الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

نوبات الهلع لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

تُعد نوبات الهلع من الظواهر النفسية التي قد لا تُلاحظ بدقة لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية، لأن مظاهرها تختلط بالسلوكيات الصعبة أو تُفسَّر بوصفها استجابات حسية أو رفضًا للمواقف. إلا أن القراءة الإكلينيكية المتعمقة تكشف أن بعض هذه السلوكيات تمثل نوبات هلع حقيقية يعيش خلالها الأطفال خوفًا شديدًا مصحوبًا بأعراض جسدية وانفعالية حادة، دون قدرة كافية على التعبير اللفظي عما يحدث داخليًا بوضوح.

تتسم نوبة الهلع بظهور مفاجئ لمشاعر خوف طاغية، يرافقها تسارع ضربات القلب، ضيق التنفس، التعرّق، الرجفة، الدوار، وشعور بفقدان السيطرة. لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية، قد لا تُوصف هذه الأعراض بالكلمات، بل تظهر عبر صراخ مفاجئ، هروب من المكان، انهيار انفعالي، أو سلوكيات عدوانية. هذا الاختلاف في العرض يجعل التعرف على النوبة تحديًا يتطلب فهمًا دقيقًا للعلاقة بين الجسد والسلوك.

يرتبط حدوث نوبات الهلع بفرط استثارة الجهاز العصبي السمبثاوي، وهو نمط شائع لدى الأطفال الذين يعانون من حساسية حسية مرتفعة وصعوبات في التنظيم الانفعالي. فالضوضاء، الازدحام، الروائح القوية، الإضاءة الساطعة، أو التغييرات المفاجئة قد تعمل كمثيرات تدفع الجهاز العصبي إلى حالة إنذار قصوى تُترجم سلوكيًا في صورة نوبة هلع.

من منظور علم النفس الإكلينيكي، قد يعيش الأطفال قلقًا داخليًا متراكمًا لا يجد طريقه للتعبير، فيتصاعد تدريجيًا حتى يبلغ ذروته في صورة نوبة هلع. وغالبًا ما تظهر هذه النوبات في مواقف انتقالية، أو في بيئات يصعب التنبؤ بها، أو عند مواجهة مطالب اجتماعية معقدة تتجاوز القدرة الحالية على التكيف.

في سياق تحليل السلوك التطبيقي، قد يُفسَّر السلوك الظاهر أثناء النوبة على أنه هروب من مطلب. لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن الأطفال في تلك اللحظات لا يسعون لوظيفة سلوكية معتادة، بل يحاولون النجاة من تجربة داخلية مرعبة. هذا الفهم يغيّر مسار التدخل من محاولة ضبط السلوك إلى العمل على تهدئة الجهاز العصبي أولًا.

قد تظهر مؤشرات نوبات الهلع في صورة رفض دخول أماكن معينة، أو خوف شديد من مواقف محددة، أو تعلق مفرط بالأشخاص المألوفين. هذه المؤشرات قد تعكس ارتباطًا شرطيًا بين تلك المواقف وتجربة هلع سابقة، مما يؤدي إلى نمط تجنب مستمر يتعزز بمرور الوقت.

يتطلب التعامل مع نوبة الهلع استجابة مختلفة عن التعامل مع السلوكيات الصعبة المعتادة. فالأطفال في تلك اللحظات يكونون في حالة عجز عصبي عن التعلم أو الاستجابة للتوجيهات. لذلك، فإن خفض المثيرات الحسية، والتحدث بهدوء، وتوفير مساحة آمنة، واستخدام الضغط العميق، يُعد أكثر فاعلية من أي تدخل تصحيحي مباشر.

يمثل تدريب الأطفال على التعرف المبكر على إشارات القلق في أجسادهم خطوة وقائية مهمة. تعليمهم ملاحظة تسارع التنفس، أو التوتر العضلي، واستخدام استراتيجيات التهدئة قبل التصاعد، يقلل من تكرار النوبات. ويتم تدريب هذه المهارات في أوقات الهدوء لضمان فعاليتها عند الحاجة.

تلعب الأسر دورًا أساسيًا في ملاحظة الأنماط المرتبطة بحدوث النوبات، مثل أوقات محددة، أو أماكن معينة، أو مواقف انتقالية. توثيق هذه الملاحظات يساعد الأخصائيين على تحديد المثيرات ووضع خطط تدخل وقائية تستهدف تقليل التعرض لهذه المثيرات أو تهيئة الأطفال قبلها.

تعديل البيئة يُعد عنصرًا جوهريًا في خفض احتمالية حدوث نوبات الهلع. تقليل الضوضاء، تنظيم الروتين، استخدام الجداول البصرية، وإتاحة فترات راحة حسية، كلها تدخلات تقلل من الحمل العصبي وتخفض فرص التصاعد الانفعالي.

كما أن دعم مهارات التنظيم الانفعالي بشكل عام يسهم في تقليل شدة النوبات عند حدوثها. الأطفال الذين يمتلكون أدوات تهدئة ذاتية يستعيدون توازنهم بسرعة أكبر. التدريب على التنفس العميق، واستخدام أدوات حسية مهدئة، يعزز هذا الجانب بصورة ملحوظة ومستدامة.

من المهم الانتباه إلى أن نوبات الهلع قد تتداخل مع اضطرابات نفسية مصاحبة مثل القلق العام أو القلق الانفصالي. لذلك، فإن التقييم الإكلينيكي الشامل ضروري لتحديد الاحتياجات العلاجية بدقة وعدم الاكتفاء بالتفسير السلوكي الظاهري.

إن بناء شعور الأمان النفسي يسهم في خفض احتمالية النوبات. عندما يشعر الأطفال أن البيئة قابلة للتنبؤ وأن استجاباتهم مفهومة دون لوم أو توبيخ، ينخفض مستوى القلق العام وتقل النوبات بشكل تدريجي.

يساعد استخدام القصص الاجتماعية والتمثيل الدورِي للمواقف المثيرة للقلق على الاستعداد الذهني، ويخفف من عنصر المفاجأة الذي يغذي نوبات الهلع. هذا التحضير المعرفي يعزز الإحساس بالسيطرة ويقلل من شدة الاستجابة الانفعالية.

إن التكامل بين الفهم السلوكي والفهم النفسي يوفر إطارًا فعالًا للتعامل مع هذه الظاهرة. فالتحليل السلوكي يوضح السياق البيئي للمثيرات، بينما يفسر الفهم النفسي التجربة الداخلية التي يعيشها الأطفال خلال النوبة، مما يسمح بتدخلات أكثر دقة وعمقًا.

كما أن تدريب المحيطين بالأطفال على التعرف المبكر على علامات التصاعد، مثل تغير نبرة الصوت أو توتر الجسد، يتيح التدخل الوقائي قبل الوصول إلى ذروة النوبة. هذا النوع من الوعي يقلل من شدة المواقف الصعبة.

في ختام الحديث عن نوبات الهلع لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية، يصبح من الضروري إعادة النظر في الطريقة التي يُفهم بها هذا الاضطراب داخل السياق النمائي والسلوكي. فهذه النوبات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حدثًا عابرًا أو استجابة مبالغًا فيها، بل هي حالة عصبية انفعالية معقّدة تنشأ نتيجة تفاعل عوامل حسية ومعرفية وانفعالية وبيئية في آنٍ واحد. إن إدراك هذا التداخل يساعد الأسر والأخصائيين على الانتقال من مرحلة إيقاف النوبة إلى مرحلة فهم أسبابها العميقة، مما يفتح المجال أمام تدخلات أكثر دقة وفعالية تستهدف الجذور بدل الاكتفاء بالتعامل مع المظاهر. عندما يتم فهم السياق الذي تحدث فيه النوبة، يصبح بالإمكان توقعها أحيانًا، وتقليل حدّتها، وتوفير بيئة أكثر أمانًا للأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية، مما ينعكس مباشرة على استقرارهم النفسي وقدرتهم على التكيف اليومي.

إن العمل على تقليل نوبات الهلع لا يقتصر على الجلسات العلاجية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تلعب الروتينات الواضحة، والتوقعات المستقرة، والدعم الانفعالي المستمر دورًا محوريًا في بناء شعور بالأمان الداخلي. فالأطفال المشخّصون باضطرابات نمائية يعتمدون بدرجة كبيرة على الإشارات البيئية لفهم العالم من حولهم، وعندما تكون هذه الإشارات واضحة ومنظمة، يقلّ احتمال الدخول في حالة إنذار عصبي مفاجئ. ومن هنا تتضح أهمية توعية الأسر بكيفية قراءة المؤشرات المبكرة للنوبة، مثل التغير في نبرة الصوت، أو ازدياد الحركة، أو الانسحاب المفاجئ، أو التصلّب الجسدي، فهذه العلامات تمثل فرصًا ذهبية للتدخل الوقائي قبل تصاعد الأعراض. إن هذا الوعي لا يخفف فقط من شدة النوبات، بل يعزز أيضًا شعور الأسر بالكفاءة والقدرة على الدعم، مما يقلل من الضغوط النفسية المصاحبة لهذه الحالات.

كما أن فهم نوبات الهلع من منظور وظيفي يغيّر طريقة الاستجابة لها بشكل جذري. فعوضًا عن التركيز على إيقاف البكاء أو الصراخ أو الهروب، يصبح التركيز موجّهًا نحو تهيئة البيئة، وخفض المثيرات الحسية، وتقديم الطمأنينة الجسدية واللفظية بطريقة هادئة ومنظمة. هذه الاستجابات لا تُطفئ النوبة فقط، بل تُعلّم الأطفال تدريجيًا استراتيجيات تنظيم انفعالي داخلية يمكنهم استخدامها مع مرور الوقت. ومع التكرار والتدريب، تبدأ هذه الاستراتيجيات بالترسّخ، ويصبح الأطفال أكثر قدرة على استعادة توازنهم بسرعة أكبر، مما ينعكس على تحسن ملحوظ في جودة حياتهم اليومية.

ومن المهم التأكيد على أن نوبات الهلع ليست مؤشرًا على ضعف، ولا تعني أن الأطفال غير قادرين على التعلم أو التكيف، بل هي تعبير عن حساسية عصبية تحتاج إلى فهم خاص وتدخلات دقيقة. وعندما يتم التعامل معها بهذا المنظور الإنساني العلمي، تتحول هذه النوبات من مصدر قلق وإرباك إلى فرصة لفهم أعمق لاحتياجات الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية. هذا الفهم يساهم في بناء علاقة قائمة على التعاطف والثقة بين الأطفال ومحيطهم، ويعزز قدرتهم على التعبير عن احتياجاتهم بطرق أكثر هدوءًا وتنظيمًا.

وأخيرًا، فإن الاستثمار في التوعية، والتدخل المبكر، وبناء بيئات داعمة، وتطبيق استراتيجيات قائمة على الفهم العلمي للسلوك والانفعال، يفتح آفاقًا واسعة لتحسين التكيف النفسي للأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية. فكل خطوة نحو فهم أعمق لنوبات الهلع تمثل خطوة نحو حياة أكثر استقرارًا وطمأنينة لهؤلاء الأطفال وأسرهم، حيث يتحول الخوف إلى فهم، والارتباك إلى وعي، وردود الفعل إلى استجابات مدروسة قائمة على العلم والرحمة.











المراجع

Mayo Clinic. (2026). نوبات الهلع واضطراب الهلع: الأعراض والأسباب. https://www.mayoclinic.org/ar/diseases-conditions/panic-attacks/symptoms-causes/syc-20376021

Mayo Clinic. (2026). نوبات الهلع واضطراب الهلع: التشخيص والعلاج. https://www.mayoclinic.org/ar/diseases-conditions/panic-attacks/diagnosis-treatment/drc-20376027

فضيلة، ن., & بودودة، ن. د. (2024). انتشار اضطرابات القلق عند الأطفال والمراهقين في الوسط المدرسي. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية, 25(1), 27‑46. https://asjp.cerist.dz/en/article/249555

van Steensel, F. J. A., & Heeman, E. J. (2017). Anxiety levels in children with autism spectrum disorder: A meta‑analysis. Journal of Child and Family Studies, 26(7), 1753‑1767. https://doi.org/10.1007/s10826-017-0687-7

الشمري، م. ن. ط., & عبد، س. م. ع. ه. (2024). الإجهاد الوالدي وعلاقته باضطراب الهلع لدى ذوي أطفال التوحد. Wasit Journal for Human Sciences. https://wjfh.uowasit.edu.iq/index.php/wjfh/article/view/490