الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

هل اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه وراثي؟

 

ترجمة: أ. رزان بن دهر

 

من أين ينشأ اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه؟ وهل هو موروث؟

اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه (ADHD أو ADD) هو اضطراب في الدماغ يُعتقد أن له عدة أسباب محتملة، لكن المجتمع الطبي لم يتمكّن بعد من تحديد سبب واحد يفسّر جميع أعراضه بشكل قاطع، ويشتبه الباحثون في أن أحد الجينات المسؤولة عن إنتاج الدوبامين — وهي مادة كيميائية تلعب دورًا أساسيًا في قدرة الدماغ على الحفاظ على الانتباه بشكل منتظم وثابت — قد يكون مرتبطًا بهذا الاضطراب ومع ذلك، فإن عدد الدراسات العلمية الحاسمة ما زال أقل بكثير من الخرافات والمفاهيم المغلوطة الشائعة حول ADHD.

اضطراب ADHD لا تسببه التربية السيئة، أو الإفراط في تناول السكر، أو قضاء وقت طويل في ألعاب الفيديو، فهو اضطراب بيولوجي يعتمد على بنية الدماغ ووظائفه، وقد أثبتت دراسات تصوير الدماغ وأبحاث أخرى وجود اختلافات واضحة في أدمغة المشخصين به، كما أظهرت دراسات أن الطفل المشخص بـ ADHD تزيد احتمالية أن يكون له قريب مشخص بالاضطراب بمقدار أربعة أضعاف مقارنة بغيره.

هل ADHD وراثي؟

تشير الأدلة العلمية إلى أن اضطراب ADHD يمكن أن يكون وراثيًا، حيث ينتقل من الوالد إلى الطفل، ويظهر أن هذا الاضطراب ينتشر في بعض العائلات؛ إذ أن ما لا يقل عن ثلث الأهالي الذين شخصوا بـ ADHD في طفولتهم لديهم أبناء مشخصين به كما أن معظم التوائم المتطابقة يشتركون في صفة التشخيص بهذا الاضطراب.

ويعمل الباحثون في الولايات المتحدة وأوروبا حاليًا على تحديد الجينات الدقيقة التي قد تجعل الشخص أكثر عرضة للتشخيص بـ ADHD، مع تركيز خاص على الجينات المرتبطة بالناقل العصبي الدوبامين، ويرجّح العلماء أن الأمر قد يتعلق بأكثر من جين واحد، نظرًا لتعقيد هذا الاضطراب.

لا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب في الجانب الجيني لاضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه فقد يؤدي اكتشاف الجينات التي تسهم في حدوث هذا الاضطراب إلى تسهيل عملية التشخيص، كما قد يفتح المجال لإيجاد علاجات أفضل للأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض ADHD بدرجات مختلفة.

ما الأجزاء من الدماغ التي تتأثر بـ ADHD؟

أدمغة الأشخاص المشخصين بـ ADHD تُظهر اختلافات بنيوية ووظيفية.

أظهرت عمليات المسح وأبحاث التصوير العصبي الأخرى أن أدمغة الأطفال المشخصين بـ ADHD تنضج بوتيرة أبطأ من أدمغة الأطفال غير المشخصين إضافة إلى ذلك، كشفت الدراسات الحديثة باستخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) عن اختلافات في مناطق الدماغ المسؤولة عن العديد من أعراض الاضطراب، ففي أدمغة الأطفال المشخصين بـ ADHD، تكون بعض المناطق والبنى الدماغية (مثل القشرة الجبهية الأمامية، والمخطط، والعقد القاعدية، والمخيخ) أصغر حجمًا بنسبة تقارب 5% في المتوسط، ورغم أن هذا الفرق يُلاحظ باستمرار في الدراسات، إلا أنه صغير جدًا بحيث لا يمكن الاعتماد عليه لتشخيص ADHD لدى شخص معيّن.

قد تقود هذه النتائج يومًا ما إلى استخدام تصوير الدماغ كوسيلة لتشخيص ADHD، لكن هذا النهج لا يزال نادر الاستخدام ويثير بعض الجدل في الوقت الحالي.

كيف يؤثر اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه (ADHD) على الدماغ؟

تُظهر أدمغة الأشخاص المشخصين بـ ADHD أيضًا اختلافات كيميائية.

كان ADHD أول اضطراب يكتشف العلماء أنه ناتج عن نقص في ناقل عصبي محدد — وهو في هذه الحالة الدوبامين — كما كان أول اضطراب يستجيب للأدوية المصممة لمعالجة هذا النقص، ويبدو أن الأطفال والبالغين المشخصين بـ ADHD لديهم مستويات منخفضة من الدوبامين.

يُعتقد أن ADHD يضعف نشاط النواقل العصبية في أربع مناطق وظيفية من الدماغ:

  • القشرة الجبهية الأمامية (Frontal cortex): هذه المنطقة مسؤولة عن الوظائف العليا مثل الحفاظ على الانتباه، والتنظيم، والوظائف التنفيذية.يمكن أن يؤدي نقص الدوبامين في هذه المنطقة إلى تشتّت الانتباه، وضعف التنظيم، أو قصور في الوظائف التنفيذية.
  • الجهاز الحوفي (Limbic system): يقع هذا الجهاز في عمق الدماغ، وهو مسؤول عن تنظيم العواطف، قد يؤدي نقص الدوبامين فيه إلى الشعور بالقلق أو الاضطراب، وتشتّت الانتباه، أو تقلبات عاطفية حادة.
  • العقد القاعدية (Basal ganglia): تتحكم هذه الدوائر العصبية في تنظيم الاتصال بين مناطق الدماغ المختلفة، إذ تستقبل العقد القاعدية المعلومات من جميع مناطق الدماغ ثم ترسلها إلى الوجهات الصحيحة، نقص الدوبامين هنا قد يؤدي إلى حدوث “دوائر قصر” في نقل المعلومات، مما يسبب تشتّت الانتباه أو الاندفاعية.
  • النظام المنشّط الشبكي (Reticular activating system – RAS): يعد هذا النظام محطة رئيسية تربط المسارات المختلفة الداخلة والخارجة من الدماغ، يمكن أن يسبب نقص الدوبامين فيه تشتّت الانتباه، أو الاندفاعية، أو فرط النشاط.

هذه المناطق الأربع تعمل بشكل مترابط، لذا فإن الخلل في إحدى المناطق قد يؤدي إلى مشكلات في منطقة أو أكثر من المناطق الأخرى، وينتج ADHD عن خلل في واحدة أو أكثر من هذه المناطق.

هل يسبّب التلوث والمواد السامة اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه؟

تشير الأبحاث العلمية إلى أن التعرّض للمواد الكيميائية — أي السموم اليومية الموجودة في الأطعمة، والسجاد والأرضيات، ومنتجات التنظيف والعناية بالحدائق، ومنتجات العناية الشخصية مثل معجون الأسنان — قد يساهم، ولو جزئيًا، في اضطرابات مثل ADHD، وطيف التوحّد، وصعوبات التعلّم.

يكون الرضع والأطفال أكثر عرضة للتأثّر بالمواد الكيميائية لأن أنظمتهم البيولوجية ما زالت في طور النمو وخلال فترة نمو الجنين، يمكن للتعرّض لكميات ضئيلة جدًا من السموم في مراحل حرجة أن يترك أثرًا طويل الأمد على دماغ الطفل وصحته الجسدية وقد تؤثر هذه السموم على تطور الدماغ وتجدر الإشارة إلى أن هذه النتائج تستند إلى أبحاث لا تحظى بتقدير واسع بين جميع أفراد المجتمع الطبي.

في عام 2010، أصدرت مبادرة صعوبات التعلّم والنمو (LDDI) أول تقرير من نوعه يحدّد وجود تلوث كيميائي في أجسام أشخاص من مجتمع ذوي صعوبات التعلّم والنمو، بعنوان: “العقل المُعطَّل: كيف يمكن للمواد الكيميائية أن تؤثر على طريقة تفكيرنا ومن نكون” وخلص التقرير إلى أنك لست بحاجة للعيش بجوار موقع نفايات كي تتعرض لمواد كيميائية تضرّ الدماغ، أمثلة على المواد الكيميائية المنزلية:

  • المركّبات المشبّعة بالفلور (PFCs): تُستخدم لمنع التصاق الطعام والمواد الأخرى بالسجاد، والستائر، وأواني الطهي من أمثلتها التيفلون وسكوتشغارد.
  • الإيثرات ثنائية الفينيل متعددة البروم (PBDEs): تُستخدم كمثبطات للهب، وتوجد في الملابس، والأثاث، وكذلك المفروشات.
  • التريكلوسان (Triclosan): مادة مضادة للبكتيريا موجودة في الصابون، ومعجون الأسنان، والعديد من منتجات العناية الشخصية الأخرى.
  • البيسفينول A (BPA): راتنج إيبوكسي يُستخدم لتبطين علب الطعام والحاويات الأخرى، كما يدخل في صناعة الحاويات البلاستيكية (مثل زجاجات الأطفال) وبعض المنتجات الورقية.
  • الفثالات (Phthalates): تُستخدم لجعل المواد المطاطية أكثر ليونة ومرونة، وتوجد في الفينيل، والعبوات البلاستيكية، والألعاب، وستائر الحمام، والمعاطف الواقية من المطر كما تدخل في صناعة بعض منتجات العناية الشخصية، ومعطرات الجو، والشامبو.

وجدت مبادرة صعوبات التعلّم والنمو (LDDI) أن كل مشارك في الدراسة كانت نتيجة فحوصه إيجابية لوجود ما لا يقل عن 26 مادة كيميائية من أصل 89 مادة تمت دراستها.

في عام 2015، أجرت جامعة كالغاري دراسة ربطت بين المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك (BPA وBPS) وفرط النشاط في أسماك الزرد، وهي نوع من الأسماك يُستخدم كثيرًا لدراسة نمو الدماغ الجنيني لأنها تشترك مع الإنسان في نحو 80٪ من الجينات، ولديها عمليات نمو مشابهة وصف الباحثون نتائج دراستهم بأنها “الدليل القاطع” الذي يربط بين التغيرات السلبية في نمو الدماغ والتعرض لمادتي BPA وBPS.

كما قد يسبب التعرّض للرصاص أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة العلوم النفسية (Psychological Science) عام 2015 وأكد الباحثون أن التعرّض للرصاص ليس السبب الوحيد لأعراض ADHD، بل هو عامل بيئي واحد من بين عدة عوامل قد يؤدي إلى تشخيص رسمي بالاضطراب كذلك، فإن التعرّض للرصاص لا يضمن بالضرورة حدوث ADHD، لكنه قد يمنح الأطباء أدلة إضافية حول سبب أعراض الطفل.

هل يؤثر النظام الغذائي على ADHD؟

في وقت ما كان الأطباء يعتقدون أن السكر المكرر والمواد المضافة إلى الطعام تجعل الأطفال أكثر نشاطًا وأقل انتباهاً ونتيجة لذلك، شُجّع الأهالي على تجنّب تقديم الأطعمة التي تحتوي على النكهات الصناعية، والمواد الحافظة، والسكريات للأطفال.

لكن بعد دراسة البيانات، عقد باحثون من المعاهد الوطنية للصحة (NIH) — وهي وكالة فدرالية مسؤولة عن الأبحاث الطبية الحيوية — مؤتمرًا علميًا موسعًا عام 1982 لمناقشة القضية وخلص العلماء إلى أن إزالة السكر والمواد المضافة من النظام الغذائي ساعدت فقط نحو 5٪ من الأطفال المشخصين بـ ADHD، وغالبًا كان هؤلاء إما أطفالاً صغارًا أو أطفالًا لديهم حساسية تجاه بعض الأطعمة.

على الرغم من غياب الأبحاث الحاسمة، ما زالت العديد من العائلات تؤمن ببرنامج فاينغولد الغذائي، وهو نظام وضع قبل 40 عامًا يزعم أنه يقلل من أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه لدى الأطفال عبر إزالة المواد المضافة للأطعمة، والصبغات، والمحليات الصناعية، وبعض المواد الحافظة من نظامهم الغذائي.

كيف تؤثر الثقافة على أعراض ADHD وتشخيصه؟

هناك نظرية أحدث وأكثر إثارة للجدل ترى أن ADHD هو نتيجة جانبية لأسلوب حياتنا السريع، المليء بالتوتر، والقائم على الاستهلاك، يعتقد الدكتور مايكل روف، أستاذ طب الأطفال المساعد السريري في جامعة إنديانا، أن هذا التأثير الثقافي يفسّر جوانب من ADHD لا يمكن للجينات وحدها تفسيرها.

في مقال نشر في مجلة طب الأطفال السريري (Clinical Pediatrics)، وصف د. روف ADHD بأنه “وباء الحداثة”. ويقول: “أتحدث عن البيئة الثقافية السائدة اليوم — أسلوب الحياة الحديث وتأثيره على الدماغ في طور النمو، الأطفال اليوم يعيشون في عالم مليء بالرسائل الفورية، وألعاب الفيديو السريعة، والبرامج التلفزيونية المتلاحقة، عندما يعتاد الطفل على هذا الإيقاع السريع، يصبح من الصعب عليه التكيّف مع الإيقاع الأبطأ نسبيًا في الصف الدراسي، فينقلون شعور الإلحاح الذي يختبرونه في المنزل إلى أنشطتهم الدراسية.”

ويقترح د. روف أن نسأل أنفسنا: “هل فشلنا في إدراك مدى تأثير العوامل البيئية على هذه العمليات؟”

لا خلاف على أن ADHD اضطراب معقد وله على الأرجح العديد من الأسباب والعوامل — وجميعها ما زالت قيد البحث ومع ذلك، فبينما يمكن للعوامل البيئية والثقافية أن تغيّر السلوك ونمو الطفل، تؤكد الأبحاث أن ADHD هو في الأساس اضطراب ذو أصل بيولوجي.

المرجع:

Is ADHD Genetic? Yes and No

https://www.additudemag.com/is-adhd-hereditary-yes-and-no/