الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

علم النفس الإيجابي

 

ترجمة: أ.نوره الدوسري

يُعد علم النفس الإيجابي أحد أبرز الاتجاهات الحديثة في علم النفس، حيث يركّز على دراسة جوانب القوة والرفاه النفسي لدى الإنسان بدلًا من التركيز فقط على الاضطرابات والمشكلات. يهدف هذا المجال إلى تعزيز السعادة، وتحسين جودة الحياة، وبناء حياة ذات معنى من خلال تنمية القدرات الداخلية للفرد.

في هذا المقال، سنستعرض مفهوم علم النفس الإيجابي، وأركانه الأساسية، وعلاقته بالتدفّق النفسي، والتفكير الإيجابي، والرحمة الذاتية، واليقظة الذهنية، بأسلوب مبسّط ومناسب للقارئ العام والمختص.

ما هو علم النفس الإيجابي؟

علم النفس الإيجابي هو فرع من فروع علم النفس يهدف إلى تعزيز السعادة والرفاه النفسي. يقوم هذا التوجه على مساعدة الأفراد في استثمار نقاط قوتهم، وتعزيز مشاعر الامتنان، وزيادة وعيهم بذواتهم، وبناء علاقات صحية مع الآخرين، وتطوير الحكمة اللازمة لعيش حياة مليئة بالمعنى والرضا.

ترجع جذور هذا العلم إلى الفلسفات القديمة والأديان، التي سعت جميعها إلى تحقيق السلام الداخلي والمعنى العميق للحياة. فقد اعتقد الفلاسفة القدماء أن السعادة الحقيقية تبدأ من معرفة الذات والعيش وفق القيم والمبادئ الشخصية.

أما في العصر الحديث، فقد ابتعد علم النفس الإيجابي عن التركيز على الملذات المؤقتة مثل المال أو الفوز، وركّز بدلًا من ذلك على تنمية الرضا الداخلي والطمأنينة. فهو يشجّع الأفراد على التواصل مع أنفسهم ومع الآخرين، واستكشاف مصادر المعنى في حياتهم.

ومن خلال هذا التوجّه، يمكن للإنسان أن يتعلّم كيف يستمتع بلحظات حياته اليومية، ويقدّر وجود الأشخاص الذين يحبهم، ويجد متعة حقيقية في الأنشطة التي تحمل له قيمة شخصية.

ما هي ركائز علم النفس الإيجابي؟

لفهم كيفية تطبيق علم النفس الإيجابي في الحياة اليومية، من المهم إدراك أن السعادة لا تعتمد فقط على الظروف الخارجية. فقد أظهرت الدراسات أن بعض العوامل التي يعتقد الناس أنها تجلب السعادة لا تؤدي بالضرورة إلى ذلك.

على سبيل المثال:

  • المال يمكن أن يزيد السعادة فقط إلى حدّ تلبية الاحتياجات الأساسية.

  • الشباب لا يعني بالضرورة مستوى أعلى من الرضا النفسي مقارنة بكبار السن.

  • حتى الإنجاب، رغم كونه تجربة جميلة، قد يرتبط بزيادة الضغوط والتحديات.

من خلال فهم ما لا يصنع السعادة، يمكننا التركيز على ما يصنعها فعلاً. وهنا تظهر ثلاث ركائز أساسية لعلم النفس الإيجابي:

1. التواصل مع الآخرين

العلاقات الإنسانية الداعمة تُعد من أهم مصادر السعادة. فالشعور بالانتماء والتواصل يعزّز الصحة النفسية ويقلّل من الشعور بالوحدة.

2. تذوّق اللحظات الجميلة

يعني ذلك القدرة على الاستمتاع باللحظات الإيجابية، مهما كانت بسيطة، مثل قضاء وقت ممتع مع العائلة أو إنجاز مهمة ذات معنى.

3. تنمية الامتنان

الامتنان يساعد على توجيه الانتباه نحو الجوانب الإيجابية في الحياة، مما يعزّز الشعور بالرضا والتوازن النفسي.

ما هو التدفّق (Flow) وعلاقته بعلم النفس الإيجابي؟

يُشير مفهوم “التدفّق” إلى حالة من الاندماج الكامل في نشاط معين، بحيث يفقد الشخص إحساسه بالوقت وينغمس تمامًا في ما يقوم به.

يمكن أن يحدث التدفّق في أنشطة مختلفة، مثل:

  • العمل الإبداعي

  • الألعاب

  • الحرف اليدوية

  • التعلم

ماذا يحدث أثناء حالة التدفّق؟

عندما يكون الإنسان في حالة تدفّق:

  • يفقد الإحساس بالوقت

  • لا يهتم برأي الآخرين أو مظهره

  • يتوقف التفكير في المشتتات

  • يشعر بالتحكّم والسهولة في الأداء

  • يكون لديه هدف واضح دون التركيز المفرط على النتيجة

  • يرغب في تكرار التجربة

كيف يمكن تعزيز التدفّق؟

لتحقيق هذه الحالة، يمكن اتباع بعض الاستراتيجيات:

  • اختيار أنشطة جديدة ومثيرة للاهتمام

  • الانتباه إلى الجسد والوضعية

  • تقبّل الأخطاء وعدم التوقف بسببها

  • إدراك أن التوتر في البداية أمر طبيعي

  • العمل مع الآخرين أحيانًا

  • الحفاظ على روح الدعابة

يُعد التدفّق من أقوى الطرق لزيادة السعادة لأنه يمنح الإنسان تجربة إيجابية عميقة ومباشرة.

ما هو التفكير الإيجابي؟

التفكير الإيجابي هو القدرة على رؤية الجانب المشرق في المواقف المختلفة. لا يعني ذلك تجاهل المشكلات، بل إعادة تفسيرها بطريقة أكثر توازنًا.

على سبيل المثال:

  • الموقف المزعج في الطريق قد يكون فرصة لتعلّم القيادة الآمنة

  • النقاش الصعب قد يكون فرصة لفهم الآخرين بشكل أعمق

من المهم التمييز بين التفكير الإيجابي وعلم النفس الإيجابي:

  • التفكير الإيجابي هو أسلوب تفكير

  • أما علم النفس الإيجابي فهو مجال علمي يدرس كيفية ازدهار الإنسان

تشير الأبحاث إلى أن التفاؤل مرتبط بتحسين الصحة الجسدية، حيث يقل خطر الإصابة بعدة أمراض لدى الأشخاص الأكثر تفاؤلًا.

كيف يمكن تعزيز التفكير الإيجابي؟

  • كتابة ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان لها يوميًا

  • تدوين الأفعال الطيبة التي تقوم بها

  • إعادة تفسير المواقف الصعبة بطريقة بنّاءة

ما هي الرحمة الذاتية؟

الرحمة الذاتية تعني التعامل مع النفس بلطف وتفهّم، خاصة في أوقات الفشل أو المعاناة، بدلًا من النقد القاسي.

تتكوّن الرحمة الذاتية من ثلاثة عناصر:

1. اللطف مع الذات

أن تكون داعمًا لنفسك بدلًا من معاقبتها عند الخطأ.

2. الإنسانية المشتركة

إدراك أن الجميع يخطئ، وأن المعاناة جزء من التجربة الإنسانية.

3. اليقظة الذهنية

ملاحظة المشاعر والأفكار دون إصدار أحكام عليها، وتقبّلها كما هي.

تساعد الرحمة الذاتية في تقليل القلق، وتعزيز المرونة النفسية، وتحسين العلاقة مع الذات.

ما هي اليقظة الذهنية (Mindfulness)؟

اليقظة الذهنية هي ممارسة تركيز الانتباه على اللحظة الحالية، دون إصدار أحكام. وهي وسيلة فعّالة للتقليل من التوتر وتحسين الصحة النفسية.

تعتمد هذه الممارسة على:

  • ملاحظة الأفكار دون التعلّق بها

  • تقبّل المشاعر كما هي

  • تقليل الانشغال بالماضي أو القلق بشأن المستقبل

أظهرت الدراسات أن ممارسة اليقظة الذهنية يمكن أن تؤدي إلى تغييرات فعلية في الدماغ، خاصة في المناطق المرتبطة بالخوف والانفعالات.

كيف يمكن تعلم اليقظة الذهنية؟

يمكن البدء من خلال:

  • تمارين التأمل

  • تمارين التنفس

  • اليوغا أو التاي تشي

  • تكرار عبارات مهدئة (مانترا)

تساعد هذه الممارسات في الوصول إلى ما يُعرف بـ”استجابة الاسترخاء”، وهي حالة تقل فيها استجابة التوتر في الجسم.

الخلاصة

علم النفس الإيجابي ليس مجرد فكرة عن “التفكير بإيجابية”، بل هو علم قائم على الأدلة يهدف إلى مساعدة الإنسان على عيش حياة أكثر توازنًا ورضا. من خلال التركيز على العلاقات، والامتنان، والتدفّق، والرحمة الذاتية، واليقظة الذهنية، يمكن لكل فرد أن يبني حياة مليئة بالمعنى والسعادة الحقيقية.

إن السعادة ليست هدفًا نصل إليه، بل هي مهارة يمكن تعلّمها وتنميتها يومًا بعد يوم.

المرجع

Positive psychology

https://www.health.harvard.edu/topics/positive-psychology