الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

إعطاء الأولوية للإيجابية: هل هو نهج فعال لتحقيق السعادة؟

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

مقدمة

يُعد السعي نحو السعادة هدفًا إنسانيًا مشتركًا بين جميع الثقافات، وقد أكدت الأبحاث النفسية الحديثة أن المشاعر الإيجابية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحسن الصحة النفسية والجسدية، وتعزيز جودة العلاقات الاجتماعية، ورفع مستوى الأداء في العمل. ومع ذلك، تشير دراسات حديثة إلى أن السعي المباشر والمكثف للسعادة قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية، حيث يشعر الفرد بالإحباط أو بعدم الرضا عندما لا تتحقق توقعاته المرتفعة.

في هذا السياق، يبرز تساؤل مهم: هل المشكلة تكمن في السعي للسعادة بحد ذاته، أم في الطريقة التي يتم بها هذا السعي؟ تقدم هذه الدراسة مفهومًا جديدًا يُعرف بـ “ترتيب الإيجابية”، باعتباره نهجًا أكثر فعالية واستدامة لتحقيق الرفاه النفسي.

إشكالية السعي المباشر للسعادة

تشير الأدبيات العلمية إلى أن محاولة زيادة مستوى السعادة بشكل مباشر وفوري قد تكون غير فعّالة. فعندما يركز الفرد على ضرورة الشعور بالسعادة في كل لحظة، فإنه يضع نفسه تحت ضغط نفسي مرتفع، مما يؤدي إلى نتائج عكسية. على سبيل المثال، أظهرت بعض الدراسات أن الأشخاص الذين يسعون لتعظيم شعورهم بالسعادة أثناء تجربة إيجابية قد يشعرون بخيبة أمل إذا لم يصلوا إلى المستوى المتوقع، وهو ما يؤدي إلى انخفاض حالتهم المزاجية.

كما أن المراقبة المستمرة للحالة العاطفية، مثل التساؤل المتكرر “هل أنا سعيد الآن؟”، قد تقلل من الاستمتاع بالتجربة نفسها، وتحوّل الانتباه من عيش اللحظة إلى تقييمها. إضافة إلى ذلك، فإن المبالغة في أهمية السعادة، بحيث تصبح معيارًا أساسيًا لقيمة الحياة، ترتبط بانخفاض الرفاه النفسي وزيادة الأعراض الاكتئابية.

بناءً على ذلك، يتضح أن السعي للسعادة بطريقة مباشرة ومكثفة قد لا يكون الطريق الأمثل، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية غير مرغوبة.

مفهوم ترتيب الإيجابية

يُعرّف “ترتيب الإيجابية” بأنه ميل الفرد إلى تنظيم حياته اليومية واتخاذ قراراته بناءً على مدى احتمالية أن تقوده هذه القرارات إلى تجارب إيجابية. بدلاً من محاولة التحكم بالمشاعر بشكل مباشر، يركز هذا النهج على اختيار المواقف والأنشطة التي تزيد من فرص حدوث المشاعر الإيجابية بشكل طبيعي.

على سبيل المثال، قد يختار الفرد قضاء وقته مع أشخاص يشعر معهم بالراحة، أو ممارسة أنشطة يستمتع بها، أو تخصيص وقت للاسترخاء. هذه الاختيارات لا تضمن السعادة بشكل فوري، لكنها ترفع احتمالية حدوثها بشكل متكرر ومستدام.

يُعد هذا النهج جزءًا من استراتيجيات تنظيم الانفعال، وتحديدًا ما يُعرف باختيار المواقف، حيث يسعى الفرد إلى التواجد في بيئات تعزز المشاعر الإيجابية وتقلل من السلبية.

منهجية الدراسة

استهدفت الدراسة عينة مكونة من 233 مشاركًا من فئات عمرية مختلفة، تراوحت بين الشباب وكبار السن. تم استخدام مجموعة من المقاييس النفسية لقياس مستوى ترتيب الإيجابية، إلى جانب مؤشرات الرفاه النفسي مثل المشاعر الإيجابية والسلبية، الرضا عن الحياة، والأعراض الاكتئابية.

كما تم قياس عدد من الموارد النفسية والاجتماعية، مثل التعاطف مع الذات، والمرونة النفسية، واليقظة الذهنية، وجودة العلاقات الاجتماعية، بهدف فهم العلاقة بين ترتيب الإيجابية وهذه الموارد.

نتائج الدراسة

أظهرت النتائج أن ترتيب الإيجابية يرتبط بشكل إيجابي بمجموعة واسعة من مؤشرات الرفاه النفسي. حيث تبين أن الأفراد الذين ينظمون حياتهم بطريقة تزيد من احتمالية التعرض لتجارب إيجابية، يعانون من مستويات أقل من المشاعر السلبية والأعراض الاكتئابية، ويحققون مستويات أعلى من الرضا عن الحياة.

في المقابل، أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يبالغون في تقدير أهمية السعادة يميلون إلى مستويات أقل من الرفاه النفسي، مما يؤكد أن طريقة السعي للسعادة تلعب دورًا حاسمًا في تحديد نتائجها.

كما أظهرت الدراسة أن ترتيب الإيجابية يرتبط بزيادة الموارد النفسية والاجتماعية، مثل المرونة والتعاطف مع الذات وجودة العلاقات. وتبين أن هذه العلاقة تتوسطها المشاعر الإيجابية، بمعنى أن زيادة التجارب الإيجابية تسهم في بناء هذه الموارد بمرور الوقت.

التفسير العلمي

يمكن تفسير هذه النتائج من خلال نظرية “التوسيع والبناء”، التي تفترض أن المشاعر الإيجابية تسهم في توسيع نطاق التفكير والانتباه، مما يساعد الفرد على اكتساب مهارات جديدة وبناء موارد نفسية واجتماعية. ومع تكرار هذه التجارب، تتراكم هذه الموارد وتُعزز قدرة الفرد على التكيف مع التحديات المختلفة.

بمعنى آخر، لا تقتصر فائدة المشاعر الإيجابية على تحسين الحالة المزاجية اللحظية، بل تمتد لتشمل بناء قدرات طويلة المدى تدعم الرفاه النفسي.

التطبيق العملي لترتيب الإيجابية

يمكن تحويل هذا المفهوم إلى خطوات عملية قابلة للتطبيق في الحياة اليومية من خلال مجموعة من الاستراتيجيات المنظمة:

1. اتخاذ قرارات مبنية على القيمة العاطفية

ينبغي عند التخطيط للأنشطة اليومية أو اتخاذ قرارات مهمة، مراعاة مدى مساهمة هذه الأنشطة في تعزيز المشاعر الإيجابية، دون أن يكون ذلك الهدف الوحيد أو المباشر.

2. جدولة الأنشطة الإيجابية

يُوصى بإدراج أنشطة ممتعة وبسيطة ضمن الروتين اليومي أو الأسبوعي، مثل ممارسة هواية مفضلة، أو قضاء وقت مع أشخاص داعمين، أو القيام بأنشطة استرخاء.

3. تقليل الضغط لتحقيق السعادة

من المهم تجنب وضع توقعات غير واقعية بشأن الشعور بالسعادة بشكل مستمر، وتقبل التباين الطبيعي في المشاعر الإنسانية.

4. التركيز على التكرار بدل الشدة

تشير الأدلة إلى أن تكرار التجارب الإيجابية البسيطة أكثر تأثيرًا على المدى الطويل من التجارب المكثفة النادرة.

5. تنمية الوعي بالأنشطة المؤثرة

يمكن للفرد مراقبة الأنشطة التي تسهم في تحسين حالته النفسية، والعمل على تكرارها بشكل منتظم.

6. استخدام استراتيجية اختيار المواقف

تتضمن هذه الاستراتيجية تجنب البيئات أو الأنشطة التي تزيد من التوتر، والبحث عن بدائل أكثر دعمًا للصحة النفسية.

التحديات والحدود

رغم أهمية هذا النهج، إلا أن هناك بعض التحديات التي يجب أخذها في الاعتبار. فقد لا يتمكن الأفراد دائمًا من التنبؤ بدقة بالأنشطة التي ستجلب لهم السعادة، كما أن بعض الظروف الحياتية قد تحد من قدرتهم على اختيار مواقفهم بحرية.

كما أن نتائج الدراسة تعتمد على تصميم مقطعي، مما يعني أن العلاقة بين ترتيب الإيجابية والرفاه النفسي لا يمكن تفسيرها بشكل سببي بشكل كامل، وهو ما يستدعي المزيد من الدراسات المستقبلية.

الخلاصة

تشير هذه الدراسة إلى أن السعي للسعادة ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا، بل يعتمد بشكل أساسي على الطريقة التي يتم بها هذا السعي. فبدلاً من محاولة الشعور بالسعادة بشكل مباشر، يُعد تنظيم الحياة بطريقة تزيد من احتمالية التعرض لتجارب إيجابية نهجًا أكثر فعالية واستدامة.

إن ترتيب الإيجابية لا يعني تجاهل المشاعر السلبية أو السعي للكمال العاطفي، بل يركز على بناء نمط حياة يدعم الرفاه النفسي بشكل تدريجي. وبذلك، يمكن اعتبار السعادة نتيجة طبيعية لحياة منظمة بوعي، وليست هدفًا يجب تحقيقه بشكل مباشر.

المرجع

Prioritizing Positivity: An Effective Approach to Pursuing Happiness?

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC5533095/