ترجمة : أ. نوره الدوسري
في العصر الرقمي الحالي، أدى التزايد المستمر في استخدام التكنولوجيا في كلٍّ من الحياة الشخصية والمهنية إلى ظهور العديد من الحالات السريرية، مثل القلق والاكتئاب. ويسهم الاستخدام المكثف للهواتف الذكية، التي تدعم مجموعة واسعة من التطبيقات بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي، في توليد مستويات مرتفعة من التوتر. ومن هنا برزت فكرة “الانقطاع الرقمي” كأحد التدخلات التي تهدف إلى التخفيف من الآثار السلبية للتكنولوجيا.
ما هو التوتر التكنولوجي (Technostress)؟
إن الزيادة المستمرة في استخدام تكنولوجيا المعلومات لها تأثير كبير على المجتمع. فالأفراد العاملون في مختلف المهن يتعرضون للأجهزة الرقمية خلال معظم ساعات العمل، إضافة إلى أن تطبيقات الترفيه الرقمية تستحوذ على جزء كبير من أوقات الفراغ. وقد أصبح هذا النمط شائعًا على مستوى العالم. وتشير العديد من الدراسات إلى أن الإفراط في استخدام تكنولوجيا المعلومات يؤدي إلى ما يُعرف بـ “التوتر التكنولوجي”، والذي يُعرّف بأنه “حالة من التوتر أو الاضطراب النفسي-الجسدي الناتج عن العمل اليومي باستخدام تقنيات الحاسوب”.
وقد أدت جائحة كوفيد-19 إلى زيادة كبيرة في أنماط العمل عن بُعد، وهو ما أتاح للكثير من الأفراد تحسين إنتاجيتهم وتقليل الوقت المستغرق في التنقل. إلا أن هذا التحول ترافق أيضًا مع زيادة الاعتماد على التكنولوجيا، مما رفع من احتمالية التعرض للتوتر التكنولوجي.
تأثير الهواتف الذكية على الصحة النفسية
أصبحت الهواتف الذكية جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية في المجتمعات الحديثة، حيث تقدم مجموعة واسعة من الوظائف مثل إجراء المكالمات، وإرسال واستقبال الرسائل، والتقاط الصور والفيديوهات، وتصفح الإنترنت، واستخدام تطبيقات الملاحة، والدخول إلى شبكات التواصل الاجتماعي. ورغم هذه الفوائد العديدة، إلا أن الاستخدام المفرط لهذه الأجهزة قد يكون له آثار سلبية واضحة على الصحة النفسية.
فقد ارتبط الاستخدام المفرط للهواتف الذكية بزيادة معدلات الاكتئاب والقلق، بالإضافة إلى ظاهرة “الخوف من فوات الشيء” (FOMO)، والتي تتمثل في القلق من تفويت تجارب أو أحداث مهمة. كما يُسهم هذا الاستخدام في خفض تقدير الذات، ويشجع على أنماط حياة غير صحية، مثل اضطرابات النوم، وقلة النشاط البدني، وسلوكيات غذائية غير منتظمة، وزيادة السلوكيات الخاملة.
وعلى وجه الخصوص، يقضي الجيل الأصغر سنًا وقتًا طويلًا على تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وفيسبوك وتيك توك، مقارنةً ببقية التطبيقات. وقد أظهرت الدراسات أن هذه التطبيقات ترتبط بعدد من الآثار السلبية، مما يؤدي في النهاية إلى انخفاض مستوى الرضا العام عن الحياة.
هل يمكن للانقطاع الرقمي أن يخفف من التوتر التكنولوجي؟
ظهر مصطلح “الانقطاع الرقمي” لأول مرة في عام 2012، ويُشير إلى “فترة زمنية يمتنع خلالها الفرد عن استخدام الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف الذكية، بهدف تقليل التوتر أو تعزيز التفاعل الاجتماعي في العالم الواقعي”. وهناك مصطلحات أخرى مرتبطة بنفس الفكرة، مثل “الحمية الإعلامية” أو “الحمية الرقمية”.
وقد ظهرت العديد من المبادرات التي تدعو إلى تطبيق استراتيجيات الانقطاع الرقمي كوسيلة لمواجهة التوتر التكنولوجي. وتشمل هذه الاستراتيجيات الامتناع الكامل عن استخدام الأجهزة الإلكترونية لفترة معينة، أو تقليل استخدام تطبيقات محددة. وبعبارة أخرى، يتمثل الانقطاع الرقمي في تقليل أو إيقاف التفاعل مع التكنولوجيا بشكل دوري.
ورغم الانتشار الواسع لهذه الفكرة، إلا أن الدراسات العلمية أظهرت نتائج متباينة بشأن فعاليتها في تحسين الصحة النفسية. وعلى الرغم من هذا التباين، يعتقد كثير من الناس أن الابتعاد عن التكنولوجيا يمكن أن يُحسن من حالتهم النفسية.
استراتيجيات الانقطاع الرقمي والتحديات المرتبطة به
تشير الدراسات إلى أن العديد من المستخدمين يشعرون بالحاجة إلى الابتعاد عن هواتفهم الذكية، ويسعون لإيجاد طرق لإدارة وقتهم الرقمي بشكل أفضل. ولهذا الغرض، تم تطوير العديد من التطبيقات التي تساعد المستخدمين على تقليل استخدامهم للتكنولوجيا، مثل أدوات تتبع وقت الشاشة أو التطبيقات التي تقيد الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
كما ظهرت مبادرات أخرى، مثل تنظيم رحلات سياحية خالية من الأجهزة الرقمية، أو ما يُعرف بـ “معسكرات الانقطاع الرقمي”، حيث يُطلب من المشاركين الابتعاد عن هواتفهم طوال مدة الرحلة. ومن الاستراتيجيات البسيطة أيضًا تخصيص فترات خالية من التكنولوجيا خلال اليوم، مثل وقت الغداء.
وقد تم تصنيف استراتيجيات الانقطاع الرقمي إلى ثلاث فئات رئيسية:
- مدة الانقطاع: وتشير إلى الفترة الزمنية التي يمتنع فيها الفرد عن استخدام التكنولوجيا.
- مدى التدخل: ويقيس مدى توافق هذه الاستراتيجيات مع بيئة العمل أو الحياة اليومية.
- مستوى الدعم التقني: ويتعلق باستخدام أدوات أو تقنيات تساعد في تنفيذ الانقطاع الرقمي، مثل إيقاف إشعارات البريد الإلكتروني خارج أوقات العمل.
ومع ذلك، يواجه الباحثون صعوبة في تقييم فعالية هذه الاستراتيجيات، وذلك بسبب نقص الأدوات الدقيقة التي تقيس الاستخدام الفعلي للأجهزة والتطبيقات، بالإضافة إلى وجود تحديات منهجية في تصميم الدراسات.
فعالية الانقطاع الرقمي في الحياة الواقعية
أظهرت بعض الدراسات نتائج غير متوقعة؛ حيث تبين أن التوقف عن استخدام إنستغرام لمدة أسبوع أدى إلى انخفاض مستوى الرضا عن الحياة. كما أظهرت دراسة أخرى أن الامتناع عن استخدام فيسبوك لمدة خمسة أيام لم يُحدث فرقًا ملحوظًا في مستوى الرضا. كذلك، لم يؤدِ تقليل استخدام الأجهزة لمدة 48 ساعة إلى تحسين جودة النوم.
في المقابل، أشارت دراسات أخرى إلى أن تقليل استخدام الهواتف الذكية لمدة أسبوعين يمكن أن يُسهم في تحسين الصحة النفسية، بما في ذلك تقليل أعراض القلق والاكتئاب.
ومن الملاحظ أيضًا أن بعض الأفراد الذين يشاركون في برامج الانقطاع الرقمي يعانون من الشعور بالملل خلال فترة الامتناع، حيث أظهرت إحدى الدراسات أن جميع المشاركين في تجربة انقطاع عن وسائل التواصل الاجتماعي لمدة أسبوع شعروا بزيادة في مستويات الملل.
وبناءً على هذه النتائج المتباينة، يرى بعض الباحثين أن الانقطاع الرقمي لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين الرفاهية النفسية، وأن فعاليته قد تختلف من شخص لآخر.
خلاصة وتوجهات حديثة
تشير الأدلة الحالية إلى أن فعالية الانقطاع الرقمي لا تزال غير واضحة بشكل قاطع، ويرجع ذلك إلى اختلاف طرق تطبيقه وعدم وجود تعريف موحد له. ومع ذلك، بدأ التوجه الحديث يركز على مفهوم أكثر توازنًا، وهو بناء علاقة صحية مع التكنولوجيا بدلًا من الامتناع الكامل عنها.
وبعبارة أخرى، لم يعد الهدف هو الابتعاد التام عن الأجهزة الرقمية، بل تعلم كيفية استخدامها بشكل معتدل وواعٍ، بما يحقق التوازن بين الفوائد التي تقدمها التكنولوجيا والحفاظ على الصحة النفسية والجسدية.
المرجع
Is a Digital Detox the Answer to Technostress? https://www.news-medical.net/health/Is-Digital-Detox-the-Answer-to-Technostress.aspx





