ترجمة: أ. رزان بن دهر
منذ نحو 50 عامًا، كان يُعرَف هذا الاضطراب باسم “الاضطراب الحركي المفرط”، وكان يُفسَّر فقط في إطار فرط النشاط وضعف ضبط الاندفاع، لكن مع مرور الوقت — وخاصة خلال العقد الأخير — توسّع فهمنا لهذه الحالة بشكل كبير؛ إذ أصبحنا نعلم اليوم أن أعراضها لا تقتصر على تشتت الانتباه أو صعوبات التنظيم الذاتي، بل تمتد أيضًا إلى الحساسية العاطفية والجوانب السلوكية والمعرفية الأخرى.
وبالتوازي مع هذا التطور العلمي في فهم ADHD، نما إدراكنا لمجال علم الوراثة اللاجينية (Epigenetics) — وهو العلم الذي يدرس كيف يمكن لعوامل نمط الحياة مثل التغذية، والرياضة، والنوم أن تُحدث تغييرات فعلية وملموسة على عمل الجينات داخل الحمض النووي، صحيح أن ADHD اضطراب ذو جذور وراثية، لكن التغيرات في الجينات تتحكم في مدى قوة أو ضعف التعبير عنها في حياتنا اليومية.
بمعنى آخر، الجينات ليست قاطعة فمع أن الجينات تلعب دورًا أساسيًا في ADHD، إلا أن البيئة المحيطة تُسهم أيضًا بدور محوري — سواء كعامل مسبب أو كوسيلة مساعدة للعلاج، وهذا يعني أن العائلات تستطيع أن تُحدث فرقًا ملموسًا في الأعراض عبر تعديل بيئة الفرد بطرق بسيطة تتمثل في: تحسين النوم، وزيادة النشاط البدني، وتبني عادات غذائية صحية.
قوة النوم
النوم الكافي يُعتبر أحد أعظم الهدايا للدماغ والجسم، فالعلاقة الإيجابية بين النوم الجيد والصحة مثبتة علميًا بشكل واسع، ورغم ذلك غالبًا ما يُهمل النوم عند الأطفال والبالغين على حد سواء — خاصة عند الأشخاص المشخصين بـ ADHD، الذين قد ينظرون إلى النوم باعتباره “إضاعة للوقت” أو يواجهون صعوبة في تهدئة عقولهم في وقت الليل.
النوم العميق هو أداة فعّالة في ضبط المزاج والحفاظ على التركيز طوال ساعات النهار، كما أن النوم الكافي يُعزّز التعلم والذاكرة؛ فقد أظهرت دراسات تصوير الدماغ مرارًا أن الدماغ يظل نشطًا أثناء النوم، حيث يُعيد تنظيم وترسيخ المعلومات التي استقبلها خلال اليوم.
بمجرد أن تترسخ عادات النوم السيئة، يصبح من الصعب تصحيحها، فقد يُظهر الأطفال مشكلات سلوكية مرتبطة بالنوم — مثل رفض الذهاب إلى السرير أو المعاناة من القلق ليلًا — الأمر الذي يرهق الوالدين المنهكين بينما يحاولون فرض روتين نوم منتظم. أما المراهقون الأكبر سنًا والبالغون، فقد يعانون من اضطراب في الساعة البيولوجية يجعل النوم ليلًا والاستيقاظ مبكرًا في الصباح أمرًا بالغ الصعوبة وإلى جانب ذلك، قد يخرب الأشخاص من جميع الأعمار نومهم بسبب الشاشات المنتشرة في حياتنا اليومية، والتي تُربك مستقبلات الضوء الطبيعية في الدماغ المسؤولة عن تنظيم إفراز الهرمونات.
خطوات عملية لتحسين النوم
لإعادة ضبط عادات النوم، يُنصح باتباع الخطوات التالية:
- الابتعاد عن الشاشات — بما في ذلك التلفاز، والكمبيوتر، والهاتف، وأجهزة الألعاب — قبل ساعة واحدة على الأقل من موعد النوم، وإذا كان لا بد من استخدامها، يمكن تنزيل تطبيقات أو استخدام أغطية للشاشات تغيّر الضوء المنبعث إلى الضوء البرتقالي، الذي يُعد أقل إزعاجًا للنوم من الضوء الأزرق لكن الأفضل هو تجنّب الشاشات تمامًا قبل النوم.
- إنشاء روتين ثابت للنوم يستمر ما بين 30 و60 دقيقة، ويُمارَس كل ليلة في الوقت نفسه، ينبغي أن يكون هذا الروتين مريحًا وغير متعجل، وأن ينتهي بلحظة إيجابية تساعدك أنت أو طفلك على الاسترخاء والخلود للنوم بهدوء، بالنسبة للأطفال، يمكن أن يشمل قراءة قصة قبل النوم أو غناء أغنية خاصة مع أحد الوالدين أما البالغون فيمكن أن يتضمن أخذ حمام دافئ أو شرب كوب من شاي الأعشاب أثناء القراءة، القوة الحقيقية تكمن في التكرار؛ فممارسة نفس الأنشطة كل ليلة قبل الاستلقاء على السرير تجعل الجسم يربط بينها وبين النوم الهادئ والمريح.
- مكملات الميلاتونين يمكن أن تفيد المراهقين الأكبر سنًا والبالغين بشكل خاص، ممن يحتاجون إلى إعادة ضبط ساعتهم البيولوجية لكن يجب الانتباه إلى أن الميلاتونين قد يعرقل التطور الطبيعي لدورة نوم الأطفال الصغار (وفي الواقع، وبسبب احتمال حدوث آثار جانبية، ينبغي استشارة الطبيب قبل البدء في استخدامه) من الأفضل تناول الميلاتونين قبل النوم بعدة ساعات، حتى تُتاح للهرمون فرصة الارتفاع تدريجيًا قبل موعد النوم كثير من الأشخاص يقعون في خطأ تناوله مباشرة قبل الاستلقاء، مما يؤدي غالبًا إلى تأخر النوم وصعوبة الاستيقاظ صباحًا.
- الأطفال الذين يعانون من مشكلات نوم شديدة قد يستفيدون من برامج سلوكية قصيرة المدى صُممت خصيصًا لتحسين عادات النوم عادة ما تكون هذه البرامج أقل تكلفة وأقصر زمنًا من العلاج السلوكي التقليدي؛ وفي بعض الحالات، يلاحظ الوالدان تحسنًا ملحوظًا بعد جلسة واحدة فقط.
نصيحة إضافية: على الطلاب مراجعة ملاحظاتهم الدراسية قبل النوم بساعتين أو ثلاث ساعات لتعزيز عملية التعلم وقد أشارت بعض الأبحاث أيضًا إلى أن نشر رائحة لطيفة ومميزة — مثل النعناع أو اللافندر — أثناء الدراسة وأثناء النوم يمكن أن يساعد في تقوية الارتباط الحسي وبالتالي تحسين تثبيت المعلومات في الذاكرة.
الرياضة للجسم والعقل
تشير الدراسات إلى أن ممارسة التمارين الرياضية بانتظام يمكن أن تقلل بشكل كبير، بل وقد تعكس تمامًا، التأثيرات اللاجينية السلبية الناتجة عن الضغط النفسي أو الصدمات كما أن النشاط البدني يحفّز نمو الدماغ، ويُحسّن كفاءته، ويُعزز القدرات التعليمية والتغيرات الدماغية المرتبطة بالرياضة تظهر بشكل أوضح في المناطق التي ترتبط مباشرة باضطراب ADHD، مثل: الوظائف التنفيذية، والانتباه، والذاكرة العاملة.
وتقترح الدراسات أن أثر الرياضة على أعراض ADHD يفوق أثر الغذاء — وهو الاستراتيجية العلاجية الأكثر شيوعًا في التوصيات، فقد خلصت ثلاث مراجعات تحليلية كبرى نُشرت خلال العام الماضي إلى أن حجم الأبحاث حول الرياضة لا يزال محدودًا مقارنة بدراسات الدواء أو العلاج النفسي، إلا أن أثرها على بعض الأشخاص المشخصين بـ ADHD قد يكون مذهلًا بالفعل.
ومع ذلك، لا تزال العائلات تجد صعوبة في الحفاظ على عادات ممارسة الرياضة عندما تشعر بضيق الوقت أو ضعف الدافعية، وقد يتجنب الأطفال المشخصين باضطراب ADHD الرياضات الجماعية — أو يفضلون ألعاب الفيديو على اللعب في الخارج — مما يجعل حصولهم على القدر الكافي من النشاط البدني أكثر صعوبة.
خطة عمل لممارسة الرياضة
إليك بعض الخطوات التي تساعد على بناء روتين رياضي لتحسين أعراض ADHD:
- الهدف هو ساعة من التمارين يوميًا، لكن تذكر: لا يجب أن تكون متواصلة، فقد أظهرت الأبحاث أن تقسيم التمرين إلى أربع جلسات مدة كل منها 15 دقيقة يحقق نفس الفائدة تقريبًا، بل وقد يكون أسهل دمجًا في جدول مزدحم.
- يجب أن تكون التمارين متوسطة إلى قوية الشدة — أي أن يكون التنفس سريعًا ومجهدًا بعض الشيء، لكن دون الوصول إلى مرحلة الإرهاق.
- التنوع في الأنشطة مهم، بحيث تشمل تمارين تعلّم الحركات والتنسيق العضلي، وليس فقط النشاط الهوائي فقد أظهرت الدراسات أن رياضات مثل الفنون القتالية، وكرة السلة، والرقص لها أثر إيجابي على أدمغة الأشخاص المشخصين بـ ADHD.
- مارس الرياضة مع الآخرين ممارسة التمارين كعائلة أو مع صديق يزيد من احتمالية الاستمرار في الروتين.
- إذا لم تستمر على نشاط واحد، جرّب آخر لا تتردد في التجربة حتى تجد النشاط الرياضي الأنسب لك ولعائلتك.
- شجّع الأطفال الأصغر سنًا على اللعب في الهواء الطلق واللعب التخيلي لا بأس بالتمارين داخل المنزل، خصوصًا لمن يعيشون في المدن، لكن الأطفال غالبًا ما يكونون أكثر نشاطًا بشكل تلقائي عند اللعب خارجًا.
- حتى القليل أفضل من لا شيء تقبّل عدم المثالية؛ فإذا كان من الصعب الالتزام بروتين صارم، فليكن الهدف مجرد ممارسة قدر بسيط من الرياضة كل يوم.
التغييرات الغذائية لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه
تُظهر الأبحاث أن للطعام تأثيرات لاجينية (Epigenetic) قوية على الدماغ ومن أبرز النتائج ما يلي:
- يتكوّن الدماغ في معظمه من الدهون، والخلايا الدهنية المحيطة بالخلايا العصبية تلعب دورًا مهمًا في عملية الإشارات العصبية وقد أشارت عقود من الأبحاث إلى أن الأحماض الدهنية أوميغا-3 — الموجودة في الأسماك والمكسرات والأطعمة الغنية بالدهون الصحية — تُعدّ عنصرًا غذائيًا مفيدًا في تعزيز قوة الإشارات العصبية.
- تعتمد عملية الإشارات في الدماغ أيضًا على العناصر الدقيقة (Micronutrients) مثل الزنك، والحديد، وفيتامين D وإذا كانت مستويات هذه العناصر منخفضة — كما هو الحال غالبًا عند الأطفال والبالغين المشخصين بـ ADHD — فإن التركيز والانتباه وضبط الاندفاع سيتأثر سلبًا.
- ومع ذلك، من الصعب تحديد التأثير الدقيق للتغذية على أعراض ADHD، لأن حجم التأثيرات الكلي في الأبحاث لا يزال محدودًا فنحن نعلم أن بعض الأفراد لا يستجيبون إطلاقًا للتغييرات الغذائية، بينما يُظهر آخرون تحسنًا كبيرًا ولا توجد وسيلة لمعرفة ما إذا كانت تغييرات النظام الغذائي ستؤثر عليك أو على طفلك من دون تجربتها عمليًا.
خطوات غذائية عملية
تبدأ معظم العائلات بالاستراتيجيات قليلة الجهد الموضحة أدناه، ثم تنتقل إلى الاستراتيجيات الأكثر تطلبًا إذا توفرت الدافعية والموارد والنتائج المشجعة.
استراتيجيات قليلة الجهد:
- التسوق من أطراف المتجر: حيث تُعرض الأطعمة الطازجة وغير المعالجة، مما يساعد الأسرة على تقليل استهلاك السكر، والمواد المضافة الصناعية، والكربوهيدرات البسيطة.
- تقليل أو إلغاء الكافيين، خاصة للأطفال: قد يجد بعض البالغين أن الكافيين يساعدهم على ضبط أعراض ADHD، وهناك بعض الأدلة التي تدعم هذا الافتراض لكن بالنسبة للأطفال، فإن المخاطر المرتبطة بالاستهلاك المفرط للكافيين كبيرة جدًا — خصوصًا عند اقترانه بكميات السكر العالية الموجودة غالبًا في مشروبات الطاقة والمشروبات الغازية.
- إضافة الأسماك الباردة أو مكملات زيت السمك إلى الروتين اليومي: يُوصى بأن يتناول الأطفال والبالغون ما لا يقل عن 1000 ملغ من أحماض أوميغا-3 الدهنية يوميًا، إذا كنت أنت أو طفلك تتناولون الأسماك أو الأطعمة الغنية بأوميغا-3 بانتظام، فإن الوصول إلى هذه الكمية أمر سهل أما إذا لم يكن ذلك متاحًا، فيُنصح بتناول مكمل يومي من زيت السمك.
استراتيجيات عالية الجهد:
- فحص مستويات العناصر الدقيقة في الدم: اطلب من طبيبك إجراء تحليل دم بسيط للتحقق من نقص المعادن الأساسية وإذا كانت المستويات منخفضة، ناقش معه خيار المكملات لا تبدأ بتناول أي مكملات — وخاصة مكملات الحديد — قبل إجراء الفحوصات، لأن الكميات الزائدة من هذه المعادن قد تكون خطيرة عند تناولها على شكل مكملات.
- التخلص من الأطعمة التي تزيد من شدة الأعراض مثل السكر، والغلوتين، ومنتجات الألبان، والمواد المضافة للأطعمة، من الصعب الالتزام بخطط الاستبعاد الغذائي — خاصة مع الأطفال الانتقائيين في الأكل والمراهقين — كما قد تؤدي إلى نقص غذائي إذا لم تتم مراقبتها بعناية لتحقيق أفضل النتائج، جرّب استبعاد نوع واحد من الطعام في كل مرة (مثل الغلوتين أولًا)، أو اعمل مع مختص لضمان بقاء النظام الغذائي متوازنًا.
خلق التآزر بين العوامل الثلاثة
النوم والتغذية والرياضة متداخلة ويؤثر كل منها في الآخر طوال اليوم فمثلًا: الطعام الصحي يمنح طاقة لممارسة الرياضة بفعالية أكبر، بينما تُهيّئ الرياضة الجيدة الجسم لنوم أكثر عمقًا وراحة ولأفضل النتائج، حاول خلق تآزر إيجابي بين العوامل الثلاثة بالجمع بين الطرق الأكثر فاعلية وسهولة بالنسبة لك.
هذا المزيج يختلف من شخص لآخر فمحاولة تطبيق كل الاستراتيجيات دفعة واحدة قد تكون طموحة أكثر من اللازم بالنسبة لمعظم الأشخاص لذلك، ركّز على الخيارات الأكثر ملاءمة لأعراضك وأسلوب حياتك — وتذكّر أن القليل أفضل من لا شيء.
في معظم الحالات، لن تُغني تغييرات النوم والتغذية والرياضة عن الأدوية أو العلاج النفسي في خطة علاج ADHD، ولا ينبغي أن تكون بديلًا عنها لكنها تعمل بفعالية كعلاجات مساندة وعند استخدامها بالشكل الصحيح، قد تقلل من الحاجة إلى جرعات دوائية عالية، أو تجعل الاستشارات النفسية أقل كثافة أيًا كان المسار العلاجي الذي تتبعه، من الأفضل دائمًا أن توازن بين الرعاية الطبية المهنية وبين تبنّي عادات حياتية صحية متعمدة، ضمن نهج علاجي متكامل.
المرجع:
Beyond Genes: Leveraging Sleep, Exercise, and Nutrition to Improve ADHD
https://www.additudemag.com/adhd-lifestyle-changes-food-sleep-exercise-genes-environment/





