ترجمة: أ. نوره الدوسري
تُعدّ العلاجات القائمة على الفنون والعلاج السايكوموتوري (الحركي-النفسي) من الأساليب العلاجية المهمة التي تُستخدم لمساعدة الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في تنظيم عواطفهم أو يعانون من اضطرابات في الشخصية. وتشمل هذه العلاجات: العلاج بالفن التشكيلي، العلاج بالرقص، العلاج بالدراما، العلاج بالموسيقى، والعلاج السايكوموتوري. ورغم انتشار هذه الأساليب في البرامج العلاجية، إلا أن قياس أثرها بدقة ظلّ تحدّيًا كبيرًا لسنوات، بسبب غياب أدوات مُخصّصة لهذا النوع من العلاجات.
ومن هنا جاءت أهمية تطوير مقياس SERAPTS، وهو أداة تم تصميمها لقياس تطوّر مهارات التعبير عن الذات وتنظيم الانفعالات لدى الأفراد أثناء مشاركتهم في العلاجات الإبداعية والسايكوموتورية. في هذا المقال، سنقدّم للأهل أهم ما توصلت إليه الدراسة الحديثة حول تطوير هذا المقياس والتحقق من موثوقيته، بطريقة واضحة وعملية.
ما هو مقياس SERAPTS؟ باختصار
المقياس هو نسخة مطوّرة من أداة سابقة كانت تُستخدم فقط في العلاج بالفن التشكيلي (SERATS). وبعد مطالبات من المختصين لاستخدامها في باقي أنواع العلاجات الإبداعية، قام الباحثون بتعديلها لتصبح مناسبة لكل المجالات التالية:
- العلاج بالموسيقى
- العلاج بالرقص
- العلاج بالدراما
- العلاج السايكوموتوري
- العلاج بالفنون التشكيلية
المقياس مكوّن من 9 عبارات فقط، يجيب عليها المتعالج وفق مقياس من 5 درجات (من “أبدًا” إلى “دائمًا تقريبًا”). وتهدف هذه العبارات لقياس مدى قدرة الشخص على:
- التعبير عن مشاعره
- استخدام الفن كوسيلة للتنفيس الانفعالي
- التفاعل الصادق مع التجربة الفنية
- تطوير فهمه لذاته
- تحسين مهاراته في التعامل مع العواطف الصعبة
بكلمات أبسط: هل تساعد الجلسات الفنية المتعالجَ على الشعور، وعلى فهم نفسه، وعلى التعامل بشكل أفضل مع مشاعره؟
لماذا احتاج الأخصائيون لهذا المقياس؟
العلاجات الإبداعية مختلفة بطبيعتها عن العلاجات الأخرى التي تعتمد على الحوار أو التفكير المعرفي. فهي تعتمد على التجربة، الحركة، الإحساس بالجسد، والأداء الفني.
ومع غياب أداة متخصّصة لقياس التغيّر الذي يحدث خلال هذه الجلسات، كان الأخصائيون مضطرين لاستخدام مقاييس لا تناسب طبيعة العلاج. وهذا يسبب مشكلتين:
- عدم القدرة على قياس الأثر الحقيقي لجلسات الفن أو الحركة.
- صعوبة متابعة تطور المتعالج واتخاذ قرارات علاجية دقيقة.
أما الآن، فمقياس SERAPTS يسمح بقياس تغيّرات حقيقية تتعلق بالمشاعر، التعبير، والوعي الذاتي.
من شارك في الدراسة؟
شملت الدراسة:
- 96 مشاركًا يعانون من مشكلات في تنظيم العواطف أو اضطرابات شخصية من الفئة B أو C.
- جميع المشاركين كانوا يتلقون واحدًا أو أكثر من العلاجات الإبداعية أو السايكوموتورية.
- لم يُسمح بمشاركة من هم أقل من 18 عامًا.
كما حرص الباحثون على معايير أخلاقية صارمة، منها الموافقة الخطية، حماية البيانات، وحرية الانسحاب من الدراسة في أي وقت.
ما الذي قامت الدراسة بقياسه فعليًا؟
ركزت الدراسة على جانبين مهمين:
1. مدى موثوقية المقياس (Reliability)
أي: هل يعطي المقياس نتائج ثابتة ودقيقة؟
2. مدى قدرته على رصد التغيّر بمرور الوقت (Sensitivity to Change)
أي: هل يستطيع المقياس اكتشاف التحسن الفعلي لدى المتعالج خلال فترة العلاج؟
النتائج المهمة التي يجب أن يعرفها الأهل
أولًا: المقياس عالي الموثوقية لجميع أنواع العلاجات
أظهر المقياس نتائج ممتازة:
- الموثوقية العامة لجميع العلاجات: 0.95
- العلاج بالموسيقى: 0.95
- العلاج السايكوموتوري: 0.95
- العلاج بالدراما: 0.89
- العلاج بالرقص: 0.88
أي أن المقياس دقيق وقابل للاستخدام في جميع هذه المجالات.
ثانيًا: المقياس قادر على رصد التحسن خلال 3 أشهر
شارك 67 متعالجًا في الاختبار الثاني بعد مرور 3 أشهر، وأظهرت النتائج:
- زيادة واضحة في الدرجات عند القياس الثاني.
- تأثير علاجي متوسط القوة (Cohen’s d = 0.54).
- أي أن المتعالجين أصبحوا أكثر قدرة على التعبير، وأفضل في التعامل مع مشاعرهم.
في بعض أنواع العلاج، كان التحسن كبيرًا جدًا، لكن حجم العيّنة الصغيرة في بعض المجموعات جعل النتائج أقل وضوحًا في مجالي الموسيقى والرقص.
ما الذي تعنيه النتائج للأهل؟
1. العلاجات الإبداعية ليست مجرد أنشطة ممتعة
الدراسة تشير بوضوح إلى أن:
- الجلسات الفنية
- الحركة
- الدراما
- الموسيقى
كلها أدوات علاجية فعّالة تساعد على:
- تحسين الوعي بالمشاعر
- التعامل بشكل صحي مع الانفعالات
- تعزيز التعبير عن الذات
- تطوير فهم الذات
- تقوية مهارات التهدئة وتنظيم الانفعال
وهذا مهم جدًا خاصةً لمن لديهم مشكلات في التحكم بالمشاعر أو يعانون من توتر داخلي مرتفع.
2. أصبح لدى الأخصائيين الآن أداة واضحة لقياس التحسن
بدل الاعتماد على الملاحظات العامة، يتيح المقياس:
- تقييم التقدم كل 3 أشهر
- تحديد ما إذا كان العلاج يحقق النتائج المطلوبة
- معرفة ما إذا كان الطفل أو المراهق أو البالغ بحاجة لتعديل الخطة العلاجية
- مناقشة التحسن مع الأهل بطريقة ملموسة وواضحة
وهذا يعطي الأسرة رؤية أوضح حول فاعلية العلاج.
3. المقياس يدعم التواصل بين الأهل والأخصائيين
عندما يرى الأهل نتائج مبنية على تقييمات واضحة، يصبح:
- التعاون أسهل
- تحديد الأهداف أدق
- متابعة المسار العلاجي أكثر شفافية
كيف يمكن للأهل الاستفادة من هذا المقياس؟
1. اسألوا الأخصائي عمّا إذا كان يستخدم SERAPTS
وجود تقييم دوري كل 3 أشهر يساعدكم على معرفة:
- هل يحقق طفلك تقدّمًا؟
- هل يحتاج إلى تعديل في نوع النشاط؟
- هل يدخل العلاج في مسارًا إيجابيًا؟
2. راقبوا مؤشرات التحسن اليومية
قد تشمل:
- تعبير أفضل عن المشاعر
- تهدئة أسرع عند الانزعاج
- وعي أكبر بالجسد
- قدرة على تسمية المشاعر
- تحسن في الثقة بالنفس
3. اسألوا: ما هي الفنون أو الأنشطة التي تحقق لطفلي أفضل تطور؟
فبعض الأطفال يتجاوبون أكثر مع الموسيقى، وآخرون مع الحركة أو الفن التشكيلي.
الخلاصة
تؤكد هذه الدراسة أن العلاجات الإبداعية والسايكوموتورية ليست مجرد أنشطة، بل تدخلات علاجية فعّالة تساهم في تحسين مهارات التعبير وتنظيم الانفعالات. كما يقدّم مقياس SERAPTS طريقة علمية واضحة لمتابعة تحسن المتعالجين بمرور الوقت.
وباختصار، المقياس:
- دقيق وموثوق
- يعمل مع جميع أنواع العلاج الإبداعي
- يكشف التحسن خلال 3 أشهر فقط
- يساعد الأهل والأخصائيين على اتخاذ قرارات علاجية صحيحة
إن وجود أداة مثل SERAPTS يمثّل خطوة مهمة نحو جعل العلاج أكثر وضوحًا وقابلية للقياس، وهو ما ينعكس في النهاية على تحسين حياة المتعالجين وأسرهم.
المرجع :
Monitoring arts and psychomotor therapies: Further development and validation of the Self-expression and Emotion-Regulation in Arts and Psychomotor Therapies Scale (SERAPTS)
https://journals.plos.org/plosone/article?id=10.1371/journal.pone.0336170





