الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

طفلي يريد كل شيء فورًا! كيف نُعلّمه الصبر وضبط النفس؟

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

نشاهد هذا المشهد كثيرًا: طفل “يُسيء التصرف”، يحدث ضجة وهو في عربته، أو يتدحرج على الأرض باكيًا لأنه يريد شيئًا لم يحصل عليه. غالبًا ما يشعر المارة بالإحراج من هذا الموقف، ويفترضون أن الوالدين غير مسؤولين لأنهم لا يلبون رغبات طفلهم، أو أن الطفل ببساطة مزعج بطبيعته. ولكن، من أين يأتي ضبط النفس لدى الأطفال؟

من الأفضل أن نفهم كيف يتعلم الأطفال الاستجابة في المواقف التي تتطلب منهم التحكم في رغباتهم أو مشاعرهم. تحدثت الدكتورة جوليا براونغارت رايكر مؤخرًا عن أبحاث مختبرها التي تركز على كيفية تنظيم الأطفال لعواطفهم، وما يترتب على ذلك من ضبط للاندفاعات والسلوك.

في التجارب المخبرية، يتمكن الباحثون من توثيق استراتيجيات التكيف التي يستخدمها الأطفال الصغار في مهام مثل “وجه بلا تعبير”، وهي تجربة يتفاعل فيها الوالد مع الطفل ثم يتوقف مؤقتًا عن الاستجابة، ليرى الباحثون كيف يتعامل الطفل مع هذا الانقطاع (ترونيك وآخرون، 1978). لاحظ الباحثون أن الأطفال يتصرفون بطرق متعددة، منها:

  • التهدئة الذاتية (مثل مص الإصبع).

  • النظر بعيدًا.

  • تشتيت الذات (كوسيلة لإعادة التوازن عند فرط المعلومات).

  • التجنّب.

  • طلب المساعدة.

  • التواصل (إيكاس، ليكنبروك، وبراونغارت-رايكر، 2013).

أوضحت براونغارت-رايكر أن الأطفال يتعلمون تنظيم أنفسهم نحو الأعلى أو الأسفل، أي زيادة أو تقليل التعبير العاطفي حسب الموقف. فالأطفال الذين يميلون إلى إظهار مشاعر أقل من المعتاد، يتعلمون التعبير بشكل أكبر. في المقابل، من يفرطون في التعبير العاطفي يتعلمون تهدئة أنفسهم للتوافق مع الأعراف الاجتماعية أو الظرفية. وترتبط هذه القدرات لاحقًا بمهارات التكيف، وتنظيم المزاج، واستراتيجيات الدفاع النفسي.

فما هي جذور هذه القدرات؟

وفقًا للدكتورة براونغارت-رايكر، هناك ثلاثة عوامل رئيسية:

1. طبع الطفل (المزاج الفطري)

الطبع هو المكوّن السابق لتكوّن الشخصية، ويتضمن عناصر تتفاوت بين الأطفال الصغار مثل مستوى النشاط، والاجتماعية، والانفعالية. وهو مكوّن بيولوجي يتأثر بالتجربة المبكرة، ويتميز بتفاعلات انفعالية وسلوكية ثابتة نسبيًا مع مرور الوقت.

في دراسة أجريت على أطفال يبلغون أربعة أشهر باستخدام مهمة “الوجه بلا تعبير”، وُجد أن الأطفال الذين لديهم طبع سلبي (أي أكثر تهيجًا) كانوا أقل استخدامًا لاستراتيجيات التهدئة الذاتية أو تشتيت الانتباه البصري (النظر بعيدًا؛ براونغارت-رايكر، غاروود، باورز ونوتارو، 1998). هذا مثال يوضح كيف يؤدي الطبع إلى أنماط معينة في تنظيم العاطفة. ومع ذلك، يمكن الحد من تطور الطبع السلبي، وهنا يأتي دور حساسية الوالدين.




2. حساسية الوالدين

تشير حساسية الوالدين إلى “قدرة الوالد على إدراك وفهم الإشارات السلوكية للرضيع، والاستجابة لها بسرعة وبشكل مناسب” (براونغارت-رايكر، 2014). وقد وُجد أن زيادة حساسية الوالدين مرتبطة بزيادة التعبير الإيجابي عند الرضع بين عمر 3 إلى 7 أشهر، كما أنها ترتبط بزيادة التهدئة الذاتية والتوجه البصري نحو الوالد أثناء اختبارات التوتر التجريبية (مثل “الوجه بلا تعبير”).

كيف يمكن أن تكون حساسًا مع طفلك الرضيع؟

  • راقب واستجب لتفاعلات الطفل. الرضيع يمتلك احتياجات فطرية تنعكس من خلال إشارات سلوكية، ومن الضروري الاستجابة لهذه الإشارات منذ البداية لبناء علاقة متجاوبة.

  • لا تترك الطفل يبكي دون استجابة. من المهم تلبية حاجاته قبل أن يصل إلى درجة الضيق الشديد. الاعتقاد بأنه يمكن ترك الطفل “ليعتاد البكاء” هو تجاهل لاحتياجاته الأساسية.

  • هدّئ الطفل من خلال الصوت الهادئ واللمس الجسدي. يمكن تعزيز الحساسية من خلال التلامس الجسدي المستمر (الجلد على الجلد)، ما يساعد في تناغم جسم الأم أو الأب مع حاجات الطفل.

  • تجاهل من يخبرك أنك “تدلل الطفل”. هذا غير ممكن في هذه المرحلة. الرضيع لا يملك نوايا خفية للتلاعب، بل لديه احتياجات فطرية تتطلب رعاية متجاوبة لتنمية صحية.

3. التعلق الآمن

يُعرف التعلق، حسب باولبي (1969)، بأنه “الارتباط النفسي الدائم بين البشر”، وهو يمثل القدرات الأولية للعلاقات الاجتماعية. تتشكل علاقة التعلق لدى الطفل بناءً على حساسية الوالدين وموثوقيتهم. غالبًا ما تتطور علاقة التعلق بين عمر شهرين إلى ثمانية أشهر، وتساعد الطفل على توقّع التفاعلات مع من يعتني به والاستجابة لها.

تعكس ممارسات التعلق التطور العصبي البيولوجي. فالطفل المرتبط ارتباطًا آمنًا قد اكتسب معرفة اجتماعية قائمة على أسس عصبية سليمة. أما الطفل المرتبط ارتباطًا غير آمن، فإنه يفتقر إلى الدعم العاطفي والتواصل المتبادل، ما يضعف فهمه الاجتماعي والانفعالي، ويؤثر على قدراته المعرفية وثقته في العلاقات.

على سبيل المثال، غالبًا ما يظهر الأطفال المرتبطون ارتباطًا غير آمن مشاعر سلبية تجاه أمهاتهم بمرور الوقت، ويعتمدون أكثر على التهدئة الذاتية عند لم الشمل مع أمهاتهم، كما يعانون من ارتفاع مستويات التوتر (يُقاس ذلك من خلال الكورتيزول)، سواء كانت الأم حاضرة أو لا (أنهرت، غونار، لامب، وبارثل، 2004). يعود هذا إلى أن تجاربهم المبكرة كانت مرهقة، مما يجعل عتبة استجابتهم للتوتر منخفضة جدًا. ويُظهر الأطفال الذين يفتقرون إلى مهارات تنظيم المشاعر ميلًا أكبر للعصيان لاحقًا في الطفولة المبكرة (ستيفتر وآخرون، 1999).

 

تنظيم المشاعر: مشكلات لاحقة في الطفولة

قد يؤدي التعلق غير الآمن في الطفولة المبكرة إلى مشكلات صحية لاحقًا. على سبيل المثال، يُظهر ما يقرب من خمس الأطفال في سن ما قبل المدرسة زيادة في الوزن أو سمنة، كما أن ثلث الأطفال “المعرضين للخطر” (أي المعرّضين للإساءة أو الانحراف) يعانون من السمنة. وغالبًا ما يكون لدى هؤلاء الأطفال علاقة تعلق غير آمنة مع مقدمي الرعاية الأساسيين، ويتميزون بردود فعل شديدة للتوتر.

مثال على تنظيم السلوك في الطفولة المبكرة:

يظهر ذلك من خلال مهمة “تأخير تناول الوجبة الخفيفة”، حيث يوضع الطفل في غرفة بها حلوى، ويُطلب منه عدم أكلها حتى يقرع الباحث الجرس. عرضت الدكتورة براونغارت-رايكر مثالين مصورين لطفلين يؤديان هذه المهمة:

  1. الطفل الأول يأكل الحلوى بمجرد مغادرة الباحث الغرفة.

  2. الطفلة الثانية تهمّ بلمس الجرس الذي إذا قُرع من قبل الباحث، فستكافأ بحلوى إضافية. لكنها تحاول كبح رغبتها وتتحكم في اندفاعها للحصول على الإشباع الفوري.

الخلاصة:

عندما ينشئ الآباء أو مقدمو الرعاية علاقة ارتباط آمنة مع الطفل من خلال تفاعلات متجاوبة وحساسية مستمرة، فإنهم يساعدون على تطوير أنظمة ضبط النفس لدى الطفل، مما يتيح له اتخاذ خيارات صحية وسلوكيات ناضجة لاحقًا في حياته.

المرجع:

“I Want It—Now!” How Children Learn Self-Control:

https://www.psychologytoday.com/us/blog/moral-landscapes/201412/i-want-it-now-how-children-learn-self-control