الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف يمكن تدريب الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية وقت الأزمات والحروب

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

تُعد الأزمات والحروب من أكثر الظروف البيئية قسوةً وتعقيدًا على الصحة النفسية عمومًا، وعلى الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية على وجه الخصوص. إذ أن هذه الفئة من الأطفال تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار الروتيني، والبيئات المتوقعة، والدعم المنظم، مما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر عند حدوث تغيرات مفاجئة أو ضغوط شديدة. في ظل هذه الظروف، يصبح تدريب الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية على مهارات التكيف والتعامل مع الأزمات ضرورة ملحة، ليس فقط للحفاظ على استقرارهم النفسي، بل أيضًا لضمان استمرار نموهم وتطورهم الوظيفي.

تتمثل أولى التحديات التي تواجه الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية أثناء الأزمات في اضطراب الروتين اليومي. فالروتين يمثل عنصر أمان أساسي، وعند اختلاله قد تظهر سلوكيات غير تكيفية مثل نوبات الغضب، الانسحاب، أو السلوكيات النمطية المتزايدة. لذلك، يُعد الحفاظ على روتين يومي مرن من أهم الاستراتيجيات التدريبية. لا يشترط أن يكون الروتين مطابقًا لما كان عليه قبل الأزمة، بل يكفي أن يتضمن عناصر ثابتة مثل أوقات النوم، تناول الطعام، والأنشطة اليومية، مع استخدام جداول بصرية أو وسائل تذكير تساعد الأطفال على التنبؤ بما سيحدث.

كما أن التدريب على مهارات التكيف الانفعالي يُعد محورًا أساسيًا في دعم الأطفال خلال الأزمات. يمكن تدريب الأطفال على التعرف على مشاعرهم من خلال بطاقات المشاعر أو النمذجة، وتعليمهم استراتيجيات بسيطة لتنظيم الانفعالات مثل التنفس العميق، أو استخدام زاوية هادئة. الأطفال ذوو الاضطرابات النمائية قد يواجهون صعوبة في التعبير اللفظي عن مشاعرهم، لذا فإن استخدام وسائل بديلة مثل الصور أو الإشارات أو الأجهزة المعززة للتواصل يُعد أمرًا بالغ الأهمية.

إلى جانب ذلك، يلعب التدريب على مهارات السلامة دورًا حاسمًا في سياق الحروب والأزمات. يجب تعليم الأطفال كيفية الاستجابة للمواقف الطارئة بطريقة مبسطة وواضحة، مثل التعرف على أصوات الخطر، أو اتباع تعليمات محددة كالتوجه إلى مكان آمن. يمكن تحقيق ذلك من خلال التدريب المتكرر باستخدام التمثيل (Role Play) أو القصص الاجتماعية، التي تُعد أداة فعالة في شرح المواقف المعقدة بطريقة مفهومة للأطفال ذوي الاضطرابات النمائية.

ومن المهم أيضًا العمل على تعزيز مهارات الاستقلالية لدى الأطفال، حيث أن الأزمات قد تقلل من توفر الدعم الخارجي. تدريب الأطفال على مهارات الحياة اليومية مثل ارتداء الملابس، تناول الطعام، أو اتباع التعليمات البسيطة يمكن أن يقلل من اعتمادهم الكامل على الآخرين، ويزيد من شعورهم بالكفاءة الذاتية. هذا النوع من التدريب يجب أن يتم بشكل تدريجي، مع تعزيز إيجابي مستمر للسلوكيات المرغوبة.

في سياق الأزمات، قد يواجه الأطفال أيضًا صعوبات في الوصول إلى الخدمات العلاجية المعتادة، مثل جلسات تحليل السلوك التطبيقي أو العلاج الوظيفي. لذلك، يصبح دور الوالدين ومقدمي الرعاية أكثر أهمية. ينبغي تدريبهم على تطبيق استراتيجيات التدخل في المنزل، مثل استخدام التعزيز، وتقنيات تغيير السلوك، وتقديم التعليمات بشكل واضح ومباشر. كما يمكن استخدام الجلسات عن بُعد (Telehealth) كبديل مؤقت لضمان استمرارية الدعم.

ولا يمكن إغفال أهمية البيئة النفسية المحيطة بالطفل. فالأطفال ذوو الاضطرابات النمائية حساسون للغاية للتوترات الأسرية، وقد ينعكس القلق لدى الوالدين بشكل مباشر على سلوكهم. لذلك، من الضروري دعم مقدمي الرعاية نفسيًا، وتوعيتهم بأهمية الحفاظ على هدوئهم أمام الأطفال، وتقديم الطمأنينة بشكل مستمر. استخدام لغة بسيطة وصادقة في شرح ما يحدث، دون إدخال تفاصيل مخيفة، يساعد الأطفال على الشعور بالأمان النسبي.

كما أن الدعم الاجتماعي، حتى وإن كان محدودًا، يلعب دورًا مهمًا في التكيف مع الأزمات. يمكن استخدام الوسائل التقنية للحفاظ على تواصل الأطفال مع أفراد العائلة أو الأصدقاء، مما يساهم في تقليل الشعور بالعزلة. كذلك، يمكن إشراك الأطفال في أنشطة جماعية بسيطة داخل الأسرة، مثل اللعب أو الرسم، لتعزيز الشعور بالانتماء.

ومن الجوانب المهمة أيضًا مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية. فليس جميع الأطفال يستجيبون بنفس الطريقة للضغوط أو للتدخلات. لذلك، يجب أن تكون البرامج التدريبية مرنة ومبنية على تقييم فردي لاحتياجات كل طفل. بعض الأطفال قد يحتاجون إلى دعم مكثف في الجانب الانفعالي، بينما قد يحتاج آخرون إلى التركيز على مهارات التواصل أو الاستقلالية.

في هذا السياق، يُعد استخدام تحليل السلوك التطبيقي (ABA) إطارًا فعالًا لتصميم وتنفيذ التدخلات. حيث يمكن تحليل السلوكيات التي تظهر خلال الأزمات، وتحديد مسبباتها، ومن ثم تصميم خطط تدخل قائمة على التعزيز الإيجابي وتقليل السلوكيات غير التكيفية. كما أن استخدام البيانات في متابعة تقدم الأطفال يساعد في تعديل الخطط التدريبية بما يتناسب مع التغيرات المستمرة في بيئة الأزمة.

ختامًا، فإن تدريب الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية خلال الأزمات والحروب يتطلب تكاملًا بين الجهود الأسرية والمهنية، مع التركيز على توفير بيئة آمنة نسبيًا، وتعزيز مهارات التكيف، والاستقلالية، والتنظيم الانفعالي. وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي تفرضها هذه الظروف، إلا أن التدخل المبكر والممنهج يمكن أن يُحدث فرقًا جوهريًا في قدرة الأطفال على التكيف، ويقلل من الآثار النفسية طويلة المدى. إن الاستثمار في دعم هذه الفئة خلال الأزمات ليس فقط واجبًا إنسانيًا، بل هو أيضًا خطوة أساسية نحو بناء مجتمعات أكثر مرونة وشمولية.

المراجع (APA 7)

 

American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). American Psychiatric Publishing.

Betancourt, T. S., Meyers-Ohki, S. E., Charrow, A., & Hansen, N. (2013). Annual research review: Mental health and resilience in children affected by armed conflict. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 54(4), 445–460. https://doi.org/10.1111/jcpp.12034 

Centers for Disease Control and Prevention. (2022). Helping children cope with emergencies. https://www.cdc.gov

Courtenay, K., & Perera, B. (2020). COVID-19 and people with intellectual disability: Impacts of a global pandemic. The British Journal of Psychiatry, 217(5), 589–591. https://doi.org/10.1192/bjp.2020.45 

Fox, L., Dunlap, G., Hemmeter, M. L., Joseph, G. E., & Strain, P. S. (2003). The teaching pyramid: A model for supporting social competence and preventing challenging behavior. Young Children, 58(4), 48–52.

Kerns, C. M., Newschaffer, C. J., & Berkowitz, S. J. (2015). Traumatic childhood events and autism spectrum disorder. Journal of Autism and Developmental Disorders, 45(11), 3475–3486.  https://doi.org/10.1007/s10803-015-2392-y 

Leaf, J. B., McEachin, J., Taubman, M., & Leaf, R. (2016). Sense and nonsense in the behavioral treatment of autism: It has to be said. Behavior Analysis in Practice, 9(4), 323–344. https://doi.org/10.1007/s40617-016-0127-1 

National Child Traumatic Stress Network. (2015). Children with developmental disabilities and trauma. https://www.nctsn.org

World Health Organization. (2019). Mental health in emergencies. https://www.who.int

World Health Organization, & United Nations Children’s Fund. (2020). Doing what matters in times of stress: An illustrated guide. WHO.