ترجمة: أ. رزان بن دهر
هل يرفض طفلك الالتزام بالقواعد؟ هل يتحداك باستمرار؟ هل يقاوم حتى الطلبات البسيطة والمعقولة؟
صحيح أن التمرد سمة مألوفة في مرحلة المراهقة، لكن لا تفسّر سلوك طفلك المعارض على أنه مجرّد تقلبات هرمونية، فكلمة “لا” قد تكون طريقته في التعبير عن مشاعر داخلية معقّدة يعجز عن التعبير عنها بشكل مباشر، أحيانًا تكون المعارضة وسيلته في وضع حدود، أو في إبطاء مجريات الأمور، أو في التعبير عن شعوره بالإرهاق أو التوتر.
يُلاحظ السلوك التحدّي غالبًا لدى الأطفال المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، نتيجة ضعف في ضبط الاندفاع والانفعالات، ومع ذلك، فإن التكرار المستمر لهذه التصرفات قد يشير إلى وجود اضطرابات أعمق مثل اضطراب التحدي والمعارضة (ODD) أو اضطراب تجنّب المطالب (PDA)، وللوصول إلى جذور هذا السلوك، علينا أن ننظر أعمق من التصرفات السطحية أو الكلمات المستفزة.
لماذا يبدو طفلي كثير المعارضة؟
كثير من المراهقين المعارضين يحملون في داخلهم صوتًا داخليًا قاسيًا يخبرهم بأنهم فاشلون، أو أغبياء، أو أن لا أحد يحبهم، أو أنهم لا يستطيعون فعل أي شيء بشكل صحيح.
وما تلاحظه من مقاومة أو سلوك تحدّي هو في الغالب محاولة غير ناضجة وغير فعّالة للتعامل مع هذه المشاعر الداخلية، إنهم يحاولون فرض نوع من السيطرة على بيئتهم الخارجية في وقت يشعرون فيه أن عالمهم الداخلي ينهار أو يفلت من أيديهم.
من السلوكيات الشائعة لدى المراهقين المعارضين:
- قلة التعاون أو رفض الاستجابة
- استخدام كلمات أو ألفاظ غير لائقة
- رفض تنفيذ المهام كالأعمال المنزلية أو الواجبات المدرسية
- سرعة الغضب وردود الفعل الانفعالية
- السلوك التهديدي أو العدواني
- تخريب أو تدمير الممتلكات
اضطراب التحدي والمعارضة (ODD)
يُصنَّف اضطراب التحدي والمعارضة (ODD) كاضطراب في الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM-V)، لكن أعراضه غالبًا ما تظهر حسب السياق والموقف، فالأطفال الذين يعانون من ODD قد يظهرون مقاومة علنية في بيئة معينة أو مع شخصية سلطوية بينما يكونون متعاونين تمامًا في جوانب أخرى من حياتهم، سلوكهم يشبه المفتاح الكهربائي غاضبون في لحظة وهادئون في اللحظة التالية.
وهذا الأمر قد يكون محيّرًا للوالدين، خاصة إذا كان الطفل يُظهر السلوك التحدّي في المنزل فقط دون مشاكل تُذكر في المدرسة.
غالبًا ما يُظهر الأطفال المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) هذا النوع من السلوك في الأماكن التي يشعرون فيها بالأمان النسبي، فقد يوجّهون سلوكهم المعارض إلى الوالد الذي يشعرون بأنه الأرجح أن يتحمّله أو يسامحه، أحيانًا يعارضون لمجرد أنهم يستطيعون ذلك.
اضطراب تجنّب الطلب (PDA)
قد يكون السلوك التحدّي مؤشرًا على وجود اضطراب تجنّب الطلب (PDA) عندما يظهر بشكل شبه دائم ودون استثناء تقريبًا، يتميز هذا النمط من السلوك بالحاجة المفرطة والمستمرة إلى تجنب أو مقاومة أي نوع من الطلب.
PDA أكثر شدة وانتشارًا من ODD، ولا يقتصر على أشخاص أو مواقف معينة.
الأطفال الذين يعانون من PDA يظهرون سلوكًا قهريًا في مقاومتهم للطلبات التي يفسرونها بأنها فرض للسيطرة، وقد يتجنبون الامتثال من خلال اللجوء إلى سلوكيات تلاعبية، بل وقد يرفضون أنشطة يحبونها عادةً فقط لأنها قُدِّمت إليهم كطلب، غالبًا ما يلاحظ الأهالي تغيّرات مفاجئة في المزاج ترتبط بحاجة الطفل إلى التحكم أو رفض اتباع التعليمات.
رغم أن PDA لا يُعَدّ تشخيصًا مستقلًا في الولايات المتحدة، فإنه يُدرج تحت طيف اضطرابات التوحد، ويُلاحظ بشكل أكبر لدى الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد أو ADHD أو القلق المرتفع.
حلول للتعامل مع السلوك المعارض
أسلوب الوالدين في التواصل — من حيث الطريقة والمضمون — يمكن أن يؤثر بشكل كبير على سلوك الطفل المعارض، سواء نحو التحسن أو التدهور، استخدام أساليب مثل التعاون، والعمل كفريق، ومرافقة الطفل في الأنشطة وملاحظة جهوده وتقديرها، جميعها تساهم في تحسين الاستجابة والتعاون.
من المهم إعادة النظر في الطريقة التي تطلب بها من طفلك تنفيذ مهمة معينة، وكذلك في رد فعلك عندما يرفض تنفيذها.
- 1. تخلَّص من الكلمات غير القابلة للنقاش
قد تكون كلمة “لا” من طفلك ردًّا على ما يشعر أنه أمر لا نقاش فيه، وليس مجرد طلب، الكلمات مثل “يجب”، “لا بد”، أو “سوف” قد تثير التوتر لدى الأطفال الذين يعانون من اضطراب تجنّب الطلب (PDA)، إذ توحي لهم بأن القرار قد اتُّخذ بالفعل ولا مجال للنقاش.
حاول إعادة صياغة الطلبات باستخدام عبارات أكثر لطفًا ومرونة، مثل:
- “هل يناسبك أن…؟”
- “ما رأيك في…؟”
- “هل تمانع في أن تفعل…؟”
- “إذا أحببت ذلك، سأكون ممتنة جدًا لو أنك… “
- “عندما تنتهي من هذا، هل يمكنك بعد ذلك أن…؟”
- شجّع على المشاركة والتعاون
يمكنك تعزيز التعاون من خلال استخدام كلمات مثل “نحن”، “دعونا”، “معًا” كما يمكن دعم شعور الطفل بالاستقلالية بمنحه مساحة للاختيار من خلال ما يُعرف بـ”الاختيار الموجّه” أي تقديم خيارين أو ثلاثة في موقف معين، ليشعر الطفل بأنه يتحكّم بالقرار بدلًا من الشعور بأنه يُملى عليه ما يجب فعله، كذلك قد يرغب بعض الأطفال في أن يكون لهم دور أكبر في اقتراح الحلول أو وضع الخطة.
- التخطيط بناءً على الأنماط السلوكية
اضطراب التحدي والمعارضة (ODD) واضطراب تجنّب الطلب (PDA) لا يظهران كسلوكيات عشوائية أو معزولة، بل كأنماط سلوكية متكررة، لذلك لا تتعامل مع كل موقف وكأنه حالة فردية خطط مسبقًا لحدوث نوبات الغضب أو التصرفات المزعجة، ما الخيارات المتاحة عندما ينفعل طفلك؟ وما العواقب المنطقية التي يمكن أن يتوقعها نتيجة سلوكه؟
على سبيل المثال، إذا كان ابنك المراهق يحصل يوميًا على ساعة من وقت الشاشة، يمكنه كسب وقت إضافي من خلال تنفيذ مهام مثل أداء الواجبات أو الأعمال المنزلية، وإذا غضب أو انفعل، يمكن تقليص هذا الحافز — كأن يُخفض وقت الشاشة، هذه الاستراتيجية تُرسّخ مفهوم أن “المهام التي يجب القيام بها” هي الطريق للحصول على “الأشياء التي نرغب بها”.
- تطبيق مبدأ “الاسترجاع”
الكذب سلوك اجتماعي يحدث بين شخصين، غالبًا بدافع التجنّب أو الإنكار أو الخوف من العقوبة، وهو يُوفّر راحة مؤقتة في الحاضر ويقلّل من حدة التوتر الناتج عن أمر حصل في الماضي، الأطفال المشخصين باضطراب ADHD قد يكذبون نتيجة ضعف التحكم في الاندفاع أو عدم الانتباه، وفي بعض الحالات، لا يُدرك الطفل أنه أخطأ في وصف موقف ما إلا بعد أن ينطق به.
هنا يأتي دور إعطائهم فرصة “للتراجع” عن كلامهم، أُطلق على هذه الفكرة اسم “فرصة الاسترجاع اليومية” (TBD – Take Back of the Day). استخدمتها مع أطفالي أثناء نشأتهم، وقد أوصيت بها مئات العائلات كأداة فعّالة لتخفيف التوتر، وزيادة الوعي عند الأطفال حول الكلمات غير اللائقة أو المؤذية، أعتقد أن هذه الطريقة تكون أكثر فاعلية عندما تُطبَّق على الجميع في المنزل، بحيث يُسمح لأي فرد — حتى البالغين — بأن يسترجع شيئًا قاله دون أن يُحاسب عليه، وهذا بدوره يُقدّم نموذجًا صحيًا للأطفال عن كيفية تصحيح الأخطاء وتحمل المسؤولية بمرونة.
- الالتقاء في منتصف الطريق
إذا بدا أن طفلك، عالق أو غير قادر على تنفيذ ما تطلبه، فقد يكون السبب أن الطلب ببساطة يفوق قدرته أو طاقته الحالية، الإرهاق أو انخفاض النشاط قد يكونان أيضًا مؤشرين على قلة النوم أو حتى الاكتئاب، أما إدمان التكنولوجيا رغم تعدد أسبابه فهو غالبًا مرتبط بعقل الـADHD الذي يبحث دائمًا عن دفعات من الدوبامين لذلك، من المفيد خلق توازن بين الأنشطة التي ترفع مستوى الدوبامين (مثل اللعب أو استخدام الشاشة) والأنشطة التي تُخفّضه (كالقراءة أو القيام بالواجبات)، لأن هذا التوازن يُساعد الطفل في تطوير مهارات التكيّف والتنقل بين المهام المختلفة، إذا لاحظت أن أسلوبك لا ينجح، حاول طرح أسئلة مفتوحة تساعدك على فهم ما يمنع طفلك من الاستجابة، مثل: “ما الذي يجعل تنفيذ هذا الأمر صعبًا عليك؟” “ما الذي قد يجعله أكثر جاذبية؟” “كيف يمكنني مساعدتك لتجاوز هذا؟” ثم حاول تعديل أسلوبك بناءً على ما يشاركه معك.
ومن الطرق المفيدة لتشجيع الطفل على التعاون أو قول الحقيقة، وضع قواعد عامة تكون قابلة للتفاوض في بعض الحالات، مثلاً، إذا كانت القاعدة في المنزل “عدم التلفّظ بألفاظ سيئة”، وكسر الطفل هذه القاعدة، فلا تسارع فورًا بفرض العقوبة، خذ لحظة للتوقف، وفكر في استخدام أسلوب STAR: توقف ، فكر ، تصرّف ، استعد التوازن، هذا الأسلوب يتضمن التوقف قليلًا وممارسة نشاط مهدّئ ومدروس، ثم العودة لمناقشة ما حصل: ما الذي كان يمكن لكل طرف أن يفعله بشكل مختلف؟ ما هو التصرف الصحيح التالي؟ ثم يتم تطبيقه، مع منح وقت ومساحة لتجاوزه والمضي قدمًا.
- التقدير والاعتراف بالجهد
إذا لاحظت تحسنًا في سلوك طفلك، احرص على الاعتراف بذلك وتقديره، ما أُسميه “الاجتهاد” أو efforting هو تجربة متكاملة تشمل المشاعر، والتفكير، والسلوك الاجتماعي، والجهد الجسدي — خصوصًا للأطفال الذين يفكرون بطريقة غير تقليدية، الاجتهاد لا يعني فقط “المحاولة”، بل هو التزام داخلي وجهد حقيقي قد يُسفر عن إنجاز أو لا، لكنه في الحالتين يمثل خطوة مهمة في طريق النمو وتبنّي “عقلية النمو” (growth mindset) نريد أن نُظهر لأطفالنا أننا نرى هذا التقدّم ونُقدّره.
المرجع:
The Parents’ Guide to Dismantling Oppositional, Defiant Behavior
https://www.additudemag.com/pathological-demand-avoidance-odd-adhd-teens/





