الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الميتفورمين ودوره في تحسين الالتزام بمضادات الذهان لدى الأطفال

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

في الممارسة الإكلينيكية اليومية، لا يُعد التحدي الأكبر في علاج الاضطرابات النفسية الذهانية هو اختيار الدواء المناسب فحسب، بل ضمان التزام الأفراد المشخّصين بخطة العلاج الدوائي على المدى الطويل. ويظهر هذا التحدي بصورة أوضح لدى الأطفال والمراهقين المشخّصين باضطرابات نمائية ونفسية يتطلب علاجها استخدام مضادات الذهان من الجيل الثاني، مثل الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه المصحوب باندفاعية شديدة، واضطرابات السلوك، وبعض حالات الوسواس القهري المقاوم للعلاج، واضطرابات المزاج المصاحبة للاضطرابات النمائية.

ورغم الفعالية السريرية الكبيرة لمضادات الذهان من الجيل الثاني (SGAs)، إلا أن زيادة الوزن الناتجة عنها تمثل أحد أهم الأسباب التي تؤدي إلى ضعف الالتزام بالعلاج، أو رفض الاستمرار فيه، أو توقف الأسر عن إعطاء الدواء للأطفال. هنا تبرز أهمية دراسة حديثة نُشرت في Journal of Clinical Psychiatry ونقلتها Psychiatric News (Richmond, 2026)، والتي توصلت إلى نتيجة لافتة: استخدام الميتفورمين بالتزامن مع مضادات الذهان لا يقي فقط من زيادة الوزن والمخاطر الأيضية، بل يرتبط أيضًا بارتفاع ملحوظ في معدلات الالتزام الدوائي وتحسن النتائج النفسية.

هذه النتيجة تفتح بابًا مهمًا لإعادة النظر في كيفية تعامل المختصين مع العلاج الدوائي لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية، من منظور لا يقتصر على السيطرة على الأعراض السلوكية، بل يشمل أيضًا إدارة الآثار الجانبية التي تؤثر بشكل مباشر على استمرارية العلاج.

توضح الدراسة أن ما بين ربع إلى ثلث الأفراد الذين يتناولون مضادات الذهان من الجيل الثاني يختبرون زيادة وزن ملحوظة خلال فترة قصيرة. هذه الزيادة لا تُعد مجرد أثر جانبي شكلي، بل تؤدي إلى سلسلة من التغيرات النفسية والسلوكية لدى الأطفال. فالأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية غالبًا ما يعانون أصلًا من صعوبات في صورة الجسد، وحساسية عالية تجاه التغيرات الجسدية، ونظرة سلبية للذات، خاصة لدى المراهقين منهم. وعندما تبدأ الزيادة السريعة في الوزن بالظهور، تتفاقم مشاعر الرفض، والإحباط، والانسحاب الاجتماعي، وقد يتولد لديهم رفض صريح لتناول الدواء.

من زاوية تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، يمكن فهم هذه الظاهرة بوضوح. زيادة الوزن تمثل مثيرًا منفّرًا (aversive stimulus) يرتبط مباشرة بسلوك تناول الدواء. ومع تكرار هذا الارتباط، يحدث ما يشبه الإشراط الشرطي بين الدواء والشعور غير المرغوب فيه تجاه الجسد، فيبدأ الأطفال برفض الدواء، أو التهرب منه، أو إخفائه، أو مقاومة مواعيده. هنا لا يكون ضعف الالتزام نتيجة “عدم وعي”، بل نتيجة عملية تعلم سلوكي واضحة.

الميتفورمين، في هذا السياق، لا يعمل فقط كدواء أيضي، بل كعامل وقائي سلوكي غير مباشر. فعندما يمنع الزيادة المفرطة في الوزن، فإنه يزيل المثير المنفّر المرتبط بالدواء، ويكسر دائرة الإشراط السلبي بين تناول مضاد الذهان والشعور بعدم الرضا الجسدي. وبهذا، يُسهم في تحسين الالتزام الدوائي دون تدخل سلوكي مباشر.

الدراسة أشارت إلى أن الالتزام بمضادات الذهان ارتفع بنسبة تتراوح بين 10–15% لدى الأفراد الذين استخدموا الميتفورمين مقارنة بمن لم يستخدموه. قد تبدو هذه النسبة بسيطة إحصائيًا، لكنها سريريًا ذات أثر بالغ، لأن التحسن البسيط في الالتزام الدوائي يرتبط بانخفاض معدلات الانتكاس، وتحسن الاستقرار النفسي، وتقليل الدخول المتكرر للمستشفيات.

وعند إسقاط هذه النتائج على الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية، تتضاعف أهمية الأمر. فهؤلاء الأطفال لا يعتمد استقرارهم فقط على الدواء، بل على التكامل بين الدواء، والتدخلات السلوكية، والدعم الأسري، والبيئة المدرسية. وعندما يتوقف الدواء بسبب زيادة الوزن، تتدهور السلوكيات، ويزداد التهيج، وتتراجع المهارات الاجتماعية، وتفشل خطط تغيير السلوك، ويظن المختصون أن المشكلة في “عدم فاعلية البرنامج”، بينما يكون السبب الحقيقي هو توقف الالتزام الدوائي.

من منظور الطب النفسي النمائي، فإن إدارة الآثار الجانبية لمضادات الذهان يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من الخطة العلاجية منذ البداية، وليس استجابة لاحقة بعد ظهور المشكلة. وهنا تظهر أهمية التفكير الاستباقي بوصف الميتفورمين بالتزامن مع مضادات الذهان لدى الأطفال المعرضين لخطر زيادة الوزن، حتى وإن لم تظهر لديهم مشكلات أيضية بعد.

كما أن هذه الممارسة تحمل بُعدًا نفسيًا مهمًا للأسر. كثير من أولياء الأمور يبدؤون بملاحظة زيادة الوزن ويشعرون بالذنب لأنهم “يسببون” ذلك لأطفالهم بسبب الدواء، مما يدفعهم لإيقاف العلاج دون استشارة المختصين. وجود الميتفورمين يقلل هذا القلق، ويعزز ثقة الأسرة بالخطة العلاجية، ويزيد من تعاونهم مع الفريق العلاجي.

من جهة أخرى، فإن الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية غالبًا ما تكون لديهم أنماط غذائية انتقائية، ونشاط بدني منخفض، وصعوبات في تنظيم الشهية، مما يجعلهم أكثر عرضة لزيادة الوزن الناتجة عن مضادات الذهان مقارنة بغيرهم. لذلك فإن الوقاية المبكرة باستخدام الميتفورمين قد تكون ذات جدوى أكبر لديهم.

يشير بعض الخبراء إلى أن الميتفورمين يُعد تدخلًا بسيطًا، آمنًا، منخفض التكلفة، وله فوائد إضافية مثل تحسين مؤشر كتلة الجسم، وخفض سكر الدم الصائم، وتقليل مقاومة الإنسولين. وعند إضافة ميزة تحسين الالتزام الدوائي، يصبح هذا التدخل ذا قيمة علاجية مضاعفة.

إن الربط بين هذه النتائج ومجال الاضطرابات النمائية يدعونا لإعادة تعريف مفهوم “الرعاية الشاملة”. فالرعاية لا تعني فقط اختيار الدواء المناسب، بل إدارة تأثيراته على نفسية الأطفال، وصورة أجسادهم، وسلوكياتهم، وعلاقتهم بالعلاج.

ختامًا، يمكن القول إن الميتفورمين، في سياق علاج الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية الذين يستخدمون مضادات الذهان، لا يُعد مجرد دواء وقائي من السمنة، بل أداة غير مباشرة لتعزيز الالتزام العلاجي، وتحسين الاستقرار النفسي، ودعم نجاح البرامج السلوكية، وتقليل مقاومة الأسر للعلاج. وهذا يعكس أهمية التكامل الحقيقي بين الطب النفسي، والتحليل السلوكي التطبيقي، والرعاية الأيضية في خدمة الأطفال المشخّصين.

 

المرجع

Richmond, L. M. (2026). Better antipsychotic adherence might be as easy as prescribing metformin. Psychiatric News, 61(1). https://doi.org/10.1176/appi.pn.2026.01.1.23