ترجمة: أ. رزان بن دهر
هل هناك فرق بين فرط التركيز (Hyperfocus) وحالة التدفق (Flow State)؟ بالتأكيد نعم! في حالة فرط التركيز، ينغمس الشخص المشخص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بالكامل في مهمة واحدة — إلى درجة تجاهل كل ما يحدث حوله تمامًا، يصف البعض فرط التركيز بأنه يشبه الحلم، حيث يتوقف العالم الخارجي عن الوجود.
قد ينشغل طفل بلعبة فيديو لدرجة أنه لا يسمع نداء والديه، وقد يقرأ شخص بالغ كتابًا بتركيز عميق فيفقد الإحساس بالوقت ويفوّت موعدًا مهمًا.
صحيح أن بعض الأشخاص غير المشخصين باضطرابات عصبية قد يمرّون أحيانًا بحالة شبيهة بفرط التركيز، لكنها أكثر شيوعًا لدى الأفراد الذين يعانون من مشكلات في الانتباه، مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو اضطراب طيف التوحد.
وقد يكون فرط التركيز أداة قوية إذا تم توجيهه نحو مهام صعبة ومهمة، مثل دفع الفواتير أو إنجاز الواجبات، ولكن في كثير من الأحيان، يواجه المشخصين بـ ADHD الوجه السلبي لهذا التركيز العميق، عندما يغرقون في أنشطة غير ضرورية ويهملون مهامًا عاجلة، فمثلًا قد تجد نفسك منهمكًا في نشاط ممتع كالتسوق الإلكتروني، وتنسى تمامًا مهامك الضرورية، مثل إعداد الضرائب المستحقة الأسبوع المقبل.
الفرق بين فرط التركيز والتركيز والتركيز المعتدل
التركيز هو بمثابة مصباح يسلط الضوء على ما يشغل انتباهك، تخيل هذا التمرين: اقبض يدك وضعها على جبهتك كما لو أن شعاع ضوء يخرج منها، إلى أين توجه هذا الشعاع الآن؟ ستدرك مباشرة: “آه، هذا ما أركّز عليه الآن هذه هي المهمة التي أعمل عليها.” وقد تلاحظ أيضًا ما لا يلفت انتباهك حاليًا — وهذه الملاحظة بحد ذاتها جزء مهم من فهم كيفية عمل تركيزك.
يحدث التركيز المعتدل عندما نقوم بشيءٍ ما، لكن قد نتعرض لبعض التشتت في أثناء ذلك، في هذه الحالة نكون أكثر وعيًا بما يحيط بنا، ويمكننا التفاعل مع الآخرين لفترات قصيرة دون أن نخرج تمامًا من المهمة.
أما فرط التركيز فهو شكل أكثر شدة من التركيز، يحدث عندما يتلاشى كل ما حولنا، ولا يبقى في دائرة انتباهنا وانشغالنا سوى المهمة أو النشاط الذي نمارسه.
حالة التدفق مقابل فرط التركيز
تُعد حالة التدفق أكثر شيوعًا بكثير من فرط التركيز، في كتابه “التدفق: علم نفس التجربة المثلى” (Flow: The Psychology of Optimal Experience)، كتب المؤلف ميهالي تشيكسينتميهالي (Mihaly Csikszentmihalyi)، الحاصل على الدكتوراه، أن معظم الناس يمرون بحالة التدفق في وقت ما من حياتهم.
وقد أجرى مقابلة مع مؤلف موسيقي وصف شعوره بحالة التدفق بقوله: “تكون في حالة تشعر بها كأنك لم تعد موجودًا لقد اختبرت هذا مرارًا وتكرارًا، يدي تبدو وكأنها ليست جزءًا مني، وليس لي علاقة بما يحدث، أنا فقط أجلس هناك أراقب في حالة من الدهشة والانبهار، والموسيقى تنساب من تلقاء نفسها.”
عندما نكون في حالة تدفق، نكون منسجمين ومتحركين ومندمجين في النشاط، لكننا لا نكون “مغلقين” تمامًا على المهمة لدرجة فقدان الوعي بما حولنا، مثلًا، أحيانًا أضع موسيقى وأبدأ بالرقص في المطبخ أثناء التنظيف — أنا لا أكون في حالة فرط تركيز، وإنما أحاول فقط الدخول في “تدفق” التنظيف، أما الشخص الذي يعاني من فرط التركيز، فلن يتوقف عن التنظيف حتى يتجاوز بكثير ما يُعتبر عادةً نظيفًا من وجهة نظر الآخرين.
متى يصبح فرط التركيز مفرطًا؟
يقلق بعض الأشخاص من أنهم إذا خرجوا من حالة فرط التركيز، فقد لا يتمكنون من العودة إليها مجددًا، فمثلاً إذا توقفوا عن العمل بعد أربع ساعات متواصلة دون أكل أو شرب أو حتى الذهاب إلى الحمام، فهل سيتمكنون من استعادة نفس الحماس والتركيز؟
قالت لي إحدى العميلات إنها لا تتوقف عن العمل لأنها لا تعرف إن كانت ستتمكن من إعادة الدخول في الحالة نفسها، ويبدأ العقل بالتفكير بهذه الطريقة: “لو أنجزت مهمة إضافية واحدة فقط، سأجعل هذا الوقت أكثر إنتاجية.” وهكذا تستمر بالعمل دون توقف.
عندما يحدث ذلك، نكون نفكر بجهد كبير إلى درجة أننا نستهلك مخزون الطاقة في الدماغ — وهذه الطاقة هي الجلوكوز فعندما تُستنزف مراكز الجلوكوز (الوقود) في الدماغ، يبدأ الجسم بإفراز الأدرينالين والكورتيزول (هرمونات التوتر) ليُبقيك مستمرًا لكن الاستمرار في فرط التركيز لفترات طويلة يمكن أن يؤدي إلى ردود فعل جسدية ونفسية مرهقة نسيان الأكل أو النوم أو شرب الماء يجعل الشخص سريع الانفعال، لأنه يعمل على آخر قدر من طاقته.
لكي يكون فرط التركيز مفيدًا، يجب أن تمنح نفسك استراحة مخططة خالية من الشاشات، خذ نزهة قصيرة أو تناول وجبة خفيفة او اقرأ جريدة أو مجلة او حلّ لعبة سودوكو أو كلمات متقاطعة، عند التخطيط لاستراحتك، اختر نشاطًا ممتعًا لكن لا يشدّك إليه بشدة أو يجرفك معه، مثلًا: أنا أحب المشي في الخارج خلال الشتاء، ولكن بعد 15 أو 20 دقيقة أشعر بالبرد وأعود للمنزل، أستمتع بالخروج، لكني لا أرغب بأن يُصاب أنفي بالتجمد! فكر في كيفية موازنة الأمور في يومك، وحدد وقتًا واضحًا ومناسبًا لكل استراحة.
تمنحك هذه الاستراحات وقتًا لدمج الأفكار والمهام التي أنهيتها، وتتيح لعقلك أن يستوعب ما تبقى من أفكار في الخلفية، قبل أن تتوقف، اكتب ملاحظات سريعة عمّا كنت تفعله وما الذي كنت تفكر فيه هذه الخطوة مهمة جدًا، إذا كنت تكتب شيئًا ما، فافرغ ما في رأسك على الورق، لا داعي لأن تكون الملاحظات مكتوبة بطريقة صحيحة نحويًا المهم أن تفهمها لاحقًا، وعندما تعود إلى عملك، ستعرف تمامًا من أين تبدأ وماذا تفعل.
كيف تنتقل من حالة فرط التركيز إلى الوضع الطبيعي؟
من أكبر التحديات في الخروج من حالة فرط التركيز هو أن ما ستفعله بعد ذلك لن يكون بنفس الجاذبية فبعد كل هذا النشاط العقلي المكثف، يكون عقلك إما مشحونًا بالطاقة أو مرهقًا تمامًا، ومن الصعب التحوّل بسهولة، لأن جاذبية اندفاع الدوبامين تكون قوية جدًا.
الانتقال من نشاط يقدّم مكافأة عالية من الدوبامين (مثل اللعب أو مشاهدة فيديوهات) إلى نشاط منخفض الدوبامين يتطلب: ضبط النفس وتنظيم المشاعر والوعي بالذات وهذه المهارات لا تتطور تلقائيًا في أدمغة الأشخاص المشخصين باضطراب ADHD، خاصةً عند الأطفال لذلك، ابدأ بإنشاء جدول زمني والالتزام به، ضع حدودًا زمنية واضحة، واستخدم منبّهات أو مؤقتات عند مشاهدة يوتيوب أو لعب ألعاب الفيديو، هذا يساعدك (ويساعد أطفالك أيضًا) على الخروج من حالة فرط التركيز والانتقال إلى ما يليها بسلاسة أكبر.
أيضًا، التعبير عن ما تخطط له بالكلام يساعدك على الانتقال، جرّب أن تقول لنفسك: “سأتوقف الآن عن كتابة هذا التقرير، سأذهب إلى الحمام وأتنفّس هواءً نقيًا ربما أُحضر شاي مثلج ثم يمكنني أن أعود للمتابعة.”
الحديث الإيجابي مع النفس مهم للكبار تمامًا كما هو مهم للأطفال الفرق هو أن الأطفال المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه غالبًا ما يحتاجون إلى بعض المساعدة في صياغة العبارات التي يمكنهم قولها لأنفسهم خلال مرحلة الانتقال من نشاط لآخر، مثال على ذلك: “انتهيت من اللعب، والآن أنا ذاهب إلى غرفة أخرى لأتناول العشاء.” “سأغادر اللعبة الآن، وسألعب الورق مع أمي.” “سأترك اللعبة لأننا سنخرج للجري.” ومن خلال استخدام اللغة بهذه الطريقة، لا تُفعّل فقط بعض الانتباه تجاه النشاط الجديد وتمنحه قيمة، بل تساعد أيضًا في تنمية مهارة ما وراء المعرفة — أي الوعي الذاتي.
نصائح لمساعدة الأطفال على الانتقال من فرط التركيز
كيف يمكنك مساعدة طفلك في إدارة حالة فرط التركيز؟ حدد وقتًا واضحًا ومحدودًا للأنشطة التي تمنحهم دفعة عالية من الدوبامين (وغالبًا ما تكون مرتبطة بالشاشات، مثل ألعاب الفيديو أو مشاهدة الفيديوهات).
ثانيًا قدّم بديلًا جذابًا ومكافأة لإنهاء النشاط في وقته، على سبيل المثال: “إذا أغلقت اللعبة عند انتهاء الوقت المحدد، يمكننا أن نلعب الورق فورًا، أو تختار أنت فيلم العائلة الليلة.”
ثالثًا ساعد طفلك على الانتقال إلى أنشطة أقل تحفيزًا من خلال تحديد ما يثير اهتمامه فعلًا، وعلّق قائمة بهذه الأنشطة في المطبخ، اختر شيئًا ممتعًا، وليس عبئًا أو مهمة، ربما الاستماع إلى الموسيقى، أو المساعدة في الطهي، أو ركوب الدراجة الثابتة، من الصعب أن ينتقل الطفل مباشرة من لعبة فيديو إلى أداء الواجب المنزلي أو ترتيب غرفته — لذا هم بحاجة إلى نشاط “وسيط” بين الاثنين.
استثمار فرط التركيز لدى البالغين
كيف يمكن للبالغين أن يستفيدوا من حالة فرط التركيز؟ ابدأ أولًا بكتابة قائمة بجميع مهامك اليومية، ثم قم بتحديد أولوياتك لتقليصها إلى ثلاث مهام فقط وابدأ في تنفيذها واحدة تلو الأخرى، قسّم كل مهمة إلى أجزاء صغيرة، بحيث تعمل على جزء، تشعر بالإنجاز، ثم تنتقل إلى الجزء التالي.
استخدم مؤقتًا لمحاسبة نفسك أثناء فترات فرط التركيز، كما يمكنك أن تطلب من صديق أو زميل أو أحد أفراد العائلة أن يتصل بك أو يرسل لك رسالة في وقت محدد — فذلك يساعد على كسر فترات التركيز المكثفة وفي المقابل، عندما يكون شخص مشخص بـ ADHD مندمجًا بشدة في عملٍ ما، قد يُقاطع أحدهم الجلسة دون قصد، مما يؤدي إلى الإرباك، وقد ينتج عن ذلك صعوبة في العودة إلى نفس مستوى التركيز، لهذا السبب من المهم أن نتحدث مع أحبائنا وزملائنا عن فرط التركيز المرتبط باضطراب ADHD — متى يحدث ولماذا هو مهم، إذا كنت في حالة فرط تركيز على مهمة تتعلق بالعمل أو الدراسة، يجب على من حولك أن يحترموا هذه الحالة ويؤجلوا الحديث معك حتى وقت الاستراحة فأنت تسعى إلى زيادة إنتاجيتك وتقليل عوامل التشتيت قدر الإمكان.
وفي النهاية، أفضل طريقة للتعامل مع فرط التركيز ليست في مقاومته أو منع بعض الأنشطة، بل في استثماره وتحديد حدوده، فرط التركيز يمكن أن يكون قوة خارقة — إذا تعلمت كيف تديره بفعالية.
المرجع:
Flow State vs. Hyperfocus: On Channeling Your Unsteady ADHD Attention
https://www.additudemag.com/flow-state-vs-hyperfocus-adhd/





