الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

المرونة النفسية والصدمات و التكيّف

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

مقدمة

تتناول هذه الدراسة العلاقة بين المرونة النفسية (Resilience)، التعرّض للصدمات النفسية (Trauma)، واستراتيجيات التكيّف (Coping Mechanisms). وتُعدّ هذه المفاهيم من أكثر المواضيع أهمية في مجال علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس الإيجابي، نظرًا لتأثيرها المباشر على الصحة النفسية وجودة الحياة بعد المرور بتجارب مؤلمة مثل فقدان شخص، أو الكوارث الطبيعية، أو الحوادث، أو العنف الأسري.

تشير الدراسة إلى أن المرونة النفسية ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان، بل مهارة يمكن تطويرها عبر الممارسة، والدعم الاجتماعي، واكتساب مهارات التكيّف الصحي. كما تُبرز أهمية فهم كيفية استجابة الأفراد للصدمات، لأن هذه الاستجابات تختلف بشكل كبير بين الأفراد حسب بيئتهم، شخصيتهم، ومستوى الدعم الذي يتلقونه.

 

مفهوم المرونة النفسية

المرونة النفسية هي القدرة على التكيّف مع الشدائد والتعافي بعد المواقف الصعبة. لا تعني غياب المشاعر السلبية أو الألم، بل القدرة على التعامل معها بطريقة بنّاءة تمنعها من تدمير الأداء النفسي والاجتماعي للأفراد.



ترتبط المرونة بعدة عوامل، من أهمها:

  1. الدعم الاجتماعي: وجود شبكة دعم من الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين النفسيين يساعد الأفراد على استعادة التوازن بعد الصدمة.
  2. المهارات المعرفية والسلوكية: مثل التفكير الواقعي، والقدرة على حل المشكلات، وإدارة الانفعالات.
  3. المعنى الشخصي والتفاؤل: الأفراد الذين يملكون هدفًا في حياتهم يتعاملون مع الصدمات بشكل أكثر ثباتًا.
  4. التنظيم العاطفي: أي قدرة الأفراد على تهدئة نفسهم عند القلق أو الغضب.

 

الصدمات النفسية وتأثيرها

تُعرّف الصدمة بأنها تجربة تتجاوز قدرة الفرد على التحمّل النفسي، وقد تترك آثارًا عميقة على المشاعر، التفكير، والسلوك. تختلف الاستجابة للصدمة من فرد إلى آخر، فبعض الأفراد يتعافون بسرعة نسبية، بينما يعاني آخرون من اضطرابات طويلة الأمد مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

تشير الدراسة إلى أن ليست الصدمة نفسها هي التي تحدد مدى الضرر النفسي، بل طريقة تعامل الشخص معها. فمثلاً، شخصان يتعرضان لحادث مشابه قد يظهر أحدهما علامات اكتئاب واضطراب بينما يتعافى الآخر بمرور الوقت، والفرق بينهما غالبًا هو مستوى المرونة والتكيّف.





آليات التكيّف: كيف يتعامل الناس مع الصدمات؟

تُقسّم آليات التكيّف إلى نوعين رئيسيين:

  1. التكيّف الإيجابي (Adaptive coping):
    ويشمل استراتيجيات مثل:
    • طلب الدعم الاجتماعي.
    • ممارسة التأمل أو الأنشطة الهادئة.
    • التفكير المنطقي وتقبّل ما لا يمكن تغييره.
    • استخدام الفكاهة أو الإبداع للتعامل مع الألم.

  2. التكيّف السلبي (Maladaptive coping):
    مثل:
    • الإنكار أو تجنب الحديث عن الصدمة.
    • الإفراط في الأكل أو التدخين أو استخدام المواد المخدّرة.
    • السلوك العدواني أو الانعزال التام.

تؤكد الدراسة أن الاعتماد على أساليب التكيّف الإيجابية هو ما يميز الأفراد ذوي المرونة العالية. فهؤلاء لا يتجاهلون مشاعرهم، بل يعترفون بها ويعملون على تجاوزها بأساليب واقعية وصحية.

 

العلاقة بين المرونة و التعافي النفسي

وجدت الدراسة أن الأفراد ذوي المرونة العالية لديهم قدرة أكبر على تجاوز آثار الصدمات، ويكون لديهم معدلات أقل من الاكتئاب، القلق، واضطراب ما بعد الصدمة.
كما أظهرت النتائج أن المرونة تتوسط العلاقة بين التعرّض للصدمات ومستوى التكيّف؛ أي أن الأفراد المرنين أكثر قدرة على تحويل الصدمة إلى تجربة تعليمية أو مصدر للنمو الشخصي.

من الأمثلة على ذلك:

  • الأفراد الذين واجهوا فقدانًا شخصيًا كبيرًا، لكنهم استخدموا التجربة لتقدير الحياة أكثر أو لتقوية علاقتهم بعائلاتهم.
  • الناجون من الكوارث الذين تحولوا إلى داعمين للآخرين بعد تعافيهم.

هذا التحول من المعاناة إلى النمو يسمى أحيانًا النمو بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth)، وهو أحد مؤشرات المرونة العالية.

 

العوامل التي تساعد على بناء المرونة بعد الصدمة

تؤكد الدراسة على أهمية عدة عوامل تساهم في تعزيز المرونة بعد التعرض لصدمات نفسية، وتشمل:

  1. الوعي الذاتي:
    إدراك الأفراد لأفكارهم ومشاعرهم، ومعرفة نقاط القوة والضعف لديهم.
  2. الدعم الأسري والاجتماعي:
    الأفراد الذين لديهم علاقات داعمة يكونون أقل عرضة للانهيار النفسي.
  3. العلاج النفسي:
    مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) الذي يساعد في تعديل أنماط التفكير السلبية.
  4. الرعاية الذاتية:
    الاهتمام بالنوم، التغذية، والنشاط البدني المنتظم له تأثير مباشر على الصحة النفسية.
  5. إعادة بناء المعنى:
    الأفراد الذين يعيدون تفسير الصدمة بطريقة تمنحها معنى إيجابيًا — كاعتبارها تجربة للنمو أو فرصة للتغيير — يتعافون بسرعة أكبر.

 

النتائج الأساسية للدراسة

  1. المرونة النفسية ليست خاصية فطرية، بل مهارة يمكن تنميتها بالممارسة والدعم.
  2. الأفراد ذوو المرونة العالية أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط والتعافي بعد الصدمات.
  3. استخدام استراتيجيات تكيّف فعّالة (مثل التواصل الاجتماعي والتفكير الإيجابي) يقلل من احتمالية الإصابة بالاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة.
  4. التعرض للصدمات لا يعني بالضرورة الانهيار؛ فالبعض يستخدم الصدمة كحافز للتطور الذاتي والنضج النفسي.
  5. المرونة ترتبط بالقدرة على التنظيم العاطفي والتعامل الواقعي مع الأحداث.

دلالات عملية للأخصائيين والأهالي

  1. تعزيز الدعم النفسي المبكر:
    التدخل المبكر بعد الصدمات (مثل تقديم جلسات دعم نفسي) يساعد على منع تراكم الأعراض النفسية.
  2. تدريب الأطفال والمراهقين على مهارات التكيّف:
    مثل التعبير عن المشاعر بطرق صحية، وحل المشكلات، وطلب المساعدة عند الحاجة.
  3. استخدام برامج تعزيز المرونة في المدارس ومراكز الرعاية:
    إذ تُظهر الأبحاث أن برامج التدريب على التنظيم العاطفي والتفكير الواقعي تقلل من القلق والاكتئاب.
  4. التركيز على العلاقات الاجتماعية:
    إذ تشكل شبكة الدعم الاجتماعي عاملاً رئيسيًا في التعافي، سواء من الأسرة أو الأصدقاء أو مجموعات الدعم.
  5. العلاج النفسي القائم على الصدمة:
    مثل العلاج بالتعرض التدريجي أو العلاج المعرفي السلوكي، وهو فعال في تعديل الأفكار السلبية الناتجة عن الصدمة.

الخلاصة

توضح هذه الدراسة أن المرونة النفسية تمثل جسرًا بين الصدمة والتعافي، وأن امتلاك مهارات التكيّف الصحي والدعم الاجتماعي يمكن أن يحوّل التجارب المؤلمة إلى فرص للنمو.
فبدلًا من النظر إلى الصدمة كحدث مدمّر فقط، يمكن التعامل معها كمحطة لتعلّم الصبر، والوعي الذاتي، وتقدير الحياة.

إن تعليم الأفراد — خصوصًا الأطفال والمراهقين — كيفية التكيّف مع الأزمات يعد خطوة أساسية للوقاية من الاضطرابات النفسية المستقبلية.
وفي المقابل، يحتاج المختصون إلى تصميم برامج تركّز على تعزيز المرونة والمهارات العاطفية والسلوكية، لأنها تمثل أحد أقوى عوامل الحماية النفسية في مواجهة تحديات الحياة.

 

المرجع :

 

RESILIENCE, TRAUMA, AND COPING: 

https://guilfordjournals.com/doi/pdf/10.1521/pdps.2022.50.2.382