الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الأفكار السلبية لدى أهالي الأطفال المشخّصين باضطراب نمائي

 

ترجمة: أ. سما خالد

مقدمة 

تُعدّ الأسرة المحيط الأول والأكثر تأثيرًا في حياة الأطفال المشخّصين باضطراب نمائي، حيث تلعب دورًا محوريًا في تشكيل خبراتهم الانفعالية والسلوكية والاجتماعية. إلا أن رحلة التشخيص وما يتبعها من متطلبات علاجية وتربوية قد تُشكّل ضغطًا نفسيًا كبيرًا على الأهالي، يظهر في صورة أفكار سلبية متكررة تؤثر في صحتهم النفسية وفي جودة تفاعلهم مع أطفالهم. لا تنبع هذه الأفكار من ضعف أو تقصير، بل غالبًا ما تكون استجابة إنسانية طبيعية لمواقف ضاغطة ومعقّدة تتطلب وعيًا علميًا وتدخلًا داعمًا.

مفهوم الأفكار السلبية في السياق النفسي تُعرَّف الأفكار السلبية بأنها أنماط معرفية تلقائية تتسم بالتشاؤم، والتعميم المفرط، واللوم الذاتي، وتوقّع الأسوأ. في علم النفس المعرفي، تُعد هذه الأفكار جزءًا من ما يُعرف بالتشوّهات المعرفية، وهي لا تعكس الواقع بدقة بقدر ما تعبّر عن طريقة تفسير الفرد للأحداث. لدى أهالي الأطفال المشخّصين باضطراب نمائي، قد تتضخّم هذه الأفكار نتيجة استمرار الضغوط، وغموض المستقبل، وكثرة المقارنات الاجتماعية.

طبيعة الأفكار السلبية لدى الأهالي غالبًا ما تتخذ الأفكار السلبية لدى الأهالي أشكالًا متكررة، مثل الاعتقاد بأنهم سبب مباشر في تشخيص أطفالهم، أو الخوف المستمر من فشل التدخلات العلاجية، أو توقّع نظرة مجتمعية سلبية دائمة. كما قد تظهر أفكار مرتبطة بالعجز وفقدان السيطرة، مثل الاعتقاد بعدم القدرة على مساعدة الأطفال أو الشك في الكفاءة الوالدية. هذه الأفكار لا تكون ثابتة، بل تتأرجح شدتها تبعًا للظروف اليومية، ومستوى الدعم المتاح، وخبرة الأسرة مع الأنظمة العلاجية والتعليمية.

العوامل المؤدية إلى تشكّل الأفكار السلبية تتداخل عدة عوامل نفسية واجتماعية في تكوين الأفكار السلبية لدى الأهالي. من أبرز هذه العوامل صدمة التشخيص الأولية، خاصة عندما يكون التشخيص غير متوقّع أو يفتقر إلى شرح كافٍ من المختصين. كما يسهم نقص المعرفة العلمية حول الاضطرابات النمائية في تضخيم المخاوف وسوء تفسير السلوكيات. الضغوط المالية المرتبطة بالعلاج، وتعدّد المواعيد، وصعوبة التوفيق بين متطلبات الأسرة والعمل، جميعها عوامل تغذّي التفكير السلبي. إضافة إلى ذلك، تلعب الوصمة الاجتماعية دورًا كبيرًا، حيث قد يشعر الأهالي بالحكم أو اللوم من المحيط، مما يعزز مشاعر الذنب والعزلة.

الأبعاد الانفعالية المصاحبة للأفكار السلبية لا يمكن فصل الأفكار السلبية عن المشاعر المصاحبة لها، إذ ترتبط غالبًا بالقلق المزمن، والحزن، والإحباط، وأحيانًا أعراض الاكتئاب. هذه المشاعر قد تؤثر في قدرة الأهالي على اتخاذ قرارات متوازنة، وتزيد من حساسيتهم تجاه سلوكيات الأطفال. كما قد تنعكس على نمط التفاعل الأسري، فتظهر استجابات انفعالية حادة أو انسحابية، تؤثر بدورها في المناخ النفسي داخل الأسرة.

تأثير الأفكار السلبية في الأطفال تشير الأدبيات النفسية إلى أن الصحة النفسية للأهالي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنتائج التدخل لدى الأطفال المشخّصين باضطراب نمائي. فالأفكار السلبية المستمرة قد تؤدي إلى تقليل التوقعات الإيجابية، أو الإفراط في الحماية، أو التذبذب في تطبيق الاستراتيجيات العلاجية. كما قد يستشعر الأطفال التوتر والقلق غير المعلنين، مما يؤثر في شعورهم بالأمان والدافعية. من هنا، لا يقتصر أثر الأفكار السلبية على الأهالي فقط، بل يمتد ليشمل النمو الانفعالي والسلوكي للأطفال.

الفهم المعرفي السلوكي للأفكار السلبية من منظور العلاج المعرفي السلوكي، تُفهم الأفكار السلبية بوصفها حلقة ضمن تفاعل ثلاثي بين الأفكار والمشاعر والسلوكيات. فالفكرة السلبية تولّد مشاعر سلبية، تقود إلى سلوكيات قد تعزز الفكرة ذاتها. على سبيل المثال، الاعتقاد بعدم جدوى التدخل قد يؤدي إلى تقليل الالتزام بالجلسات، مما ينعكس سلبًا على التقدّم، ويعزز الاعتقاد الأولي. كسر هذه الحلقة يتطلب وعيًا بالأفكار التلقائية وإعادة بنائها بشكل أكثر واقعية وتوازنًا.

التدخلات الداعمة للأهالي تُعدّ التوعية النفسية حجر الأساس في دعم الأهالي، حيث يساعد الفهم العلمي للاضطرابات النمائية في تقليل الغموض وتخفيف اللوم الذاتي. كما يُعدّ الإرشاد النفسي الفردي أو الأسري أداة فعّالة لمساعدة الأهالي على التعبير عن مشاعرهم وتحدّي أفكارهم السلبية. في هذا السياق، أظهرت برامج العلاج المعرفي السلوكي وبرامج اليقظة الذهنية فاعلية في خفض مستويات القلق وتحسين المرونة النفسية لدى الأهالي.

دور الدعم الاجتماعي والمهني يلعب الدعم الاجتماعي دورًا محوريًا في تعديل الأفكار السلبية، حيث يوفّر تبادل الخبرات مع أهالٍ آخرين شعورًا بالتطبيع وتقليل العزلة. كما أن العلاقة التعاونية مع المختصين، القائمة على الشفافية والاحترام، تسهم في بناء الثقة وتعزيز الشعور بالكفاءة الوالدية. عندما يشعر الأهالي بأنهم جزء من فريق علاجي داعم، تقل الأفكار السلبية المرتبطة بالعجز أو الفشل.

نحو إعادة بناء معرفي إيجابي لا يعني التعامل مع الأفكار السلبية السعي إلى التفكير الإيجابي المفرط أو إنكار التحديات الواقعية، بل يهدف إلى تبنّي تفكير متوازن يستند إلى الأدلة والخبرات الفعلية. إعادة البناء المعرفي تساعد الأهالي على الانتقال من التفكير القائم على الخوف إلى التفكير القائم على الفهم والمرونة. هذا التحول لا يحدث بشكل فوري، بل يتطلب وقتًا وممارسة ودعمًا مستمرًا.

خاتمة تمثّل الأفكار السلبية لدى أهالي الأطفال المشخّصين باضطراب نمائي ظاهرة نفسية مفهومة في ضوء الضغوط المتعددة التي تواجهها الأسر. إلا أن تجاهل هذه الأفكار قد يفاقم آثارها على الصحة النفسية للأهالي وعلى مسار التدخل لدى الأطفال. إن الاستثمار في دعم الأهالي نفسيًا ومعرفيًا لا يقل أهمية عن التدخل المباشر مع الأطفال، بل يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من منظومة الرعاية الشاملة. من خلال الوعي، والدعم المهني، وبناء الشراكات العلاجية، يمكن تحويل هذه الأفكار من عائق نفسي إلى فرصة للنمو والتكيّف الإيجابي.





المراجع

 (APA 7) Beck, J. S. (2011). Cognitive behavior therapy: Basics and beyond (2nd ed.). Guilford Press.

Crnic, K., & Low, C. (2002). Everyday stresses and parenting. In M. H. Bornstein (Ed.), Handbook of parenting (Vol. 5, pp. 243–267). Lawrence Erlbaum Associates.

Hayes, S. C., Strosahl, K. D., & Wilson, K. G. (2012). Acceptance and commitment therapy: The process and practice of mindful change (2nd ed.). Guilford Press.

Karst, J. S., & Van Hecke, A. V. (2012). Parent and family impact of autism spectrum disorders: A review and proposed model for intervention evaluation. Clinical Child and Family Psychology Review, 15(3), 247–277.