الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

أعراض نفسية عبر الدورة الشهرية لدى النساء البالغات: مراجعة شاملة

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

المقدمة

الدورة الشهرية هي عملية بيولوجية تحدث بشكل دوري لدى النساء، حيث تتعرض النساء لتغيرات هرمونية ملحوظة تؤثر على جسم المرأة وعقلها. خلال هذه الدورة، تحدث تقلبات في مستويات الهرمونات مثل الإستروجين والبروجستيرون التي تلعب دورًا كبيرًا في التأثيرات النفسية والسلوكية التي قد تمر بها النساء في مراحل مختلفة من الدورة الشهرية. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الدورة الشهرية قد تسهم في تفاقم بعض الأعراض النفسية مثل الاكتئاب، القلق، واضطرابات الشخصية، وهذه الأعراض تظهر بشكل خاص في المراحل التي تسبق الدورة الشهرية و أثناءها. تهدف هذه المقالة إلى تناول تأثيرات الدورة الشهرية على الصحة النفسية للنساء، وكيفية تأثير التغيرات الهرمونية على الأعراض النفسية، كما ستستعرض النتائج التي توصلت إليها الأبحاث الحديثة في هذا المجال.

التغيرات الهرمونية خلال الدورة الشهرية

الدورة الشهرية تتكون من مرحلتين رئيسيتين: المرحلة الجريبية (التي تمتد من بداية الدورة الشهرية وحتى الإباضة) والمرحلة الأصفرية (التي تبدأ بعد الإباضة وتستمر حتى بداية الدورة الشهرية التالية). خلال الدورة الشهرية، تتغير مستويات هرموني الإستروجين والبروجستيرون بطرق تؤثر بشكل كبير على جسم المرأة وعقلها. في الأيام التي تسبق الدورة الشهرية، والمعروفة أيضًا بالمرحلة ما قبل الدورة، تحدث تقلبات كبيرة في مستويات هذه الهرمونات، والتي قد تؤدي إلى زيادة الأعراض النفسية مثل القلق والاكتئاب، حيث تنخفض مستويات هرموني الإستروجين والبروجستيرون بشكل كبير في هذه المرحلة.

يُظهر التحليل البيولوجي أن هرمون الإستروجين يسهم في تحسين الذاكرة، والقدرة على التعلم، وتنظيم العواطف عبر تعزيز النشاط في الدماغ. من ناحية أخرى، يساهم هرمون البروجستيرون في الاسترخاء وتهدئة الأعصاب، ويقلل من التوتر. مع انخفاض هذه الهرمونات في الأيام التي تسبق الدورة الشهرية، قد تصبح النساء أكثر عرضة للأعراض النفسية مثل التوتر والقلق والاكتئاب.

التأثيرات النفسية للدورة الشهرية

تشير الأبحاث إلى أن الأعراض النفسية تختلف بين النساء وفقًا للمرحلة التي يتواجدن فيها في الدورة الشهرية. بعض النساء يعانين من أعراض شديدة خلال المرحلة ما قبل الدورة أو أثناء الدورة الشهرية، مثل تفاقم الأعراض النفسية المرتبطة بالاكتئاب، القلق، واضطرابات الشخصية. هذه الأعراض يمكن أن تكون بسبب انخفاض مستويات الإستروجين والبروجستيرون في هذه المراحل، مما يؤدي إلى تأثيرات نفسية ملحوظة.

  1. الاكتئاب: يُظهر العديد من الدراسات أن النساء يعانين من تفاقم الأعراض الاكتئابية في المرحلة ما قبل الدورة الشهرية. تشير الأدلة إلى أن التغيرات الهرمونية قد تؤدي إلى زيادة الشعور بالحزن واليأس، مما يؤدي إلى زيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب. بالإضافة إلى ذلك، النساء اللاتي يعانين من اكتئاب مزمن قد يواجهن تفاقمًا في الأعراض قبل الدورة الشهرية نتيجة للتغيرات الهرمونية التي تؤثر على الدماغ.

  2. القلق والضغوط النفسية: القلق هو أحد الأعراض النفسية التي تزداد بشكل ملحوظ في فترة ما قبل الدورة الشهرية وأثناء الدورة. تشير الدراسات إلى أن النساء يعانين من زيادة في القلق مع انخفاض مستويات الإستروجين في الدم، مما يؤدي إلى زيادة الاستجابة للضغوط النفسية والمشاكل الحياتية. في المرحلة ما قبل الدورة الشهرية، قد يتسبب انخفاض مستويات الهرمونات في الشعور بالتوتر المستمر.

  3. الاضطرابات النفسية الأخرى: تشير الدراسات إلى أن النساء قد يواجهن تفاقمًا في أعراض اضطرابات مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، الوسواس القهري، واضطرابات الأكل خلال مراحل معينة من الدورة الشهرية. في العديد من الحالات، تظهر الأعراض النفسية بشكل أكثر وضوحًا في المرحلة ما قبل الدورة الشهرية وأثناءها، مما يجعل من الصعب التعامل مع هذه الاضطرابات في تلك الفترات.

التأثيرات السلوكية للدورة الشهرية

بالإضافة إلى التأثيرات النفسية، هناك تأثيرات سلوكية ملحوظة تصاحب الدورة الشهرية. تعاني العديد من النساء من زيادة في السلوكيات الاندفاعية مثل تعاطي المخدرات، تناول الطعام المفرط، واستخدام الكحول. هذه الزيادة في السلوكيات قد تكون ناتجة عن التغيرات الهرمونية في الجسم التي تؤثر على مراكز المكافأة في الدماغ.

  1. الاستخدام المفرط للكحول والمخدرات: تشير بعض الدراسات إلى أن النساء قد يستهلكن الكحول أو المخدرات بشكل أكبر في المرحلة ما قبل الدورة الشهرية، حيث يمكن أن تؤدي الهرمونات إلى تزايد الشعور بالتوتر وعدم الراحة. قد تكون هذه السلوكيات نتيجة للتغيرات الهرمونية التي تؤثر على القدرة على التحكم في الرغبات.

  2. تناول الطعام المفرط (التهام الطعام): يُلاحظ زيادة في الرغبة في تناول الطعام، خاصة في الأطعمة التي تحتوي على السكر والدهون، في المرحلة ما قبل الدورة الشهرية. هذه الزيادة قد تكون ناتجة عن تأثيرات الهرمونات على الشهية ومراكز المكافأة في الدماغ. يعتبر تناول الطعام الزائد خلال هذه الفترة من السلوكيات التي ترتبط بالتغيرات النفسية الناتجة عن التغيرات الهرمونية.

 

آليات التأثير البيولوجي

تُعزى التقلبات النفسية في الدورة الشهرية إلى تأثيرات الهرمونات على الدماغ والجهاز العصبي. على سبيل المثال، يعمل الإستروجين على تنظيم مستوى الدوبامين في الدماغ، وهو المركب الكيميائي الذي يلعب دورًا في تنظيم المزاج والتفاعل الاجتماعي. انخفاض مستويات الإستروجين خلال المرحلة ما قبل الدورة الشهرية يمكن أن يزيد من عرضة النساء للإصابة ببعض الاضطرابات النفسية مثل الفصام والقلق.

من جانب آخر، يمكن أن يكون للبروجستيرون تأثيرات مهدئة ومضادة للقلق، حيث يساعد في زيادة مستويات جابا (GABA)، وهو ناقل عصبي يعمل على تهدئة الجهاز العصبي. في حالة وجود ضغط أو توتر، يتحول البروجستيرون إلى الكورتيزول، مما يزيد من استجابة الجسم للإجهاد ويؤدي إلى زيادة الشعور بالقلق.

التحديات والآفاق المستقبلية للبحث

على الرغم من أن العديد من الدراسات تشير إلى وجود تقلبات نفسية وسلوكية مرتبطة بالدورة الشهرية، إلا أن البيانات ليست دائمًا متسقة. تواجه الأبحاث في هذا المجال العديد من التحديات، بما في ذلك تنوع النتائج بسبب الاختلافات الفردية بين النساء وتنوع الدورة الشهرية. ولذلك، يوصى بإجراء المزيد من الدراسات لتحديد الأنماط الدقيقة التي تحدث عبر الدورة الشهرية وتقديم توصيات بشأن كيفية إدارة هذه التغيرات عبر التدخلات الدوائية والسلوكية.

من الضروري أيضًا تطوير استراتيجيات لتحديد المراحل المختلفة من الدورة الشهرية بوضوح، حيث يمكن أن تساعد هذه الاستراتيجيات في تخصيص العلاجات بشكل أفضل لمواجهة التقلبات النفسية لدى النساء. بالإضافة إلى ذلك، قد تساهم دراسة الجينات والهرمونات في تحديد النساء الأكثر عرضة لهذه التأثيرات الهرمونية، مما يمكن الأطباء من وضع خطط علاجية أكثر تخصيصًا وفعالية.

 

الخاتمة

تُظهر الأبحاث أن الدورة الشهرية لها تأثيرات متباينة على الصحة النفسية للنساء. إذ يزداد القلق والاكتئاب وبعض السلوكيات النفسية الأخرى خلال المراحل المختلفة من الدورة الشهرية. من المهم أن نتعرف بشكل أفضل على كيفية تأثير هذه التغيرات الهرمونية على الدماغ والجهاز العصبي لتطوير استراتيجيات علاجية موجهة. يجب أن يكون البحث المستقبلي مركزًا على توحيد التعريفات لمراحل الدورة الشهرية وتطوير تدخلات فعالة للتعامل مع الأعراض النفسية المرتبطة بها.

 

المراجع

Psychiatric Symptoms Across the Menstrual Cycle in Adult Women: A Comprehensive Review 

 https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8906247/