الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

مراجعة شاملة عن اضطراب الهلع والعلاج المعرفي السلوكي

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

مقدمة:

اضطراب الهلع هو أحد الاضطرابات النفسية التي تؤثر بشكل عميق على حياة الأفراد، خاصة في مجالات العمل والعلاقات الاجتماعية. يعاني الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب من نوبات هلع مفاجئة وشديدة، مما يؤدي إلى مشاعر كبيرة من القلق والتوتر، وغير عن تأثيرات جسدية ونفسية قد تكون غير مريحة . من بين العلاجات الفعّالة التي تم تطويرها لهذا الاضطراب هو العلاج السلوكي المعرفي (CBT) ، الذي أثبت فعاليته من خلال العديد من الدراسات البحثية.

هذا المقال يهدف إلى استعراض اضطراب الهلع بشكل شامل، حيث نناقش أسبابه، أعراضه، كيفية التعامل معه، وأهم العلاجات المستخدمة لعلاج هذا الاضطراب، مع التركيز على العلاج السلوكي المعرفي.

ما هو اضطراب الهلع؟

يعتبر اضطراب الهلع من الاضطرابات النفسية التي تتسم بنوبات مفاجئة من القلق الشديد والخوف من شيء غير موجود. يشمل هذا الاضطراب مجموعة من الأعراض الجسدية مثل زيادة معدل ضربات القلب، التعرق، الدوخة، صعوبة التنفس، وأحيانًا الشعور بأن الشخص سيصاب بأزمة قلبية أو سيموت. هذه الأعراض تحدث دون سبب واضح، مما يجعل الشخص المصاب في حالة من القلق المستمر حيال احتمال حدوث هذه النوبات في المستقبل.

تُعرَف نوبات الهلع بأنها فترات قصيرة نسبياً من الخوف الشديد، وعادة ما تستمر بين 5 إلى 10 دقائق، ولكن قد تبدو أطول بكثير بسبب شدة الأعراض. يشعر المصاب بأن هذه النوبات قد تهدد حياته، على الرغم من أن النوبات نفسها ليست ضارة. يمكن أن يسبب ذلك قلقًا مزمنًا وخوفًا من النوبات القادمة، مما يؤدي إلى تجنب المواقف أو الأماكن التي قد تُسبب هذه النوبات.

أسباب اضطراب الهلع:

يعد اضطراب الهلع نتيجة لتفاعل معقد بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية. وفقًا للعديد من الدراسات الحديثة، يمكن تلخيص أسباب حدوث هذا الاضطراب في النقاط التالية:

  1. العوامل البيولوجية:
    يشير البحث إلى أن الاضطرابات في توازن المواد الكيميائية في الدماغ، مثل السيروتونين والنورأدرينالين، يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في اضطراب الهلع. قد تكون هذه الاضطرابات جينية، مما يجعل الأفراد أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب.
  2. التوتر والضغوط النفسية:
    يمكن أن تكون الضغوط الحياتية مثل فقدان شخص عزيز، مشاكل العمل، أو الاضطرابات العائلية، التفكير المفرط في المستقبل , من العوامل التي تساهم في ظهور نوبات الهلع. يُعتقد أن الأشخاص الذين يعانون من مستويات عالية من التوتر يكونون أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب.
  3. التفسير الكارثي للأحاسيس الجسدية:
    كثير من الأشخاص الذين يعانون من اضطراب الهلع يتبنون تفسيرًا كارثيًا للأحاسيس الجسدية العادية مثل تسارع ضربات القلب أو الشعور بالدوار. هذا التفسير يؤدي إلى زيادة في القلق والخوف من نوبات الهلع المستقبلية.
  4. الاستجابة للمواقف الاجتماعية:
    يعاني بعض الأفراد من مشاكل في التعامل مع المواقف الاجتماعية، مما يزيد من مستويات القلق لديهم ويؤدي إلى ظهور نوبات الهلع.

أعراض اضطراب الهلع:

أعراض اضطراب الهلع تتفاوت بين الأشخاص، ولكن الأعراض الأكثر شيوعًا تشمل:

  1. تسارع ضربات القلب.
  2. الدوخة أو الإحساس بالدوار.
  3. التعرق المفرط.
  4. صعوبة في التنفس.
  5. آلام في الصدر.
  6. الشعور بالغثيان.
  7. الخوف من فقدان السيطرة أو الجنون.
  8. الإحساس بالموت الوشيك.

عندما تحدث هذه الأعراض بشكل مفاجئ ودون سبب واضح، قد يكون ذلك مؤشراً على اضطراب الهلع. وفي بعض الحالات، قد تؤدي هذه الأعراض إلى تجنب المواقف أو الأماكن التي تثير هذه النوبات، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تطور ما يُعرف بـ “رهاب الأماكن المفتوحة” أو “رهاب الأماكن المزدحمة”.

علاج اضطراب الهلع:

هناك العديد من العلاجات المتاحة للأشخاص الذين يعانون من اضطراب الهلع. ولكن العلاج السلوكي المعرفي (CBT) يعتبر الأكثر فاعلية، إذ يُركز على تغيير الأنماط الفكرية السلبية والسلوكيات المدمرة التي تعزز القلق والخوف من النوبات.

العلاج السلوكي المعرفي (CBT) لاضطراب الهلع:

العلاج السلوكي المعرفي هو نوع من العلاج النفسي الذي يساعد المرضى على التعرف على الأفكار والمعتقدات السلبية، واستبدالها بأفكار أكثر إيجابية وواقعية. العلاج يتضمن عدة خطوات رئيسية:

  1. التثقيف النفسي: يتم في هذه المرحلة شرح طبيعة اضطراب الهلع وأعراضه للمريض. يهدف هذا إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تكون لدى المريض عن الهجمات، مثل الاعتقاد بأنها ستؤدي إلى الموت أو الإصابة بنوبة قلبية.
  2. إعادة هيكلة الأفكار: هذه التقنية تركز على تحدي الأفكار السلبية أو المبالغة في تفسير الأعراض الجسدية. على سبيل المثال، إذا كان الشخص يعتقد أن تسارع ضربات القلب يعني أنه يعاني من نوبة قلبية، يتم مساعدة المريض على استبدال هذه الفكرة بفكرة أكثر منطقية مثل “تسارع ضربات القلب هو مجرد رد فعل جسدي طبيعي للقلق.”
  3. التعرض التدريجي: يتعلم المريض مواجهة المواقف أو الأحاسيس التي تسبب له القلق بشكل تدريجي، وذلك لكي يتفهم أنه لا يوجد تهديد حقيقي. على سبيل المثال، يمكن للمريض أن يبدأ في مواقف تسبب له القلق مثل الجلوس في مكان مزدحم أو القيام بنشاط يتطلب مجهودًا بدنيًا، مثل الركض في المكان.
  4. تمارين التنفس والاسترخاء: تعلم تقنيات التنفس العميق والاسترخاء العضلي يساعد على تقليل الأعراض الجسدية للهلع مثل تسارع ضربات القلب والدوخة.

تقنيات العلاجات السلوكية المعرفية:

إضافة إلى العلاج السلوكي المعرفي التقليدي، هناك مجموعة من العلاجات السلوكية المعرفية المتقدمة التي ظهرت مؤخرًا وتساعد في تعزيز فاعلية العلاج. من هذه العلاجات:

  1. العلاج بالقبول والالتزام (ACT): يهدف هذا العلاج إلى مساعدة المريض على قبول مشاعره بدلاً من محاربتها، مع التركيز على الالتزام بالقيم الحياتية والتصرف بناءً عليها.
  2. العلاج بالمقاييس المعرفية (MCT): يركز هذا العلاج على تغيير أسلوب الشخص في التعامل مع أفكاره وإدراكه للأحاسيس الجسدية والعاطفية.
  3. العلاج المعرفي القائم على اليقظة (MBCT): يدمج هذا العلاج بين العلاج السلوكي المعرفي وتقنيات اليقظة (Mindfulness)، حيث يتعلم المريض كيفية التعامل مع الأفكار والقلق بشكل أكثر قبولاً.

نتائج العلاج السلوكي المعرفي:

أظهرت الدراسات أن العلاج السلوكي المعرفي يعزز قدرة المرضى على التحكم في أعراض اضطراب الهلع، ويقلل من شدة النوبات بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك، تبين أن هذا العلاج يوفر نتائج طويلة الأمد، حيث تبقى الفوائد واضحة لفترات طويلة بعد إتمام العلاج.

خاتمة:

اضطراب الهلع هو حالة نفسية شائعة ومؤلمة تؤثر بشكل كبير على حياة الأفراد. العلاج السلوكي المعرفي يعد من أكثر العلاجات فعالية لمساعدة المرضى على التغلب على هذا الاضطراب. من خلال تقنيات مثل إعادة هيكلة الأفكار، التعرض التدريجي، واستخدام تقنيات الاسترخاء، يمكن للمريض أن يتعلم كيفية إدارة نوبات الهلع بشكل فعال. ومع تطور العلاجات مثل ACT وMCT، أصبح من الممكن التعامل مع اضطراب الهلع بشكل أكثر مرونة ونجاحًا

المرجع:

Panic Disorder and Cognitive Behavioral Therapy: A Comprehensive Review

https://www.anxietycanada.com/sites/default/files/adult_hmpanic.pdf