ترجمة: أ. سما خالد
المقدمة
في عالم تتسارع فيه الضغوط والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والصحية، باتت القدرة على التكيف مع الأزمات والحفاظ على التوازن النفسي مهارة حاسمة للحياة اليومية. هذا ما يُطلق عليه علميًا مصطلح “المرونة النفسية” (Psychological Resilience)، والذي أصبح من المفاهيم المركزية في علم النفس الإيجابي والصحة العقلية الوقائية. لا تشير المرونة إلى غياب المشكلات أو إنكار الألم، بل إلى القدرة على مواجهتهما دون الانهيار النفسي أو السلوكي، والعودة إلى حالة من الاتزان بعد المرور بالشدائد. إنها قدرة ديناميكية تتشكل عبر التفاعل بين العوامل البيولوجية والنفسية والبيئية، ويمكن تعزيزها بالتدريب والممارسة. من هذا المنطلق، تتناول هذه المقالة المفهوم العلمي للمرونة النفسية، أسسها البيولوجية والنفسية، علاقتها بالصحة العقلية، ودور التدخلات السلوكية والتربوية والعلاجية الحديثة في تعزيزها عبر مراحل الحياة.
تعرف الجمعية الأمريكية لعلم النفس المرونة النفسية بأنها العملية الديناميكية التي تمكّن الأفراد من التكيف الإيجابي مع الشدائد أو الصدمات أو مصادر الضغط المزمنة مثل الفقر أو المرض. وبذلك فهي ليست سمة ثابتة يولد بها بعض الأفراد ويفتقدها آخرون، بل عملية قابلة للنمو والتطور. المرونة لا تعني تجاهل المشاعر السلبية أو القسوة على الذات، وإنما تعني قدرة الفرد على احتواء هذه المشاعر وتنظيمها واستعادة التوازن الداخلي بعد الاضطراب. ولهذا تُعد المرونة من أهم العوامل الحامية في الوقاية من الاضطرابات النفسية وتقليل احتمالية تطورها عند التعرض للضغوط المستمرة.
تشير الدراسات الحديثة في علم الأعصاب إلى أن المرونة النفسية ترتبط بنمط تفاعل متوازن بين القشرة الجبهية المسؤولة عن التنظيم التنفيذي واتخاذ القرار، والجهاز الحوفي المرتبط بالاستجابات الانفعالية. الأفراد الأكثر مرونة يظهر لديهم نشاط تنظيمي أعلى في القشرة الجبهية يسمح بإعادة تقييم المواقف الضاغطة بدلاً من الانغماس في الاستجابات الانفعالية الحادة. كما أن التوازن في إفراز هرمونات الضغط مثل الكورتيزول يلعب دورًا مهمًا في تقليل الاستجابات الفسيولوجية المفرطة للمواقف الضاغطة. هذا التفاعل العصبي الهرموني يفسر لماذا يستطيع بعض الأفراد مواجهة الأزمات بهدوء نسبي مقارنة بآخرين. ولا يقل تأثير العوامل النفسية والتربوية أهمية عن العوامل البيولوجية، إذ إن وجود علاقات آمنة داعمة في المراحل المبكرة من الحياة، وتعزيز الاستقلالية، وتنمية الشعور بالكفاءة الذاتية، كلها عوامل تؤسس لبنية نفسية أكثر مرونة في مواجهة تحديات الحياة لاحقًا.
ترتبط المرونة النفسية ارتباطًا وثيقًا بالصحة العقلية، حيث أظهرت الدراسات أن الأفراد ذوي المرونة المرتفعة أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، حتى عند تعرضهم لأحداث ضاغطة شديدة. كما ترتبط المرونة بمؤشرات إيجابية للرفاه النفسي مثل الرضا عن الحياة، والشعور بالمعنى، وجودة العلاقات الاجتماعية. وتشير الدراسات الطولية إلى أن المرونة لا تقي فقط من الاضطرابات، بل تسرّع أيضًا من التعافي عند حدوثها، مما يجعلها عنصرًا محوريًا في الوقاية والعلاج على حد سواء. فالأشخاص الذين يمتلكون مرونة نفسية أعلى يتمكنون من استعادة توازنهم بسرعة بعد الفقد أو الأزمات الاقتصادية أو الأمراض المزمنة دون الدخول في دوائر مطولة من الانسحاب أو الاضطراب الانفعالي.
من منظور تحليل السلوك التطبيقي، لا تُفهم المرونة النفسية كحالة داخلية مجردة فحسب، بل كسلوك يمكن ملاحظته وتعليمه وتعزيزه. فعندما يتعلم الأفراد المحاولة مجددًا بعد الفشل، أو استخدام مهارات حل المشكلات بدلاً من الانسحاب، أو طلب الدعم بدلاً من العزلة، فإنهم يمارسون أنماطًا سلوكية تعكس المرونة. يمكن تعزيز هذه الأنماط من خلال التعزيز التفاضلي للسلوكيات المرنة، وتعليم بدائل سلوكية صحية، والتعرض التدريجي للمواقف الضاغطة لبناء التحمل الانفعالي. كما يسهم تشكيل السلوك من خلال تعزيز المحاولات الجزئية في ترسيخ هذه القدرة بشكل تدريجي. هذا المنظور السلوكي يفتح المجال أمام تصميم برامج تدريبية عملية للأطفال والمراهقين وأسرهم تساعدهم على اكتساب آليات مواجهة فعّالة قابلة للتعميم في الحياة اليومية.
تعزيز المرونة النفسية يتطلب بيئة داعمة وتدخلات واعية تتكامل فيها الجوانب التربوية والسلوكية والعلاجية. وجود شبكة اجتماعية داعمة من الأسرة والأصدقاء يخفف من أثر الضغوط ويمنح الفرد شعورًا بالأمان النفسي. كما أن تعليم مهارات التنظيم الذاتي مثل التعرف على المشاعر، واستخدام استراتيجيات التهدئة، وطلب المساعدة عند الحاجة، يعزز قدرة الفرد على إدارة انفعالاته. ويسهم العلاج المعرفي السلوكي في إعادة تأطير الأفكار السلبية وتدريب الفرد على تبني تفسيرات أكثر مرونة وواقعية للأحداث. كذلك فإن بناء الهوية الذاتية الإيجابية وتعزيز الشعور بالكفاءة الشخصية من خلال الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة يلعب دورًا مهمًا في تقوية الثقة بالنفس عند مواجهة التحديات. ولا يمكن إغفال دور النمذجة، إذ إن مشاهدة أفراد يتعاملون مع الأزمات بمرونة يسهّل تعلم هذا النمط السلوكي، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
المرونة النفسية ليست خاصية ثابتة، بل تنمو وتتطور عبر مراحل الحياة المختلفة. في الطفولة تتشكل من خلال العلاقة الآمنة مع الوالدين ومقدمي الرعاية، وفي المراهقة تتعزز من خلال بناء الهوية والاستقلالية، وفي الرشد تتعمق عبر مواجهة ضغوط الحياة المتعددة والتكيف معها. ومن المهم التأكيد على أن تعلم المرونة ممكن في أي مرحلة عمرية، سواء من خلال التدريب الذاتي أو العلاج النفسي أو البرامج التعليمية المنظمة. هذا الفهم يبدد الفكرة الشائعة بأن المرونة سمة فطرية غير قابلة للتغيير، ويعزز التوجه نحو تنميتها كمهارة حياتية مكتسبة.
تطبيقات تعزيز المرونة النفسية تمتد إلى مجالات متعددة. في المدارس، تسهم برامج التعلم الاجتماعي والانفعالي في بناء مهارات التكيف لدى الطلبة وتقليل السلوكيات الانسحابية والعدوانية. في بيئات العمل، يؤدي الاهتمام بإدارة الضغوط وتحقيق التوازن بين العمل والحياة إلى تقليل الاحتراق النفسي وتعزيز الصحة العقلية للموظفين. وفي السياق العلاجي، يستخدم الأخصائيون أدوات سلوكية مثل جداول التعزيز، وتدريب مهارات حل المشكلات، والتعرض التدريجي لبناء قدرة الفرد على تحمل الضغوط بطريقة منظمة وآمنة. هذه التطبيقات تؤكد أن المرونة ليست مفهومًا نظريًا فحسب، بل مهارة قابلة للتنفيذ في الواقع العملي.
الخاتمة
المرونة النفسية ليست رفاهية نفسية، بل ضرورة أساسية للحفاظ على الصحة العقلية في عالم مليء بالتحديات المتغيرة والمتسارعة. إنها القدرة على النهوض بعد السقوط، وإعادة التوازن بعد الاضطراب، وتحويل التجارب الصعبة إلى فرص للنمو والتعلم وإعادة البناء. لا تعني المرونة أن الفرد لا يتألم، بل تعني أنه يمتلك الأدوات الداخلية التي تمكّنه من التعامل مع الألم دون أن يفقد تماسكه أو قدرته على الاستمرار. ومن خلال فهم المرونة كعملية قابلة للتعلم والتعزيز، يصبح بالإمكان توظيف الاستراتيجيات التربوية والسلوكية والعلاجية لبناء أفراد أكثر قدرة على التكيف مع ضغوط الحياة اليومية والأحداث غير المتوقعة.
إن الاستثمار في تنمية المرونة النفسية داخل الأسرة، والمدرسة، وبيئات العمل، والبرامج العلاجية، ينعكس مباشرة على جودة الحياة، والوقاية من الاضطرابات النفسية، وتسريع التعافي منها عند حدوثها. كما أن تعزيز هذه المهارة يسهم في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة الأزمات دون الانهيار الجماعي. بين العلم والسلوك، تتضح أهمية التكامل بين علم النفس والنهج السلوكي في تنمية أفراد لا يخلو عالمهم من التحديات، لكنهم يمتلكون القدرة على مواجهتها بثبات واتزان وأمل مستمر.
- المراجع (APA 7)
American Psychological Association. (2020). The road to resilience. - Masten, A. S. (2014). Ordinary magic: Resilience in development. Guilford Press.
- Neenan, M. (2009). Developing resilience: A cognitive-behavioural approach. Routledge.
- Southwick, S. M., & Charney, D. S. (2018). Resilience: The science of mastering life’s greatest challenges. Cambridge University Press.
- Gillham, J. E., & Reivich, K. (2007). Building resilience in youth. Journal of Clinical Psychology, 63(2), 123–13





