الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف تتوقف عن كونك ضحية لماضيك

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

الوقوع في دور الضحية يبدأ من الخارج، بينما حالة الضحية الحقيقية تنشأ من الداخل. في رواية الراحة الباردة للمزرعة للكاتبة Stella Gibbons، تقول العمة آدا دوم جملة مشهورة: “رأيت شيئًا بشعًا في المخزن!” كانت هذه العبارة تعبيرًا عن صراعها النفسي الذي بدأ منذ أن كانت فتاة صغيرة، حيث واجهت مشهدًا مزعجًا للغاية لم تستطع تجاوزه. وبعد تسعة وستين عامًا، ما زالت تعيش كمنعزلة في الطابق العلوي للمنزل العائلي، حيث يتم إيصال وجباتها على صينية تُترك خارج بابها. وعندما يطلب منها أحد أن تخرج، تردد نفس الجملة: “رأيت شيئًا بشعًا في المخزن!”

ولا تعاني آدا وحدها، فحين وصلت ابنة أختها فلورا الشابة إلى المزرعة، سألت عن حال المكان. أجابها أحدهم: “هناك لعنة على المزرعة. البذور لا تنمو، التربة مُستنفدة، والحيوانات عقيمة. كل شيء تحوّل إلى مرارة وخراب.” وعندما سألت فلورا عن سبب عدم بيع المزرعة والانتقال، قيل لها إن الأسرة لا تستطيع المغادرة، لأن المزرعة عبء عليهم، وكل ذلك بسبب ما رأته آدا في صغرها.

غالبًا ما نشاهد نسخة من هذا السيناريو تتكرر في حياتنا الواقعية. يمر الإنسان بتجربة صعبة، أو يواجه تحديات صحية أو نفسية أو أداء ضعيف، ويقف عند تلك النقطة. يتركز اهتمامه على ما حدث أو على العقبات، فيصبح كل شيء ملوثًا بالمرارة والخيبة، ويغرس داخله اعتقادًا أن حياته انتهت، أو على الأقل محدودة بشدة، فيصبح عالقًا في الماضي.

قبل عدة عقود، أجرى عالم النفس Martin Seligman أبحاثًا أساسية عن ما أطلق عليه “العجز المتعلم”. بدأ بسلسلة من الدراسات على الكلاب التي تعلّمت البقاء في الأسر حتى عندما أصبح من الممكن لها الهروب، وأظهر من خلالها أن الشدائد يمكن أن تجعلنا نفقد الأمل في إمكانية تغير الحياة. وعندما تتاح فرصة، قد لا نتمكن من الاستفادة منها أو حتى التعرف عليها.

يصف المعالج النفسي الإنساني وناجي الهولوكوست Viktor Frankl، مؤلف كتاب البحث عن معنى الحياة، كيف أن بعض السجناء عند تحريرهم من معسكرات الاعتقال لم يتمكنوا من تصديق أن الواقع يمكن أن يكون مختلفًا، بل عادوا أحيانًا إلى المعسكر. هذه الحالة توضح أن البعض منا أكثر عرضة للعجز المتعلم من غيرهم، إلا أن الأبحاث تشير إلى أنه الاستجابة الافتراضية لدى البشر، ولكن يمكننا تعلم الأمل.

تعلم الأمل

تستند توقعاتنا للمستقبل غالبًا إلى خبراتنا السابقة. عندما نمارس تجارب تمنحنا رسائل تمكينية عن حياتنا وقدراتنا، تصبح هذه الرسائل توقعاتنا المستقبلية. تمامًا مثل توقعات الطقس، يمكننا إعادة برمجة توقعاتنا حول ما يمكن أن نحصل عليه من الحياة.

توضح العالمة العصبية Lisa Feldman Barrett، مؤلفة كتاب 7½ دروس عن الدماغ، أن أدمغتنا لا تعمل كمراسل ينقل الحقيقة ببساطة. فالأدمغة غالبًا ما تتنبأ أكثر مما تراقب، وتفسر إشارات جسدنا بشكل خاطئ: قد يعلن الدماغ عن شعور بالجوع بسبب التعب، بينما يكون السبب الجفاف فقط. أو يفسر سرعة ضربات القلب على أنها خوف، بينما يكون الشخص متحمسًا لتقديم عرض ناجح.

الدماغ ليس مراسلاً جيدًا، بل هو آلة للتنبؤ. إذا نشأت في بيئة غير مستقرة، قد يصبح دماغك مهيأً للتوقع السلبي: “العالم غير آمن!” وقد يتجاهل الإشارات الإيجابية من حولك. التعلم والخلاص من الخوف يحدثان في مناطق مختلفة من الدماغ؛ الخوف يُتعلم تلقائيًا، لكنه يحتاج إلى جهود واعية لإلغائه. وهذا يعني أنه علينا اختيار أسلوب حياة مختلف، والبدء بتحمل المسؤولية عن تفكيك الخوف أو الأنماط القديمة. المسؤولية هنا لا تعني لوم الذات، بل اتخاذ قرار بأننا قادرون على التغيير.

تحمل المسؤولية

تحمل المسؤولية يعني إدراك أن خبراتنا الماضية لا تحدد مستقبلنا. الشخص الوحيد الذي يمكنه تحديد ما ستفعله هو أنت. العمة آدا اختارت الطريق السلبي، حيث أرغمت أسرتها على الاهتمام بها وإرضاء كل رغباتها، مما حمى شعورها بالظلم، لكنه منعها من حياة كاملة. ومع ذلك، جاء اليوم الذي دفعها للتفاعل مع فلورا، لتعيد النظر في ذكرياتها الطويلة وربما الخاطئة، فتساؤل بسيط: هل كل ما أعتقده صحيحًا؟

تحمل المسؤولية يتطلب إدراك أن أدمغتنا تعمل بأفضل ما لديها، ويمكننا تزويدها بمعلومات وتجارب مختلفة. ويمكننا التشكيك في الرسائل السلبية التي يرسلها الدماغ، ليس فقط عن الحياة، بل عن مشاعرنا وأفكارنا في أي لحظة.

مركز السيطرة الداخلي

ارتباط سعادتنا بمدى شعورنا بالمسؤولية والقدرة على التحكم في حياتنا قوي جدًا. الأشخاص الذين يمتلكون مركز سيطرة داخلي يؤمنون بأنهم قادرون على تحويل المواقف الصعبة إلى فرص، بينما يعتقد أصحاب مركز السيطرة الخارجي أن الظروف الخارجة عن إرادتهم تحدد مصيرهم، ما يجعلهم أكثر عرضة للانغماس في المشاعر السلبية. تحسين مركز السيطرة الداخلي يمكن أن يزيد من سعادتنا وقدرتنا على مواجهة التحديات.

السؤال: ما، لا لماذا

تقول العالمة النفسية Tasha Eurich إن استخدام السؤال “ما الذي يحدث؟” أفضل من السؤال “لماذا حدث هذا؟”، لأنه يمنعنا من الانغماس في عقلية الضحية، ويحفز الفضول والتفكير الإيجابي. على سبيل المثال، إذا كنت تشعر بالحزن بسبب قلقك على حيوان أليف مريض، فإن السؤال “ما الذي أشعر به؟” يساعدك على التعرف على المشاعر الحقيقية دون تضخيمها.

الإفراط في التركيز على الصدمات

الناجية من الهولوكوست والمعالِجة النفسية Edith Eger تشير إلى أن الوقوع في الضحية يأتي من الداخل. الصدمات تحدث، لكنها ليست سببًا لنصبح ضحايا دائمين إلا إذا اخترنا التعلق بها. يمكن للتحديات أن تترك أثرًا دائمًا، لكنها توفر أيضًا فرصة للنمو والتعلم.

التركيز المفرط على الصدمات يمكن أن يكون ضارًا، حيث يحول الأشخاص إلى ضحايا مستمرين للحفاظ على وضع اجتماعي معين. الثقافة الحالية أحيانًا تعزز هذه العقلية من خلال المبالغة في مفهوم الصدمة وربطه بكل تجربة صعبة، ما يؤدي إلى شعور مزيف بالعجز.

الماضي لن يتغير، لكن يمكننا التغيير

اللغة التي نستخدمها لوصف تحدياتنا تؤثر على تجربتنا. إذا اعتبرنا كل صعوبة صدمة، فقد نُعيد برمجة دماغنا ليظن أن الحياة دائمًا قاسية. تعزيز الدقة في وصف مشاعرنا يساعد على تطوير مرونة نفسية أكبر. القدرة على التعامل مع التحديات ليست محددة مسبقًا؛ يمكن تعلمها. قبول ما حدث، وفهم التجارب، واستخدامها كنقطة انطلاق نحو حياة أفضل، يتيح لنا إعادة كتابة قصتنا.

تمامًا مثل آدا دوم، يمكننا قبول الماضي كما هو، وعدم السماح له بالسيطرة على حياتنا في الحاضر. الانتقال إلى الأمام لا يعني تجاهل ما حدث، بل يعني تحمل المسؤولية، والاعتراف بأننا نحن من نملك زمام حياتنا. الخبرات السيئة قد تغير دماغنا، لكن بإمكاننا نحن أيضًا تغييره بالطريقة التي نريدها.

الملخص:
لكي نتوقف عن كوننا ضحايا لماضينا، يجب أن نفهم أن الضحية الحقيقية تنشأ من الداخل، وأن الدماغ يتنبأ أكثر مما يراقب، وأن المسؤولية لا تعني اللوم بل القدرة على الاختيار. التركيز على “ما يحدث” بدل “لماذا حدث” يساعد على الحفاظ على الفضول والتوازن، بينما الإفراط في التركيز على الصدمات يمكن أن يعطل النمو الشخصي. بالنهاية، قبول الماضي، التعلم منه، والتحرك نحو المستقبل بوعي ومسؤولية هو السبيل للحرية الحقيقية والنمو.

المرجع

  How to Stop Being a Victim of Your Past https://www.psychologytoday.com/us/articles/202503/how-to-stop-being-a-victim-of-your-past