الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تعرّف إلى نوبات الهلع واضطراب الهلع

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

 

تُعدّ نوبة الهلع حالة من الاندفاع المفاجئ لمشاعر خوف شديد للغاية، يصاحبها عدد من الأعراض الجسدية القوية والأفكار الكارثية. فقد يشعر الشخص أثناء النوبة بأن قلبه ينبض بسرعة كبيرة، أو يجد صعوبة في التنفس، وقد تراوده أفكار مخيفة مثل الاعتقاد بأنه سيفقد السيطرة على نفسه أو أنه قد يموت. وعلى الرغم من أن نوبات الهلع تبدو مرعبة للغاية عند حدوثها، فإنها في الواقع ليست خطيرة من الناحية الطبية.

عندما يبدأ الأشخاص في القلق المستمر بشأن حدوث نوبات الهلع مرة أخرى، ويحاولون اتخاذ خطوات كثيرة لتجنّب احتمال تكرارها، فقد يكونون يعانون مما يُعرف باسم اضطراب الهلع.

تشير التقديرات إلى أن ما بين شخص واحد إلى ثلاثة أشخاص من كل مئة شخص قد يعانون من اضطراب الهلع في كل عام. أما نوبات الهلع نفسها فهي أكثر شيوعًا بكثير؛ إذ قد يمرّ بها العديد من الأشخاص مرة واحدة على الأقل خلال حياتهم.

وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن العلاج المعرفي السلوكي (CBT) يُعد من أكثر العلاجات فعالية في علاج اضطراب الهلع؛ إذ تشير الدراسات إلى أن نحو 80٪ من الأشخاص الذين يكملون برنامج العلاج المعرفي السلوكي يصبحون خالين من نوبات الهلع عند انتهاء العلاج.

ما هي نوبات الهلع وما هو اضطراب الهلع؟

نوبة الهلع هي حلقة قصيرة من الخوف الشديد للغاية قد تحدث أحيانًا بشكل مفاجئ تمامًا، ومن دون سبب واضح. وغالبًا ما تصل شدة النوبة إلى ذروتها خلال دقائق قليلة فقط، لكنها خلال تلك الدقائق قد تكون تجربة شديدة الإزعاج والقلق.

تتضمن نوبة الهلع عادةً مزيجًا من الأعراض الجسدية والنفسية التي قد يشعر بها الشخص بقوة.

ومن أبرز الأعراض الشائعة لنوبات الهلع:

  • خفقان القلب أو تسارع ضرباته

  • التعرّق

  • الارتجاف أو الاهتزاز

  • الشعور بضيق في التنفس أو الاختناق

  • الإحساس بأن الحلق يضيق أو أن الشخص يختنق

  • ألم أو ضغط في الصدر

  • الغثيان أو اضطرابات في المعدة

  • الشعور بالدوخة أو عدم التوازن أو الإغماء

  • الإحساس بالقشعريرة أو موجات من الحرارة

  • الشعور بالتنميل أو الوخز في أجزاء من الجسم

  • الشعور بأن الواقع غير حقيقي أو الإحساس بالانفصال عن الذات

  • الخوف من فقدان السيطرة أو “الجنون”

  • الخوف من الموت

قد لا تظهر جميع هذه الأعراض لدى كل شخص، لكن وجود عدة أعراض في الوقت نفسه هو ما يجعل تجربة نوبة الهلع تبدو شديدة ومخيفة.

كيف يشعر الشخص أثناء نوبة الهلع؟

قصة “تيد” وخوفه من الإغماء

يروي “تيد” تجربته مع أول نوبة هلع مرّ بها قائلاً:

حدثت أول نوبة هلع لي خلال فترة مليئة بالضغوط في حياتي. كنت أحاول إنهاء مهمة في العمل بسرعة حتى أتمكن من مغادرة المكتب في الوقت المناسب لزيارة والدتي في المستشفى.

وأكمل قائلاً:

أثناء الطريق إلى المستشفى علقت في ازدحام مروري شديد، وبدأت أقلق من أنني قد أفوّت وقت الزيارة. وعندما وصلت إلى المستشفى شعرت فجأة بدوار شديد وكأنني لا أستطيع التنفس بشكل طبيعي.

يصف تيد ما حدث بعد ذلك:

اجتاحتني موجة كبيرة من الخوف. شعرت بأن جسمي أصبح ساخنًا ومتعرقًا، وبدأت أفكر أنني قد أفقد الوعي في أي لحظة. اضطررت إلى مغادرة المستشفى والوقوف في الخارج لأتنفس الهواء النقي بعمق حتى أهدأ.

ويضيف:

لم تستغرق النوبة سوى بضع دقائق، لكنها بدت لي وكأنها استمرت زمنًا طويلًا جدًا.

بعد أن تعافت والدته وغادرت المستشفى، لم تنتهِ تجربة تيد مع نوبات الهلع. فقد بدأ يعاني من نوبات متكررة خلال الأشهر التالية.

يقول تيد:

كانت النوبات تأتي فجأة تمامًا ومن دون أي إنذار. كنت أشعر بخوف شديد للغاية. كان قلبي ينبض بسرعة كبيرة وأشعر بأن حلقي يضيق.

وكانت الأفكار المخيفة تزيد الأمر سوءًا:

كنت أخشى أنني لن أتمكن من الحصول على كمية كافية من الهواء وأنني قد أفقد الوعي. ولم أكن أشعر بالتحسن إلا عندما أخرج إلى أماكن مفتوحة.

وبسبب هذه التجارب بدأ تيد يتجنب الأماكن المزدحمة، كما أصبح يتسوق في وقت متأخر من الليل عندما يكون عدد الناس أقل.

كيف أعرف إن كنت قد تعرضت لنوبة هلع؟

إذا مرّ الشخص بموقف شعر فيه بخوف شديد، وظهرت لديه أربعة أعراض أو أكثر من الأعراض المذكورة سابقًا، فمن المحتمل أنه قد مرّ بنوبة هلع.

ومع ذلك، من المهم التذكير بأن:

  • نوبات الهلع شائعة جدًا بين الناس.

  • حدوث نوبة هلع لا يعني أن هناك مشكلة خطيرة في الشخص.

  • لا يحتاج الجميع إلى علاج بعد حدوث نوبة هلع واحدة.

لكن قد يصبح من المفيد طلب المساعدة المهنية عندما يبدأ الشخص بالقلق المستمر من حدوث نوبات أخرى إلى درجة تؤثر في حياته اليومية.

هل يمكن أن أكون مصابًا باضطراب الهلع؟

تشخيص اضطراب الهلع يجب أن يتم فقط بواسطة مختص في الصحة النفسية مثل الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي.

ومع ذلك، يمكن لبعض الأسئلة أن تساعد في تحديد ما إذا كان من المفيد طلب تقييم متخصص.

إذا سبق لك أن تعرضت لنوبة هلع، فاسأل نفسك:

  • هل راودتك أفكار بأن شيئًا سيئًا قد يحدث بسبب نوبات الهلع؟
    مثل: فقدان السيطرة أو الموت أو الجنون.

  • هل بدأت تتجنب أماكن أو مواقف لأنك تخشى حدوث نوبة هلع فيها؟

  • هل غادرت مواقف أو أماكن قبل انتهائها بسبب نوبة هلع؟

  • هل تقضي وقتًا طويلًا في القلق أو الاستعداد للمواقف التي قد تحدث فيها نوبات هلع؟

  • هل تحاول تشتيت نفسك باستمرار حتى لا تفكر في نوبات الهلع؟

  • هل احتجت إلى مساعدة للتعامل مع النوبات مثل الأدوية أو الكحول أو الاعتماد على الآخرين؟

  • هل تشعر بقلق مستمر أو خوف من حدوث نوبات جديدة؟

إذا كانت الإجابة “نعم” على عدد كبير من هذه الأسئلة، فقد يشير ذلك إلى احتمال وجود اضطراب الهلع، وقد يكون من المفيد التحدث مع طبيب أو مختص في الصحة النفسية.

ماذا يحدث في الجسم أثناء نوبة الهلع؟

يمتلك الدماغ البشري نظامًا متطورًا للغاية لاكتشاف المخاطر والتهديدات. وفي الواقع، قد يكون هذا النظام مفرط الحساسية أحيانًا.

فالدماغ يعمل وفق مبدأ:
“الوقاية أفضل من الندم”.

بمعنى أنه يفضل إطلاق عدة إنذارات كاذبة بدلاً من أن يفشل في اكتشاف خطر حقيقي.

المشكلة أن الدماغ لا يميز دائمًا بدقة بين التهديدات الحقيقية والتهديدات المتخيلة التي قد تكون مجرد أفكار في ذهن الشخص.

عندما يحدث هذا الخطأ، قد يتم تشغيل ما يُعرف بـ استجابة “الكرّ أو الفرّ” (Fight or Flight Response).

وهذه الاستجابة هي نظام دفاعي طبيعي في الجسم يُعدّ الشخص لمواجهة الخطر أو الهروب منه. وهي المسؤولة عن الأعراض الجسدية مثل:

  • تسارع ضربات القلب

  • زيادة سرعة التنفس

  • التعرّق

  • توتر العضلات

وعندما تظهر هذه الأعراض من دون سبب واضح قد يشعر الشخص بالخوف الشديد.

ثم تبدأ الأفكار في تفسير هذه الأعراض، مثل:

  • “ربما أعاني من أزمة قلبية.”

  • “ربما سأفقد السيطرة.”

  • “ربما سأموت.”

هذه الأفكار الكارثية تجعل الدماغ يعتقد أن هناك خطرًا أكبر، مما يؤدي إلى زيادة شدة استجابة الكرّ أو الفرّ، وبالتالي تصبح الأعراض أقوى.

لماذا يعاني بعض الأشخاص من نوبات الهلع؟

لا يوجد سبب واحد محدد يفسر حدوث نوبات الهلع. لكن هناك عدة عوامل قد تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة لها، ومنها:

1. التعرّض لضغوط شديدة

عندما يكون الشخص تحت ضغط كبير أو يعاني من توتر مستمر، يصبح جهازه العصبي أكثر حساسية، وقد يكون من السهل أن تُثار استجابة الهلع.

2. الحساسية العالية للأحاسيس الجسدية

بعض الأشخاص يلاحظون التغيرات البسيطة في أجسامهم بسرعة أكبر من غيرهم، وقد يفسرون هذه التغيرات على أنها خطيرة.

3. الاستجابات البيولوجية القوية للتوتر

قد تكون أجسام بعض الأشخاص أكثر ميلاً لإفراز هرمونات التوتر مثل:

  • الأدرينالين

  • الكورتيزول

4. التفكير الكارثي

وهو الميل إلى توقع أسوأ الاحتمالات دائمًا. وقد يتعلم بعض الأشخاص هذا النمط من التفكير من البيئة الأسرية أو من تجارب الحياة.

5. وجود اضطرابات نفسية أخرى

قد تحدث نوبات الهلع لدى أشخاص يعانون من حالات نفسية أخرى مثل:

  • اضطراب ما بعد الصدمة

  • اضطراب الوسواس القهري

  • الاكتئاب

كما تشير الأبحاث إلى أن هناك عوامل وراثية عامة قد تزيد القابلية للاضطرابات العاطفية، لكن لا يوجد جين محدد يسبب اضطراب الهلع بشكل مباشر.

 

ما الذي يحافظ على استمرار نوبات الهلع؟

تشير الدراسات إلى أن العلاج المعرفي السلوكي (CBT) من أكثر العلاجات فعالية لاضطراب الهلع.

يشبّه بعض المختصين المعالجين في هذا النوع من العلاج برجال الإطفاء. فعندما يكون الحريق مشتعلاً، لا يركزون كثيرًا على سبب اندلاع الحريق، بل يهتمون أكثر بـ العوامل التي تبقيه مستمرًا.

وبالمثل، يركز العلاج المعرفي السلوكي على العوامل التي تحافظ على استمرار نوبات الهلع.

وقد حدد عالم النفس ديفيد كلارك عددًا من العوامل المهمة التي تسهم في استمرار هذه النوبات، مثل:

  • تفسير الأعراض الجسدية تفسيرًا كارثيًا

  • التركيز المفرط على الإحساسات الجسدية

  • تجنب المواقف التي قد تحدث فيها النوبات

  • استخدام سلوكيات أمان تمنع الشخص من مواجهة مخاوفه

طرق علاج اضطراب الهلع

العلاجات النفسية

تشير الأبحاث إلى أن أفضل علاج لاضطراب الهلع هو:

  • العلاج النفسي
    أو

  • العلاج النفسي مع الأدوية المضادة للاكتئاب

ويُعد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) من أكثر العلاجات النفسية فعالية.

عادةً يتضمن العلاج المعرفي السلوكي:

  • جلسات أسبوعية

  • مدة إجمالية تتراوح بين 7 و14 ساعة علاجية

  • جلسات مدتها بين ساعة وساعتين

يتميز هذا النوع من العلاج بأنه منظم ومحدد الأهداف. حيث يعمل الأخصائي مع الشخص على وضع أهداف واضحة للعلاج.

وقد يتضمن العلاج عددًا من الاستراتيجيات مثل:

  • فهم الأعراض ومتابعة التقدم

  • التثقيف حول القلق واستجابة الكرّ أو الفرّ

  • مناقشة الأفكار التي تظهر أثناء القلق

  • التعرض التدريجي للأحاسيس الجسدية المزعجة

  • إجراء تجارب سلوكية لاختبار المعتقدات

  • ممارسة المهارات خارج الجلسات

  • وضع خطة للوقاية من الانتكاس

العلاج الدوائي

تشير إرشادات المعهد الوطني للصحة وجودة الرعاية في المملكة المتحدة (NICE) إلى أن الأدوية المناسبة للاستخدام طويل المدى في علاج اضطراب الهلع تشمل:

  • مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)

  • مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات (TCAs)

أما أدوية البنزوديازيبينات فلا يُنصح باستخدامها في علاج اضطراب الهلع على المدى الطويل؛ لأنها ترتبط بنتائج أقل فاعلية على المدى البعيد.

 

المرجع 

Learn About Panic Attacks and Panic Disorder

https://www.psychologytools.com/articles/learn-about-panic-attacks-and-panic-disorder