنفّس، والحركة، والانتباه الدقيق للإشارات الجسدية، مما يمكّن الأفراد من التعرف إلى مشاعرهم ومعالجتها تدريجيًا.
- يُستخدم العلاج الجسدي في العديد من الحالات النفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، والقلق، والاكتئاب، والألم المزمن. ويهدف إلى مساعدة الأفراد على معالجة الصدمات المخزنة في الجسد والتعامل معها بطرق آمنة ومنظّمة. كما يسهم في تحسين القدرة على تنظيم الانفعالات من خلال زيادة الوعي بالإحساسات الجسدية، مما يمكّن الأفراد من الاستجابة لمشاعرهم بطريقة أكثر اتزانًا. إضافةً إلى ذلك، قد يساهم هذا النوع من العلاج في تقليل الأعراض الجسدية المرتبطة بالتوتر من خلال تحرير الشدّ العضلي والضغط النفسي.
- يعمل العلاج الجسدي كذلك على تعزيز التواصل العميق بين الفرد وجسده، مما يزيد من مستوى الوعي الذاتي والانتباه للحظة الراهنة. ويساعد هذا الوعي المتزايد على بناء قدر أكبر من المرونة النفسية، ما يتيح للأفراد التعامل بشكل أفضل مع التحديات المستقبلية. وعلى خلاف بعض الأساليب العلاجية التقليدية التي تركز بصورة أساسية على الحوار والمعالجة المعرفية، يمنح العلاج الجسدي أهمية كبيرة لدور الجسد في التجارب العاطفية، ويعتبر أن الإحساسات الجسدية جزء لا يتجزأ من عملية الشفاء.
- يتضمن هذا النهج عادةً العمل على تخفيف التوتر من خلال ملاحظة الخبرات الجسدية والانتباه إلى الإشارات التي يرسلها الجسم أثناء المعالجة. وبينما تسعى العديد من الأساليب العلاجية إلى معالجة الصدمات النفسية، فإن العلاج الجسدي يركز تحديدًا على كيفية احتفاظ الجسد بتلك الصدمات، ويهدف إلى تحريرها عبر المعالجة الجسدية والانفعالية المتوازنة. كما يعتمد بدرجة كبيرة على ممارسات اليقظة الذهنية والانتباه للحظة الراهنة، مما يساعد الأفراد على أن يصبحوا أكثر وعيًا بمشاعرهم واستجاباتهم الجسدية.
- يُقدَّم العلاج الجسدي عادةً على يد مختصين تلقّوا تدريبًا متخصصًا في تقنيات هذا المجال، وقد ينتمي هؤلاء المختصون إلى خلفيات مهنية متعددة مثل علم النفس، والإرشاد المهني، والعمل الاجتماعي، والعلاج الأسري، أو مجالات العمل الجسدي العلاجي. ويعود تاريخ هذا الأسلوب إلى أوائل القرن العشرين عندما بدأ بعض الباحثين بدراسة العلاقة بين التوتر العضلي والمشكلات الانفعالية. ثم شهد تطورًا ملحوظًا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما أُدخلت تقنيات جديدة تدمج الوعي الجسدي في علاج الصدمات النفسية. ومع تزايد الأبحاث التي تؤكد الترابط بين العقل والجسد في الصحة النفسية، ازداد الاهتمام بالعلاج الجسدي وانتشر استخدامه في العديد من البيئات العلاجية.
- تقنيات العلاج الجسدي
- يستخدم العلاج الجسدي مجموعة متنوعة من التقنيات التي تساعد الأفراد على التواصل مع مشاعرهم المخزنة في الجسد والتعامل معها بطريقة تدريجية وآمنة. ومن أبرز هذه التقنيات ما يلي:
- فحص الجسد (Body Scanning):
تساعد هذه الممارسة الأفراد على زيادة وعيهم بالإحساسات الجسدية والتوترات المختلفة في الجسم. وتتضمن توجيه الانتباه ببطء إلى أجزاء الجسد المختلفة لملاحظة أي توتر أو شعور بالراحة أو تغيّر في الإحساس. وتُعد هذه التقنية وسيلة فعالة لاكتشاف مناطق الإجهاد أو الضغط التي قد لا يكون الفرد واعيًا بها. - تمارين التنفّس (Breathwork):
تُستخدم تمارين التنفّس المنظّم لتعزيز الاسترخاء وزيادة الوعي بالجسد، كما تساعد على تحرير الانفعالات المخزنة. ويؤدي التركيز على التنفّس إلى تهدئة الجهاز العصبي وتحسين القدرة على التعامل مع التوتر والانفعالات الشديدة. - التجزئة التدريجية (Titration):
تعتمد هذه التقنية على إدخال كميات صغيرة وقابلة للتحمّل من المشاعر أو الذكريات الصادمة أثناء العلاج. ويهدف ذلك إلى منع الشعور بالإرهاق أو إعادة الصدمة، من خلال معالجة التجارب المؤلمة بطريقة تدريجية ومتحكَّم بها. - التأرجح الانفعالي (Pendulation):
تتضمن هذه الممارسة الانتقال المتوازن بين حالات الانزعاج أو الضيق وحالات الهدوء والأمان. ومن خلال التعرض لمشاعر غير مريحة بجرعات صغيرة ثم العودة إلى حالة من الاستقرار، يتمكّن الأفراد من زيادة قدرتهم على تحمّل المشاعر الصعبة دون الشعور بالإرهاق. - بناء الموارد (Resourcing):
تشمل هذه التقنية التعرف على مصادر القوة والدعم الداخلية والخارجية التي تمنح الفرد شعورًا بالأمان والاستقرار. وقد تكون هذه الموارد ذكريات إيجابية أو نقاط قوة شخصية أو علاقات داعمة أو أشياء تبعث على الراحة. - الحركة والتعبير الجسدي:
تُستخدم الحركة أو الرقص كوسيلة غير لفظية للتعبير عن المشاعر وتحرير التوتر الجسدي. وقد تساعد هذه الممارسة على استكشاف مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، مما يعزز الوعي الجسدي ويخفف من الضغوط المتراكمة. - اللمس والعمل الجسدي:
تسهم تقنيات العمل الجسدي في زيادة الوعي بالإحساسات الجسدية وتخفيف التوتر العضلي. ويمكن أن يساعد اللمس العلاجي في الوصول إلى المشاعر المخزنة في الجسد ومعالجتها بطريقة آمنة، مع مراعاة الضوابط المهنية والأخلاقية. - اليقظة الذهنية والتأمل:
تساعد ممارسات اليقظة الذهنية على ملاحظة المشاعر والأفكار دون الانجراف معها، مما يدعم تنظيم الاستجابات الانفعالية ويقلل من مستويات القلق والتوتر. كما يتيح التأمل فرصة للاسترخاء وتعزيز الاتصال بالجسد وبالخبرات الحسية. - علامات تشير إلى أن الجسد يحرّر الصدمات
- عندما يبدأ الجسد في معالجة الصدمات من خلال العلاج الجسدي، قد تظهر مجموعة متنوعة من العلامات الجسدية والانفعالية. وتختلف هذه العلامات من شخص إلى آخر، ومن المهم التعامل معها بإشراف مختص مؤهَّل لضمان سلامة العملية العلاجية.
- قد يشعر بعض الأفراد بإحساسات جسدية مثل الوخز أو الدفء أو تدفق الطاقة داخل الجسم. كما قد تحدث حركات عضلية لا إرادية أو ارتعاشات خفيفة نتيجة تحرّر التوتر المخزَّن. وغالبًا ما تكون هذه الإحساسات مؤقتة وتشير إلى أن الجسد يعمل على معالجة الضغوط السابقة والتخلص منها تدريجيًا.
- وقد يحدث تحرّر انفعالي مفاجئ، مثل البكاء أو الضحك أو الشعور بالغضب، حتى في غياب محفّز واضح. ويُعد هذا النوع من الاستجابات جزءًا طبيعيًا من عملية تفريغ المشاعر المكبوتة، ويمكن أن يؤدي إلى شعور بالارتياح والوضوح الانفعالي بعد مرورها.
- كما قد يلاحظ الأفراد تغيّرات في نمط التنفّس، مثل أن يصبح أعمق أو أسرع أو غير منتظم لفترة قصيرة. ومع استقرار التنفّس تدريجيًا، قد يشعر الشخص بمزيد من الهدوء والاسترخاء. وقد يعبّر بعض الأفراد عن شعور بالخفة أو الراحة، وكأن عبئًا نفسيًا قد زال عنهم، مما يعزز الإحساس بالتحسن العام.
- من العلامات الأخرى المحتملة زيادة مستوى الطاقة أو الشعور بالحيوية، الأمر الذي قد يشجّع الأفراد على مواصلة رحلتهم العلاجية. كما قد تزداد حساسية الفرد للمثيرات الحسية مثل الأصوات أو الضوء أو اللمس، نتيجة إعادة توازن الجهاز العصبي وزيادة وعيه بالحاضر.
- وفي المقابل، قد يظهر شعور بالتعب أو الإرهاق، إذ يمكن أن تكون عملية تحرير الصدمات مرهقة جسديًا وانفعاليًا. وقد يحتاج الفرد إلى فترات راحة إضافية بينما يعمل عقله وجسده على معالجة الذكريات والمشاعر المعقّدة. كذلك قد تظهر أحلام واضحة أو ذكريات مرتبطة بتجارب سابقة، وهو ما يُعد جزءًا من عملية الدمج النفسي للخبرات المؤلمة.
- مع استمرار العملية العلاجية، قد يلاحظ بعض الأفراد تحسنًا في المزاج وتراجعًا في مشاعر القلق أو الاكتئاب، إلى جانب شعور أكبر بالتفاؤل والقدرة على التعامل مع الحياة اليومية. وقد تنعكس هذه التحسّنات إيجابيًا على العلاقات الاجتماعية والسلوكيات اليومية وجودة الحياة بشكل عام.
- الخطوات التالية
- إذا كان الأفراد مهتمين بتجربة العلاج الجسدي ضمن مسار التعافي، فمن المهم التشاور مع مقدّمي الرعاية الصحية أو المختصين المؤهّلين لتقييم مدى ملاءمة هذا النهج لاحتياجاتهم الفردية. ويساعد العمل مع مختص مدرَّب على ضمان تطبيق التقنيات بطريقة آمنة ومنظّمة، بما يدعم عملية الشفاء ويعزّز الاستفادة من التجربة العلاجية على المدى الطويل.
- المرجع
- Somatic Therapy: Signs Your Body Is Releasing Trauma
- https://integrishealth.org/resources/on-your-health/2024/october/somatic-therapy-signs-your-body-is-releasing-trauma





