الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تأخر النمو الحركي لدى الأطفال: الأبعاد النمائية والنفسية والتربوية

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

يُعدّ النمو الحركي أحد المرتكزات الجوهرية في المسار النمائي للأطفال، إذ يمثل الوسيلة الأولى التي يكتشفون من خلالها العالم ويتفاعلون معه. فالحركة ليست مجرد نشاط عضلي، بل هي لغة مبكرة للتواصل، وأداة للتعلم، ومدخل أساسي لاكتساب الاستقلالية والاعتماد على الذات. وعندما يحدث تأخر في هذا الجانب، فإن تأثيراته لا تقتصر على الجانب البدني فقط، بل تمتد لتشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية والتربوية، مما يجعل تأخر النمو الحركي قضية نمائية متكاملة تتطلب فهمًا علميًا دقيقًا وتدخلاً متعدد الأبعاد.

يشير تأخر النمو الحركي إلى عدم تمكن الأطفال من تحقيق المعالم الحركية المتوقعة في أعمارهم النمائية، سواء في الحركات الكبرى مثل الجلوس، الزحف، الوقوف، المشي، الجري، أو في الحركات الدقيقة مثل الإمساك بالأدوات، التلوين، استخدام المقص، والكتابة. وقد يظهر التأخر في أحد النوعين أو في كليهما معًا، ويختلف في شدته من حالة لأخرى، مما يستدعي تقييمًا دقيقًا يراعي الفروق الفردية بين الأطفال.

تتعدد الأسباب المؤدية إلى تأخر النمو الحركي، وتتداخل فيها عوامل بيولوجية وطبية ووراثية وبيئية ونفسية. فمن الناحية الطبية، قد يرتبط التأخر بضعف التوتر العضلي، أو اضطرابات عصبية، أو تشوهات هيكلية، أو حالات نمائية مثل الشلل الدماغي. كما تلعب الولادة المبكرة، ونقص الأكسجين أثناء الولادة، والتهابات الجهاز العصبي دورًا مباشرًا في التأثير على المراكز المسؤولة عن التحكم الحركي في الدماغ. أما من الناحية الوراثية، فقد يظهر التأخر في سياق تاريخ عائلي يتضمن اضطرابات نمائية أو مشكلات عصبية عضلية.

في المقابل، لا يمكن إغفال أثر البيئة المحيطة بالأطفال. فقلة التحفيز الحركي، والاعتماد الزائد على الأجهزة الإلكترونية، وتقييد الحركة خوفًا على الأطفال، كلها عوامل تحد من فرص الممارسة الحركية الطبيعية التي تُعد شرطًا أساسيًا لاكتساب المهارات. كما أن نقص المساحات الآمنة للعب، وقلة التفاعل الجسدي مع المحيط، قد يسهمان في إبطاء تطور القدرات الحركية. ويبرز أيضًا الدور النفسي والاجتماعي، حيث يمكن أن يؤدي التوتر الأسري، أو الحماية الزائدة، أو غياب التشجيع، إلى تراجع دافعية الأطفال نحو الحركة والاستكشاف.

لا يقف تأثير تأخر النمو الحركي عند حدود الأداء الجسدي، بل ينعكس بوضوح على الصحة النفسية للأطفال. إذ قد يلاحظ المختصون انخفاض مستوى الثقة بالنفس لدى الأطفال المشخصين، نتيجة شعورهم المستمر بأنهم أقل قدرة من أقرانهم. ويتولد لديهم إحساس بالإحباط والخجل، خاصة في البيئات الجماعية كالمدرسة، حيث تبرز الفروق الحركية بشكل واضح أثناء اللعب أو الأنشطة البدنية. وقد يميل بعض الأطفال إلى الانسحاب الاجتماعي وتجنب المشاركة، خوفًا من التعرض للسخرية أو الفشل المتكرر.

كما قد تظهر استجابات سلوكية نتيجة تراكم هذه الخبرات السلبية، مثل المقاومة، ونوبات الغضب، والسلوكيات الاندفاعية، وهي في جوهرها تعبير عن صعوبة نفسية أكثر من كونها مشكلة سلوكية بحتة. ومع مرور الوقت، وإذا لم يتم التدخل المبكر، قد تمتد هذه التأثيرات إلى التحصيل الأكاديمي، خاصة في المهارات التي تتطلب استخدام اليدين كالكتابة والرسم، مما يضيف عبئًا إضافيًا على الأطفال في البيئة التعليمية.

يتطلب تشخيص تأخر النمو الحركي تقييمًا شاملًا يشارك فيه فريق متعدد التخصصات. يبدأ ذلك بالفحص الطبي لاستبعاد الأسباب العضوية، ثم استخدام أدوات تقييم معيارية تقيس مستوى الأداء الحركي مقارنة بالعمر النمائي للأطفال. كما يشمل التقييم ملاحظة الأداء في البيئات الطبيعية مثل المنزل والمدرسة، إلى جانب التقييم النفسي والاجتماعي لفهم الانعكاسات العاطفية والسلوكية المصاحبة. إن هذا التكامل في التقييم يسمح بوضع خطة تدخل دقيقة تراعي جميع الجوانب المؤثرة في حياة الأطفال.

يرتكز التدخل العلاجي على مبدأ التدخل المبكر والشامل. ويُعد العلاج الطبيعي من الركائز الأساسية، حيث يقدم تمارين موجهة لتحسين القوة العضلية، والتوازن، والتناسق الحركي. بينما يركز العلاج الوظيفي على تطوير المهارات الحركية الدقيقة والمهارات اليومية الوظيفية مثل استخدام الأدوات والكتابة. ويسهم الدعم التعليمي من خلال تكييف البيئة الصفية، وتعديل الأنشطة، وتوفير أدوات مساعدة، في تمكين الأطفال من المشاركة الفاعلة دون الشعور بالعجز.

ولا يقل الدعم النفسي أهمية عن التدخل الحركي، إذ يحتاج الأطفال المشخصين إلى تعزيز ثقتهم بأنفسهم، ومساعدتهم على بناء صورة ذاتية إيجابية بعيدًا عن المقارنات السلبية. كما يتطلب الأمر تدريب الأسر على استراتيجيات التحفيز اليومي، وطرق إدماج الأنشطة الحركية في الروتين المنزلي بصورة ممتعة وغير ضاغطة.

تلعب الأسرة دورًا محوريًا في مسار تطور الأطفال. فكلما كانت البيئة المنزلية داعمة ومحفزة، زادت فرص التحسن. ويشمل ذلك إتاحة فرص اللعب الحركي، وتشجيع الاستقلالية، وتجنب الحماية الزائدة، والتفاعل الإيجابي المستمر. كما أن التعاون بين الأسرة والمختصين والمعلمين يُعد عاملًا حاسمًا في استمرارية تطبيق الاستراتيجيات العلاجية في مختلف البيئات.

في السياق التعليمي، يواجه الأطفال المشخصين بتأخر النمو الحركي تحديات واضحة، خصوصًا في الأنشطة الجماعية والمهام الكتابية. وهنا تظهر أهمية الخطط التربوية الفردية التي تراعي احتياجاتهم، من خلال منح وقت إضافي، واستخدام أدوات مساعدة، وتقديم بدائل للأنشطة التي تتطلب مهارات حركية متقدمة. إن توفير بيئة صفية متفهمة يسهم في تقليل الضغط النفسي ويعزز اندماج الأطفال اجتماعيًا وأكاديميًا.

تشير الأدبيات العلمية إلى أن التدخل المبكر يُحدث فرقًا جوهريًا في النتائج النمائية للأطفال المشخصين. فكلما تم اكتشاف التأخر في وقت مبكر وبدأت برامج التدخل، زادت فرص الأطفال في اللحاق بأقرانهم أو الاقتراب من مستوياتهم النمائية، مما ينعكس إيجابًا على حياتهم المستقبلية في الجوانب التعليمية والاجتماعية والنفسية.

في الختام، فإن تأخر النمو الحركي ليس مجرد تأخر في اكتساب مهارات جسدية، بل هو ظاهرة نمائية معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة وتنعكس آثارها على جوانب مختلفة من حياة الأطفال. إن الفهم العميق لهذه الظاهرة، والتشخيص المبكر، والتدخل المتكامل الذي يجمع بين العلاج الحركي والدعم النفسي والتربوي، كفيل بإحداث تحول حقيقي في مسار حياة الأطفال المشخصين. ومن مسؤوليتنا كمجتمع صحي وتربوي أن نوفر البيئة الداعمة التي تمكّن هؤلاء الأطفال من النمو بثقة، والمشاركة بفاعلية، وتحقيق إمكاناتهم الكاملة.

المراجع (APA 7):

Adolph, K. E., & Hoch, J. E. (2019). Motor development: Embodied, embedded, enculturated, and enabling. Annual Review of Psychology, 70, 141–164. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-010418-102836

Case-Smith, J., O’Brien, J. C., & Kuhaneck, H. (2020). Occupational therapy for children and adolescents (8th ed.). Elsevier.

Piek, J. P., Hands, B., & Licari, M. (2012). Assessment of motor functioning in the preschool period. Neuropsychology Review, 22(4), 402–413. https://doi.org/10.1007/s11065-012-9211-4

World Health Organization. (2012). Early childhood development and disability: A discussion paper. WHO Press.