الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

ضعف التكامل الحسي لدى الأطفال: عندما تصبح الحواس مصدر إرباك لا أداة تنظيم

 

ترجمة: أ. سما خالد 

 

المقدمة
في عالم الاطفال, تلعب الحواس دورًا محوريًا في استكشاف البيئة وفهم الذات والآخرين. فكل تفاعل مع الأصوات، واللمسات، والحركة، والروائح، يساهم في بناء تجربة الاطفال الإدراكية والانفعالية. لكن ماذا لو كانت هذه الحواس لا تعمل بتناغم؟ أو كانت ترسل إشارات مشوشة إلى الدماغ؟ هذا ما يحدث لدى الأطفال مشخصين باضطراب التكامل الحسي، وهو اضطراب نمائي عصبي يؤثر على قدرة الدماغ في معالجة وتفسير المعلومات الحسية الواردة من البيئة ومن الجسم نفسه. قد تبدو الاستجابة مبالغًا فيها، أو منعدمة، أو غير مناسبة للموقف، مما يسبب ارتباكًا في الأداء الحركي والانفعالي والسلوكي لدى الأطفال.

تسلط هذه المقالة الضوء على اضطراب التكامل الحسي كأحد التحديات النمائية التي تؤثر في جودة حياة الأطفال، وتتناول خصائصه، أنواعه، علاقته بالاضطرابات النمائية الأخرى، وأفضل استراتيجيات التدخل والدعم الأسري والتربوي.

ما هو اضطراب التكامل الحسي؟
التكامل الحسي هو العملية التي ينظم بها الجهاز العصبي المعلومات الحسية التي يتلقاها من الجسم والبيئة، مثل اللمس، التوازن، الحركة، الصوت، التذوق، والشم. يتيح هذا التكامل للطفل اتخاذ قرارات واستجابات ملائمة، مثل الانتباه للصوت المهم، أو تجنب خطر ما، أو تنظيم وضعية الجسم أثناء الجلوس أو اللعب. أما اضطراب التكامل الحسي، فهو خلل في هذه العملية، يجعل الاستجابات غير متناسبة مع المثيرات، مما يعيق التعلم، والانتباه، والمشاركة الاجتماعية، والأنشطة اليومية.

أنواع اضطرابات التكامل الحسي
يأخذ هذا الاضطراب أشكالًا متعددة، منها:

  • فرط الاستجابة للمثيرات الحسية: حيث يستجيب الأطفال بشدة مفرطة للمثيرات العادية، مثل رفض الملابس الضيقة، أو الانزعاج من الأصوات المتوسطة، أو تجنب اللمس.

  • نقص الاستجابة للمثيرات: يبدو الأطفال في هذا النوع غير واعين بما يجري حولهم، يتجاهلون الأصوات، لا يتفاعلون مع الألم أو الحرارة، أو يظهرون سلوكيات كأنهم “في عالم آخر”.

  • السعي الحسي: يسعى الأطفال إلى تجارب حسية مكثفة، مثل القفز المستمر، أو ضرب الأشياء، أو لمس كل ما هو حولهم.

  • صعوبات في التمييز الحسي: يعجز الأطفال عن التمييز بين الأصوات أو الاتجاهات أو نسيج الأشياء، مما يربكهم في التعلم أو اللعب.

  • صعوبات في التنظيم الحسي الحركي: تؤثر في التناسق والتوازن وتخطيط الحركات، وتُلاحظ في الكتابة، واللبس، وتسلسل الأنشطة.

كيف يؤثر الاضطراب على حياة الأطفال؟
يظهر التأثير في نواحٍ متعددة، أبرزها:

  • البيئة المدرسية: قد يواجه الأطفال صعوبات في التركيز داخل الصف، أو الخوف من النشاطات الحركية، أو رفض الأنشطة التي تتضمن لمسات أو أصوات مفاجئة، مما يعرقل التحصيل الأكاديمي والمشاركة الصفية.

  • العلاقات الاجتماعية: تؤدي الاستجابات غير النمطية للمثيرات إلى عزلة أو رفض من الأقران، فيصعب على الأطفال بناء صداقات أو المشاركة في الألعاب الجماعية.

  • البيئة المنزلية: قد يتعارض سلوك الأطفال مع التوقعات الأسرية، فيظهرون مقاومة شديدة للروتين اليومي مثل اللبس أو الاستحمام أو تناول الطعام، ما يسبب ضغطًا على الأسرة.

العلاقة مع الاضطرابات النمائية الأخرى
يشيع اضطراب التكامل الحسي لدى الأطفال مشخصين باضطراب طيف التوحد، حيث يُعتبر أحد السمات المصاحبة، وليس من شروط التشخيص. كذلك يظهر عند بعض الأطفال مشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، حيث يُضاف على صعوبات الانتباه سلوكيات مرتبطة بالسعي أو الانسحاب الحسي. وقد يُلاحظ أيضًا لدى بعض الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية، أو صعوبات التعلم، أو حتى الأطفال الذين مروا بتجارب حرمان بيئي مبكر.

التشخيص والتقييم
لا يوجد اختبار طبي حاسم لتشخيص اضطراب التكامل الحسي، بل يعتمد التقييم على ملاحظة السلوكيات الحسية في مواقف متنوعة، وإجراء اختبارات معيارية متخصصة على يد اختصاصي العلاج الوظيفي المدرب. يشمل التقييم معلومات من الأسرة والمعلمين حول أنماط استجابات الأطفال، وسلوكهم في المواقف الحسية المختلفة، كما يتم ملاحظة الأداء الحركي والوظيفي في اللعب والأنشطة المنظمة.

استراتيجيات التدخل والدعم
يعتمد التدخل على مبدأ “النظام العصبي قابل للتغيير”، أي أن التكرار والتدريب يمكن أن يعيد تنظيم الاستجابات الحسية بمرور الوقت. وتشمل برامج العلاج:

  • العلاج الوظيفي القائم على التكامل الحسي: يُقدَّم في بيئة مصممة خصيصًا، ويهدف إلى تعريض الأطفال لمثيرات حسية مضبوطة، وتحفيز الاستجابات التكيفية. يُركز على المرح، والانخراط التفاعلي، وتحقيق أهداف فردية لكل طفل.

  • تصميم بيئة حسية منظمة: سواء في المدرسة أو البيت، مثل تقليل المحفزات المشتتة، استخدام أدوات تهدئة حسية، أو تعديل الأنشطة.

  • تدريب الأسرة والمعلمين: لفهم خصائص الأطفال وتجنب العقاب أو التفسير الخاطئ للسلوك، وتمكينهم من تعديل المواقف اليومية لمواءمة الاحتياجات الحسية.

  • الدعم النفسي: قد يحتاج بعض الأطفال إلى جلسات نفسية لتقوية ثقتهم بأنفسهم، وتعلم مهارات التنظيم الانفعالي، خاصة في الحالات التي ترافقها صعوبات اجتماعية أو قلق.

أهمية التدخل المبكر
كلما تم التعرف على الاضطراب في وقت مبكر، زادت فرص تعديل المسارات العصبية وتحسين مهارات الأطفال. الأطفال لا “يتجاوزون” اضطراب التكامل الحسي من تلقاء أنفسهم، بل يحتاجون إلى تدخل متخصص يراعي الفروق الفردية، ويساعدهم على استعادة قدرتهم على التنظيم والتفاعل والتعلم.

الخاتمة
اضطراب التكامل الحسي لا يُعد عائقًا حتميًا أمام النمو، بل هو تحدٍّ يمكن مواجهته بالتفهم، والتقييم الدقيق، والتدخل العلمي المتخصص. فهم الأطفال في ضوء خصائصهم الحسية، وتوفير بيئة داعمة، يمكن أن يُحدث تحولًا حقيقيًا في تجربتهم التعليمية والاجتماعية والعاطفية. علينا أن ننظر إلى الأطفال لا من خلال سلوكياتهم فقط، بل من خلال ما يشعرون به حسيًا. عندما نغير البيئة، ونقدم الدعم المناسب، يمكن للأطفال أن يزدهروا، ويتفاعلوا مع عالمهم بثقة واتزان.

 

المراجع (APA 7):ش

Ayres, A. J. (2005). Sensory Integration and the Child: Understanding Hidden Sensory Challenges. Western Psychological Services.

Schaaf, R. C., & Mailloux, Z. (2015). Clinician’s guide for implementing Ayres Sensory Integration: Promoting participation for children with autism. Autism: The Movement Perspective, 201–220.

Bundy, A. C., Lane, S. J., & Murray, E. A. (Eds.). (2002). Sensory integration: Theory and practice (2nd ed.). F.A. Davis Company.

American Occupational Therapy Association. (2020). Occupational therapy’s role with sensory integration. https://www.aota.org/practice/practice-essentials/sensory-integration