ترجمة : أ. نوره الدوسري
مقدمة
يُعرف اضطراب الشخصية الزورانية (PPD) بأنه حالة نفسية تتميز بنمط واسع من عدم الثقة والريبة تجاه الآخرين، مما يؤدي إلى تدهور الأداء الاجتماعي والنفسي للفرد. يختلف هذا الاضطراب عن طيف الفصام، إلا أنه قد يشكل مؤشرًا أوليًا لاحتمالية الإصابة بالفصام لدى بعض الأفراد. الأفراد المشخصين بـ PPD يظهرون قلقًا مفرطًا بشأن التعرض للخيانة، وينشغلون بالشكوك غير المبررة حول ولاء ومصداقية أصدقائهم وعائلاتهم. تتعدد أسباب هذا الاضطراب بين عوامل جينية وبيئية ونفسية.
يبدأ اضطراب الشخصية الزورانية عادةً في أوائل مرحلة البلوغ، ويرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاضطرابات الاكتئابية والقلقية. قد يؤدي شدة الشك إلى تصرفات اندفاعية وعدوانية وحمل الضغائن وفرط الدفاعية في المواقف اليومية. يتم تشخيص هذا الاضطراب باستخدام المعايير الموضحة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR)، ويؤثر بشكل سلبي على عدة جوانب من الحياة، ما يبرز أهمية التدخل المبكر والرعاية متعددة التخصصات.
الأهداف التعليمية
- تحديد المعايير التشخيصية الرئيسية لاضطراب الشخصية الزورانية وفق DSM-5-TR.
- تطبيق استراتيجيات علاجية قائمة على الأدلة تتناسب مع الأفراد المشخصين بالاضطراب.
- فهم العوامل الجينية والبيئية والنفسية المؤثرة في تطور الاضطراب.
- التعاون مع فرق الرعاية الصحية متعددة التخصصات لتطوير خطط رعاية شاملة.
الأسباب والعوامل المساهمة
دراسات محدودة تناولت مسببات اضطراب الشخصية الزورانية، لكن هناك بحوث تتعلق بالاضطرابات الشخصية من الفئة “A” بشكل عام. يعد الإجهاد الاجتماعي والتعرض لتجارب طفولة سلبية، مثل الإساءة الجسدية أو الجنسية أو العاطفية، عوامل خطورة معروفة. تشمل العوامل البيولوجية الوراثة والسمات المزاجية الفطرية التي تؤثر في تكوين الشخصية.
تشير الدراسات الجينية إلى وجود روابط بين اضطرابات الشخصية والاضطرابات النفسية الأخرى، مثل الفصام، كما بينت دراسات تحليل التوائم والتحليل الجيني متعدد المواقع أن العوامل الوراثية تلعب دورًا مهمًا. علاوة على ذلك، قد تساهم بعض الحالات الطبية التي تضر بالخلايا العصبية، مثل الإصابات الدماغية وأمراض الأوعية الدموية الدماغية والصرع، في تطور تغييرات شخصية.
العوامل النفسية التحليلية أيضًا مهمة؛ فقد وصف محلل النفس ويليام رايش مفهوم “درع الشخصية” كآليات دفاعية تنشأ لتخفيف الصراع النفسي الداخلي والقلق بين الأفراد.
الأفراد المشخصين بالبارانويا غالبًا ما يستخدمون آليات إسقاطية، أي إسقاط الغضب على الآخرين.
السمات النفسية
تشمل السمات الأساسية المرتبطة بـ PPD انخفاض الرغبة في التجربة الجديدة، وقلة الاعتماد على المكافأة الاجتماعية، وضعف المثابرة، وزيادة الميل لتجنب الضرر أو العقاب، وكلها تساهم في السلوك الانعزالي والشك المستمر تجاه الآخرين. هذه السمات تبرز في أسلوب حياة الأفراد المشخصين، بما في ذلك العزلة الاجتماعية وقلة التفاعل الاجتماعي مقارنة بالأفراد الطبيعيين.
الانتشار
يقدر انتشار اضطراب الشخصية الزورانية بين السكان العامين بنحو 0.5% إلى 4.4%. بين المرضى النفسيين، يلاحظ وجوده بنسبة 2% إلى 10% في العيادات الخارجية، و10% إلى 30% في المستشفيات النفسية، و23% بين السجناء. على الرغم من أن الدراسات الوبائية تشير إلى ارتفاع النسبة بين النساء، إلا أن الرجال غالبًا ما يلجأون للمعالجة بشكل أكبر.
التشخيص والتقييم
يتطلب تشخيص PPD مراقبة طويلة الأمد لسلوكيات المريض لفهم أداءه النفسي والاجتماعي. يعتمد التشخيص على وجود نمط واسع من الشك وعدم الثقة تجاه الآخرين، مع تفسير نوايا الآخرين على أنها خبيثة، ويجب أن يكون هذا النمط ظاهرًا منذ البلوغ المبكر وفي سياقات مختلفة. تشمل المعايير:
- الشك غير المبرر في استغلال أو خداع الآخرين.
- الانشغال بالشكوك حول ولاء الأصدقاء أو الزملاء.
- التردد في مشاركة المعلومات خوفًا من استغلالها ضده.
- قراءة معانٍ تهديدية في التصرفات أو الأقوال البريئة.
- حمل الضغائن وعدم التسامح مع الإهانات أو الإساءة.
- الاعتقاد بوجود هجمات على السمعة الشخصية ورد الفعل الغاضب السريع.
- الشكوك المستمرة حول ولاء الشريك الجنسي.
- استبعاد تشخيصات أخرى مثل الفصام أو الاضطرابات المزاجية مع خصائص ذهانية.
الفحص السريري
قد يظهر الأفراد المشخصين بعلامات الانعزال الاجتماعي واليقظة المفرطة والعدوانية أو الشك المفرط. من المهم بناء علاقة علاجية موثوقة لفهم التاريخ النفسي والاجتماعي، بما في ذلك التفاعلات الاجتماعية، التعليم، والعمل، والموارد المالية. كما ينبغي استبعاد أعراض الذهان أو الأعراض الناجمة عن اضطرابات طبية أو استخدام مواد مخدرة قبل التشخيص.
العلاج وإدارة الحالة
لا يوجد علاج محدد أو أدوية معتمدة خصيصًا لـ PPD. قد يستفيد الأفراد الذين يظهرون سلوكيات عدوانية من استخدام مضادات الذهان أو مضادات الاكتئاب أو مثبتات المزاج، استنادًا إلى تجارب علاجية في اضطرابات أخرى. من الجانب النفسي، تُظهر بعض الأساليب القائمة على Mentalization-Based Therapy (العلاج القائم على الاستبطان النفسي)
فعالية محتملة، لكن الأفراد المشخصين غالبًا ما يسحبون من العلاج النفسي بسبب صعوبة بناء الثقة والتحمل النفسي.
ترتكز استراتيجيات العلاج على تقليل الصراع الشخصي والاجتماعي، وتعزيز استقرار الظروف الاقتصادية والاجتماعية، مع التعاون مع أفراد الأسرة والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لتقديم رعاية شاملة.
الفروق التشخيصية
يجب التفريق بين PPD والاضطرابات الذهانية، مثل الفصام أو الاضطراب التوهمي، وكذلك الاضطرابات الناتجة عن حالات طبية أو استخدام المواد المخدرة. يجب أيضًا ملاحظة التداخل مع اضطرابات الشخصية الأخرى، مثل الفصامي والغريب، والتي قد تشترك في بعض السمات، لكن مع اختلافات في التفكير والسلوكيات السائدة.
المآل والمضاعفات
يتميز PPD بطابع مزمن، ونادرًا ما يختفي تلقائيًا أو بالعلاج. قد يؤدي إلى تعقيدات تشمل زيادة خطر العنف، وحمل الضغائن، والدعاوى القضائية المفرطة، وأحيانًا تكون مقدمة للفصام. كما يرتبط بارتفاع احتمالية الانتحار والاضطرابات المصاحبة مثل الاكتئاب، واضطرابات القلق، واضطرابات استخدام المواد.
التثقيف والدعم
يرتكز التعامل مع PPD على بناء علاقة علاجية موثوقة، وتشجيع المرضى على مشاركة الضغوط النفسية والاجتماعية، وتعليم الأسرة طرق دعم المريض، وتحسين جودة الحياة من خلال مراقبة الأداء اليومي والوظيفي، وتوجيه المريض نحو شبكة الدعم الاجتماعي.
خاتمة
يعد اضطراب الشخصية الزورانية حالة معقدة تتطلب فهماً دقيقاً لعواملها البيولوجية والنفسية والاجتماعية. يساهم التشخيص المبكر والتدخل متعدد التخصصات في تحسين النتائج العلاجية، مع التركيز على الحد من الصراعات الشخصية والاجتماعية وتحسين استقرار الظروف الاقتصادية والاجتماعية للفرد. يستدعي البحث المستمر وإعداد تقارير الحالات التفصيلية لتوسيع الفهم السريري وتطوير استراتيجيات علاجية فعالة في المستقبل.
المرجع
Paranoid Personality Disorder :





