ترجمة : أ. نوره الدوسري
مقدمة
يُعد الإدراك الاجتماعي من المهارات الأساسية التي تساعد الأطفال على التفاعل بنجاح مع الآخرين وبناء علاقات اجتماعية صحية. ويشمل هذا الإدراك قدرتهم على فهم مشاعر وأفكار الآخرين، والتصرف بطريقة ملائمة اجتماعيًا. من المهارات المهمة هنا: نظرية العقل (Theory of Mind) وفهم معالجة المعلومات الاجتماعية (Social Information Processing). فالاطفال الذين يفهمون مشاعر الآخرين ويفسرون المعلومات الاجتماعية بشكل صحيح، يستطيعون التصرف بشكل إيجابي، والتفاعل مع الأقران والكبار بمرونة، والشعور بالانتماء الاجتماعي.
الأطفال ذوو الإعاقات الذهنية غالبًا ما يواجهون صعوبات في تطوير هذه المهارات، وهو ما قد يؤثر على تكيفهم الاجتماعي وقدرتهم على الانخراط في الأنشطة المدرسية والعائلية. لذا هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف ملفهم الإدراكي الاجتماعي بشكل أوسع، من خلال دمج تقييم نظرية العقل ومهارات معالجة المعلومات الاجتماعية، وتحليل علاقات هذه المهارات بالسلوك الاجتماعي والتكيف.
المنهجية
شارك في الدراسة 78 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 4 سنوات و8 أشهر و12 سنة و6 أشهر، وتم تشخيصهم بإعاقات ذهنية خفيفة إلى معتدلة. كان التطور العام للأطفال يعادل سن ما قبل المدرسة، كما تم التأكد من قدرتهم على تكوين جمل بسيطة. تم استبعاد الأطفال المشخّصين بمتلازمة ويليامز أو طيف التوحد لضمان تماثل العينة.
استخدم الباحثون مجموعة من الاختبارات لتقييم مهارات نظرية العقل وفهم المعلومات الاجتماعية. كما أكمل الأهل استبيانات لتقييم كفاءة الأطفال الاجتماعية وسلوكهم، بما في ذلك احتمال ظهور سلوكيات خارجية مثل العدوان أو سلوكيات داخلية مثل الانسحاب أو القلق.
نظرية العقل عند الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية
نظرية العقل هي القدرة على فهم الأفكار والمشاعر لدى النفس والآخرين، والتنبؤ بسلوك الآخرين بناءً على هذه المعرفة. وتشمل:
- نظرية العقل العاطفية: فهم المشاعر والرغبات، مثل التعرف على سبب شعور شخص ما بالحزن أو الفرح.
- نظرية العقل المعرفية: فهم الأفكار والمعتقدات والتصورات، مثل معرفة أن شخصًا ما قد يعتقد شيئًا خاطئًا عن موقف معين.
أظهرت الدراسات أن الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية غالبًا ما يكون لديهم تأخير في فهم المشاعر والأسباب المترتبة عليها، كما تظهر بعض الصعوبات في فهم المعتقدات أو منظور الآخرين. فمثلاً، قد يجد الطفل صعوبة في تصور ما يعرفه الآخرون أو ما يشعرون به في موقف معين.
معالجة المعلومات الاجتماعية عند الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية
يشير نموذج معالجة المعلومات الاجتماعية إلى كيفية تعامل الأفراد مع المواقف الاجتماعية عبر خمس خطوات:
- التعرف على المؤشرات الاجتماعية والعاطفية.
- تفسير هذه المؤشرات.
- توضيح الهدف من التفاعل.
- ابتكار ردود محتملة.
- اختيار الاستجابة الأنسب.
إذا كانت هناك صعوبة في أي خطوة، فقد يؤدي ذلك إلى سلوكيات غير ملائمة، مثل العدوان أو الانسحاب. ووجدت الدراسات أن الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية يواجهون تحديات خاصة عند تفسير المواقف الاجتماعية الغامضة، حيث قد يسيئون فهم نوايا الآخرين، مثل الاعتقاد بأن سلوكًا غير مقصود عدائي.
نتائج الدراسة
أظهرت النتائج وجود تنوع في قدرات الأطفال في كل من نظرية العقل ومعالجة المعلومات الاجتماعية.
- الأطفال الذين لديهم قدرات أفضل في هذه المجالات أظهروا مستوى أعلى من التطور الاجتماعي والعاطفي، وكان لديهم كفاءة أعلى في التفاعل مع الأقران والكبار.
- الأطفال الذين كانت قدراتهم منخفضة في هذه المجالات كانوا أكثر عرضة لسلوكيات خارجية (مثل العدوان أو المقاومة) أو داخلية (مثل القلق والانطواء).
كما بينت الدراسة أن هناك ارتباطًا قويًا بين العمر التطوري العام والعمر اللغوي مع القدرة على التكيف الاجتماعي، بينما كان العمر الزمني أقل تأثيرًا. فالأطفال الذين لديهم مستوى لغوي أعلى لديهم فرصة أكبر لفهم المشاعر والأفكار، والتفاعل الاجتماعي بشكل أفضل، وتقليل مخاطر السلوكيات السلبية.
تحليل المجموعات (Cluster Analysis)
استخدم الباحثون تحليل المجموعات لتحديد مجموعتين رئيسيتين من الأطفال بناءً على قدراتهم في نظرية العقل. أظهرت المجموعة الأولى مستوى منخفض من القدرات، بينما كانت المجموعة الثانية تتمتع بمستوى أعلى، وارتبطت هذه المجموعة بعمر تطوري أعلى وكفاءة اجتماعية أفضل.
أهمية النتائج
توضح الدراسة أن فهم القدرات الاجتماعية والعاطفية لدى الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية ضروري لتقديم الدعم الفعال لهم. فمعرفة نقاط القوة والضعف في:
- نظرية العقل العاطفية والمعرفية،
- ومهارات معالجة المعلومات الاجتماعية
يساعد الأهل والمختصين على تصميم تدخلات تعليمية وعلاجية مخصصة، لتحسين مهارات التفاعل الاجتماعي، وتقليل السلوكيات غير المرغوبة، وزيادة فرص دمجهم بشكل أفضل في المدرسة والمجتمع.
توصيات للتطبيق العملي
- تنمية مهارات التعاطف وفهم المشاعر: من خلال لعب الأدوار، قراءة القصص، ومناقشة مشاعر الشخصيات.
- تعليم حل المشكلات الاجتماعية: تدريب الأطفال على التعرف على المواقف الاجتماعية، تفسيرها، ووضع حلول مناسبة.
- دعم اللغة والتواصل: بما أن العمر اللغوي مرتبط بالقدرة على التكيف الاجتماعي، يجب تشجيع الأطفال على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بالكلمات.
- التدخل المبكر: كلما تم العمل على هذه المهارات في سن مبكرة، كان تأثيرها أكبر على التكيف الاجتماعي لاحقًا.
خاتمة
تسلط هذه الدراسة الضوء على التنوع في قدرات الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية في فهم مشاعر وأفكار الآخرين ومعالجة المعلومات الاجتماعية. ومن خلال فهم هذه القدرات، يمكن للأهل والمختصين تصميم برامج تعليمية وعلاجية تساعد الأطفال على تطوير مهاراتهم الاجتماعية، وتحسين تكيفهم، وتقليل المخاطر المرتبطة بالسلوكيات الخارجية والداخلية.
باختصار، التركيز على الإدراك الاجتماعي هو مفتاح لمساعدة الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية على التفاعل بشكل إيجابي، وبناء علاقات صحية، والانخراط بفاعلية في محيطهم الاجتماعي.
المرجع :
Social Cognition in Children With Non-specific Intellectual Disabilities: An Exploratory Study
https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2020.01884/full





