الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

اضطراب التعلّق التفاعلي عند الأطفال: الجذور العميقة لغياب الثقة

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

في السنوات الأولى من حياة الطفل، تتشكل أهم روابطه النفسية والاجتماعية من خلال علاقته بمقدمي الرعاية. لكن عندما تكون هذه العلاقة مشوّهة أو غائبة، قد لا يُظهر الطفل مشاعر التعلّق الطبيعية، وقد نلاحظ برودًا عاطفيًا، صعوبة في تكوين علاقات، أو سلوكًا عدوانيًا غير مفسَّر. في هذه الحالة، قد نكون أمام اضطراب نادر ولكن خطير يُعرف بـ اضطراب التعلّق التفاعلي (Reactive Attachment Disorder – RAD)، وهو أحد الاضطرابات التي تبدأ في الطفولة المبكرة نتيجة الإهمال العاطفي الشديد أو الانفصال المتكرر عن الراعي الأساسي.

أولًا: التعريف والأعراض الرئيسية

وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي الخامس DSM-5، يُعرف اضطراب التعلّق التفاعلي بأنه نمط ثابت من الانسحاب العاطفي تجاه البالغين مقدمي الرعاية، ناتج عن إهمال عاطفي شديد أو تغيّرات متكررة في بيئة الرعاية. وتشمل أعراضه:

  • لا يسعى الطفل للراحة أو الطمأنينة من البالغين عند الانزعاج

  • لا يُظهر استجابة عندما يُقدَّم له الدعم العاطفي

  • يظهر عليه برود عاطفي واضح (قلة الابتسام، غياب التفاعل البصري)

  • تأخر في النمو الاجتماعي والانفعالي

  • سلوك عدواني أو لا مبالاة تجاه الآخرين

ثانيًا: الأسباب والعوامل المرتبطة

1. تاريخ من الإهمال أو الحرمان

يُعد العامل الرئيسي في ظهور RAD، خاصة لدى الأطفال الذين نشأوا في مؤسسات رعاية، أو مروا بتجارب تنقل متكرر بين العائلات الحاضنة.

2. تجارب الطفولة المبكرة

مثل فقدان مقدم الرعاية الرئيسي، الإساءات الجسدية أو العاطفية، أو غياب التفاعل الوجداني الطبيعي.

3. الحرمان من العلاقات المستمرة

عندما لا تتاح للطفل فرصة لبناء علاقة مستقرة مع شخص بالغ يمكنه الوثوق به، قد يطور نمطًا من الانفصال العاطفي واللامبالاة.

ثالثًا: الفرق بين RAD واضطرابات أخرى

من المهم التمييز بين RAD و:

  • التوحد: إذ يتسم التوحد بعجز في التواصل الاجتماعي العام، بينما يظهر RAD في الغالب ضمن السياق العاطفي المرتبط بالعلاقات.

  • اضطراب التعلّق المتعلق بالتفاعل الاجتماعي المفرط (Disinhibited Social Engagement Disorder – DSED): حيث يتجه الطفل في DSED إلى الإفراط في التعلق بالغرباء، على عكس انسحاب الطفل في RAD.

رابعًا: السلوكيات الشائعة

من أبرز ما يظهر على الأطفال المصابين بـ RAD:

  • قلة الابتسام حتى مع الأقارب

  • عدم الاستجابة عند البكاء أو الوقوع في مواقف تستدعي الراحة

  • عناد حاد وسلوك عدواني في مواقف غير مستفزة

  • صعوبة في تكوين علاقات مع الأقران

  • ردود فعل متطرفة (إما انسحاب تام أو غضب مفاجئ)

خامسًا: تأثير الاضطراب على الطفل والأسرة

1. الآثار النفسية

قد يعاني الطفل من مشاعر مزمنة من القلق، ضعف الثقة بالآخرين، وانعدام الأمان، مما يؤثر لاحقًا على تكوين هويته الذاتية.

2. على الأسرة

يشعر مقدمو الرعاية بالعجز والإحباط نتيجة رفض الطفل للعاطفة أو اقترابهم، ما قد يُنتج دائرة من الرفض المتبادل.

3. على التعلم والسلوك

تظهر صعوبات في الانتباه والانضباط داخل الصف، ومشكلات في مهارات اللعب الجماعي، وتأخر في التنظيم الانفعالي.

سادسًا: استراتيجيات التدخل – تكامل بين الأساليب النفسية والسلوكية

1. العلاج النفسي المرتكز على العلاقات (Attachment-Based Therapy)

يساعد الطفل على تطوير روابط آمنة عبر:

  • جلسات ثنائية مع مقدم الرعاية لتعزيز التفاعل الإيجابي

  • استكشاف مشاعر الخوف والخذلان المرتبطة بالتجارب المبكرة

  • بناء نموذج داخلي للثقة عبر الاستجابة المتسقة من البالغين

2. تحليل السلوك التطبيقي (ABA)

يُستخدم ABA في هذا السياق لمعالجة السلوكيات السطحية الناتجة عن RAD، مثل:

  • تعزيز الاستجابات الاجتماعية (الابتسام، التواصل البصري)

  • تصميم جداول تعزيز للسلوكيات التي تعزز التعلّق الآمن

  • منع التعزيز غير المقصود لسلوكيات الانسحاب أو العدوان

3. التدريب الأسري

يتم تدريب الوالدين أو مقدمي الرعاية على:

  • تقديم دعم ثابت وغير مشروط، حتى في حال الرفض

  • فهم الخلفية العاطفية وراء التصرفات الظاهرية

  • الصبر على بطء تكوّن الروابط مع الطفل

4. دور المدرسة

تحتاج المدرسة إلى:

  • تقليل التبديل بين المعلمين

  • تقديم مهام فردية مع إشراف بالغ مستقر

  • دمج الطفل في مجموعات صغيرة لبناء الثقة تدريجيًا

سابعًا: التحديات في التشخيص والعلاج

يشكل RAD تحديًا بسبب:

  • صعوبة حصول الأخصائيين على تاريخ موثوق للرعاية المبكرة

  • تداخل الأعراض مع اضطرابات أخرى

  • مقاومة الطفل للعلاج أو للعلاقة مع المُعالج نفسه

ثامنًا: المستقبل والمآل طويل المدى

مع التدخل المبكر والدعم العاطفي المنهجي، يمكن للأطفال المصابين بـ RAD أن يتعلموا بناء علاقات مستقرة وتطوير مهارات اجتماعية مناسبة. لكن غياب التدخل قد يؤدي إلى:

  • اضطرابات شخصية لاحقًا (خاصة اضطراب الشخصية الحدية أو المعادية للمجتمع)

  • مشاكل مستمرة في العلاقات

  • ضعف الأداء الأكاديمي والاجتماعي المستمر

خاتمة

اضطراب التعلّق التفاعلي ليس نتيجة “برود عاطفي فطري”، بل هو انعكاس لألم مبكر في مسار النمو النفسي. وما يحتاجه هؤلاء الأطفال ليس اللوم أو العقاب، بل بيئة من الثبات، التعاطف، والتدخل المتخصص الذي يساعدهم على ترميم الثقة، وتعلم كيف يحبون ويُحبّون. إن إدراك هذا الاضطراب والعمل عليه مبكرًا هو استثمار في بناء طفل آمن من الداخل، قادر على التفاعل، والانتماء، والازدهار.

المراجع (بتوثيق APA 7)

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.).

  • Zeanah, C. H., & Gleason, M. M. (2015). Reactive attachment disorder: A review for DSM-5. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 54(11), 837–844.

  • Chaffin, M., et al. (2006). Report of the APSAC task force on attachment therapy, reactive attachment disorder, and attachment problems. Child Maltreatment, 11(1), 76-89.

  • Miltenberger, R. G. (2016). Behavior modification: Principles and procedures (6th ed.). Cengage Learning.